
حين يصبح التأقلم خسارة للذات
نوال عايد الفاعوري
لا يولد الإنسان منهكا، ولا يأتي إلى الحياة محملا بكل هذا القدر من التعب
لكنه مع مرور السنوات يجد نفسه في بيئات مريضة تستنزف روحه بصمت وتطالبه كل يوم بأن يكون أكثر قدرة على الاحتمال
وأكثر استعدادًا للتنازل
وأكثر مهارة في إصلاح ما لم يكن يومًا سببًا في كسره.
نمضي أعمارنا نستهلك أعصابنا في محاولة ترميم علاقات صدعتها أنانية الآخرين
ونبرر أخطاء لا تستحق التبرير ونمنح الفرص لمن اعتاد أن يهدرها
نقنع أنفسنا أن الصبر فضيلة في كل الأحوال
وأن الصمت حكمة
وأن التنازل دليل نضج حتى يصبح ما كان استثناء أسلوب حياة
كبرنا ونحن نتعلم كيف ننجو لا كيف نعيش
تعلمنا كيف نتفادى العواصف
لكن أحدا لم يعلمنا أن الحياة ليست مجرد الهروب من الألم بل القدرة على البحث عن الفرح أيضا
تعلمنا كيف نخفي دموعنا
وكيف نبتلع الكلمات التي كان ينبغي أن تُقال
وكيف نؤجل أحلامنا حتى يمر الوقت
فإذا بالوقت هو الذي يمر بنا
وفي سبيل التأقلم ارتكبنا الخطيئة الأكبر في حق أنفسنا
قصصنا أجزاءً من أرواحنا كي تتسع للأماكن التي لم تكن تتسع لنا
وغيّرنا ملامحنا لنرضي من لا يرضيه شيء واعتدنا حمل الأثقال حتى ظننا أن التعب هو صورتنا الطبيعية
ثم يأتي ذلك اليوم الذي ننظر فيه إلى المرآة فلا نبحث عن التجاعيد التي تركها الزمن بل عن الإنسان الذي كنا عليه قبل أن تسرقه محاولات التأقلم
نكتشف أن أكثر ما فقدناه لم يكن سنوات العمر بل ذواتنا التي ذابت شيئًا فشيئًا تحت ضغط الاعتياد والخوف والرغبة الدائمة في إرضاء الجميع
إن أثقل الخسارات ليست ما سرقته الأيام من أعمارنا فالعمر يمضي على الجميع وإنما ما سرقته منا ونحن نقنع أنفسنا بأن البقاء في المكان الخطأ نوع من الوفاء
وبأن احتمال الأذى فضيلة
وبأن الصمت علاج لكل الجراح
ولعل النجاة الحقيقية لا تبدأ عندما نتقن التأقلم بل عندما ندرك أن بعض البيئات لا تُصلح
وبعض العلاقات لا تُرمم
وأن أعظم شجاعة يمتلكها الإنسان هي أن يعود إلى نفسه قبل أن يخسرها بالكامل فليس كل انسحاب هزيمة
وليس كل بقاء انتصارًا
أحيانًا يكون الرحيل عن كل ما لا يشبهنا هو أول خطوة نحو الحياة التي نستحقها
نوال عايد الفاعوري
