
إنهيار حل الدولتين نهاية للدولة اليهودية!
جمال محمد تقي
انسجام الاهداف المعلنة لنتنياهو وحكوماته المتعاقبة، حتى تشكيلتها الحالية التي يعتبرها الذروة في تطبيق الغايات الكبرى، وفي المقدمة منها، إنهاء وجود القضية الفلسطينية وتحقيق حلم اسرائيل الكبرى، المدعومة بسلسلة من القوانين المتواترة والتي اقرها الكنيست بالتتابع قبل وبعد 7 اكتوبر 2023، ومنها اقرار قانون اساسي يعتبر اسرائيل الدولة القومية لليهود، وبالتالي لهم وحدهم حق تقرير المصير داخل اسرائيل، ومنع قيام الدولة الفلسطينية، والدعوة لضم الضفة الغربية، بعد تفعيل قرار إلغاء فك الارتباط بمستوطنات شمال الضفة، وقرار اعتبار القدس الكبرى عاصمة ابدية لاسرائيل، يدحض تماما الرأي القائل بأن ما تقوم به اسرائيل هو مجرد ردة فعل انتقامية على طوفان الاقصى وتداعياته، ويسفه محاولات البعض تعميم هذا التصور على تعاطي اسرائيل مع جوارها العربي وخاصة سوريا ولبنان، وما اعلن عنه نتنياهو مؤخرا بكونه بمهمة تاريخية وروحانية شديدة التعلق برؤية اسرائيل الكبرى، شهادة من اهلها على السعي الاسرائيلي الحثيث للتوسع المتدرج وبتحين للفرص المؤاتية لقضم وهضم ما هو مستطاع من اراضي الاغيار، من الجولان حتى جنوب دمشق، ومن مزارع شبعا حتى الليطاني، والبقية تأتي من النيل حتى الفرات، وعليه لا غلو في قول ان طوفان الاقصى جاء كردة فعل على الغطرسة والتغول الاحتلالي الاسرائيلي الذي يزداد بطشا وليس العكس، في ظل استكانة وتهادن اقليمي ودولي وإنكسار فلسطيني كرسته مآلات اوسلو، والنذر كلها كانت تشي بالتقهقر والتمادي الصهيوني المرادف لإختراقات اقليمية جسيمة، وبالرغم من عظمة التضحيات وهولها وفداحتها، لكن مقاومة غزة اذهلت الجميع وصمدت ببسالة قل نظيرها واعطت درسا في تحدي واحدا من اقوى جيوش العالم، والمدعوم اصلا باقواها على الاطلاق، الجيش الامريكي الذي ترتجف من خياله فرائص دول الاقليم، مقاومة اهل غزة ايقضت ضمير العالم وفضحت معاييره المقلوبة، جعلت سيد البيت الابيض في حيرة من امره، بعد ان اصبحت اسرائيل المدللة منبوذة تطاردها لعنات الشعوب، وهو يتعجل نتنياهو، بأن ينهي الامر سريعا، والاخير يحاول دون جدوى، فلم يبقى في غزة حجر على حجر، ومنع عن اهلها الغذاء والدواء حتى الماء، ولو تمكن من منع الهواء لفعل، القصف لاينقطع وبلا رحمة، والطيران كالذباب يتابع بحمله الاجساد كل الاجساد وبلا تمييز بين اطفال ونساء وشيوخ، بين طبيب ومسعف وصحفي ومقاتل، جيش ينتحر البعض من جنده لعدم تحملهم مشاهدا لا يحتملها انسان، صمدت غزة واعطت درسها الذي يقوم مقام النصر ان فاتها النصر، وهو لم يفتها ، يهددون باحتلال كامل غزة وكأنها لم تحتل بعد، غزة محتلة وشعبها يقاوم التجويع والتقتيل والتهجير والإبادة!
ملح الارض!
لا يخفي نتنياهو كراهيته لفلسطين والفلسطينيين والعرب اجمعين، في كتاباته يفاخر بانه سليل لرؤية جابوتنسكي، احد اكثر المنظرين الصهاينة عنصرية وتشدد وقسوة ،هو الاب الروحي لليكود، وصاحب كتاب الجدار الحديدي لإخضاع المحيط العربي بالقوة وبالمزيد منها حتى لا تقوم لهم قائمة، وعليه جند نتنياهو نفسه مذ وقت مبكر لهدف اسرائيل اليهودية من البحر للنهر، ثم اسرائيل الكبرى المتطهرة من الوجود الفلسطيني والعربي، لأنه حتى لو كان خانعا وطيعا فأن مجرد وجودهيذكر المستوطنين بأن لهذه الارض شعب يخلص لها، فكيف الحال والفلسطينيون يناطحون السماء لتمطر من اجل شجرات زيتونهم وزعترهم، وهذه الارض تشهد لهم، وكأنهم ملحها؟
جاء لقاء الذروة في الثلاثي، نتنياهو، سموتريتش، وإتماربن غفير، ليستظل برعاية سيد سيد البيت الابيض، رئيس للوزراء ووزير للمالية بملحق ادارة الضفة الغربية في وزارة الدفاع ثم ثالثهم وزير للامن الوطني، يكمل بعضهم بعضا، في السعي لتنغيص حياة الفلسطينيين اينما كانوا والعرب في كل جوار، في سلب الارض وضمها وتهجيراهلها واعدام وسجن المقاومين منهم!
العمل بشغف حكومي على تهويد الضفة بما فيها القدس الشرقية وذلك برفع اعداد مستوطنيها من نحو 700 ألف مستوطن الى مليون، والزيادة المفتوحة في اعداد المستوطنات البالغة حتى الان 131 مستوطنة وذلك ببناء بؤر إستيطانية جديدة وتوسعتها لتشمل بقانون المستوطنات الذي يوفر البنى التحتية من طرق وخدمات مدنية كتوصيلات للماء والكهرباء ومرافق عامة، اضافة الى شبكة الحماية الامنية ناهيك عن الحماية الذاتية بتسليح القادرين منهم على حمل السلاح، وكل ذلك، لفرض امر واقع ديموغرافي وطوبغرافي جديد ينفي اي احتمال لاقامة كيان فلسطيني مستقل، والقرار الاخير لسموتريتش بفصل جنوب الضفة عن شمالها وعزل القدس عن محيطها الفلسطيني بأحزمة متواصلة من المستوطنات ، كخطوة بهذا الاتجاه ، واللاسف لم تواجه بما يناسبها من عقوبات او انذارات محلية او
اقليمية او دولية!
دولة الفصل العنصري !
تكامل الثلاثي الاسرائيلي مع قيادة ترامب في محاولة قتل مشروع الدولة الفلسطينية، فالاخير يلمح الى صغر ارض اسرائيل، ويقترح تهجير اهل غزة بعد احتلالها، ويسخر بتهكم متعالي من الدول التي تدعم حل الدولتين، والادارة الامريكية قاطعت مؤتمر نيويورك الداعي لتجسيد حل الدولتين ودعت لمقاطعته، وترامب هدد علنا كندا بعد اعلان نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية، اما مايك جونسون رئيس مجلس النواب الامريكي فقد زار اسرائيل مؤخرا على رأس وفد نيابي، وتعمد الاطلاع على واقع مستوطنة آريئيل في الضفة الغربية ليقول بأن يهودا والسامرة "الضفة الغربية" ملك للشعب اليهودي، وعن السفير الامريكي مايك هاكابي، حدث ولا حرج ، فقد نصح ماكرون بإقامة دولة فلسطينية على الاراضي الفرنسية، ثم قالها صراحة ان بلاده لم تعد تسعى لاقامة دولة فلسطينية! نتنياهو يعد العدة لاحتلال كامل غزة وتنصيب ادارة محلية منزوعة السلاح تحت السيطرة الامنية الاسرائيلية، مع فتح الابواب للهجرة "الطوعية" وان تحقق ذلك فأن الإستيطان في القطاع سيكون واردا، بالتزامن مع اعلان السيادة الاسرائيلية على الضفة الغربية وبإعتراف محقق من ترامب، بمعنى ان يكون نحو 4 مليون فلسطيني هم من سكان دولة اسرائيل يضافون الى اكثر من مليونين من فلسطيني 48 ، واذا حاولت اسرائيل تجميل صورتها بإعتبار كل المتبقين من سكان الضفة والقطاع بعد ضمه، مواطنون اسرائيليو، فأن الطابع اليهودي للدولة يكون قد انتهى نظريا على اقل تقدير!
