للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 34

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

كان في توديعنا، أنا وابن خالتي، في محطة قطار الموصل (هـ. ث. م)، بدايةُ مشوارٍ طويلٍ وصعب، تغيّرت خلاله كل مسارات حياتي، وتفتّحت ذهنيتي على أمور جديدة، سواء اجتماعية أم سياسية، لم أعهدها سابقاً. ازدادت ثقافتي، وتجددت طاقتي، وتعزّز اندفاعي نحو العمل الحزبي والطلابي، يقابلها ضياع البوصلة الحياتية.

 

بعد مسيرٍ التهم فيه القطار ساعات الليل كلّها، وكانت هذه رحلتنا الأولى إلى الموصل للالتحاق بالجامعة، وصلنا إلى محطة القطار، وكان في استقبالنا عدد من زملاء اتحاد الطلبة العام الذين وصلت أخبارنا إليهم، ومن بينهم الزميل والرفيق الراحل "حازم الهلالي (أبو أحمد)"، الذي كان يدرس الرياضيات في كلية العلوم، وهو من أهالي الديوانية وصديق ابن خالتي.

 

لقد قام الراحل العزيز حازم، هو وعدد من الزملاء، بواجبٍ كبير، خصوصاً في ما يتعلق بتقديم المستمسكات ومتطلبات التسجيل في الجامعة، وكذلك التسجيل في الأقسام الداخلية.

اضطررت إلى الحجز والمبيت في أحد الفنادق المتواضعة، حيث ذهب ابن خالتي مع أصدقائه، وهم من أهالي الديوانية من الطلبة الذين يدرسون في جامعة الموصل منذ سنوات.

 

في صباح اليوم التالي، اصطحبنا زملاؤنا إلى دائرة التسجيل الرئيسية في الجامعة كي نتهيأ للدوام الفعلي خلال أيام.

لم أتمكن من الحصول على مكان في الأقسام الداخلية (ولا أعرف السبب)، بينما حصل ابن خالتي على موقع له في إحدى البنايات، فقررت البقاء في الفندق مدة من الزمن. هنا بدأت معاناة الغربة والانفصال عن المجموع، بعيداً عن أقراني وزملائي.

 

في بداية الدوام، كنت مندفعاً في الاستمرار بالحضور إلى الكلية، لكن بسبب بُعد سكني في الفندق، بدأت أشعر بالتقاعس، ولم أعد أهتم بالمواظبة على الحضور، رغم سهولة المواد الدراسية، التي كانت تُدرَّس باللغة الإنكليزية مثل الفيزياء والكيمياء والرياضيات والجيولوجيا، إضافة إلى مادة باللغة العربية هي الثقافة القومية.

 

قلت إننا في بغداد عانينا من فتور العمل الاتحادي، بينما في الموصل، وعلى العكس، كان في ذروته. لذلك، وبعد وصولي إليها، رميت بنفسي في العمل الاتحادي، ضمن إحدى لجانه التي أُعيد تأسيسها بسبب الزخم الكبير الناتج عن توافد الطلبة إلى كليات ومعاهد الموصل، خصوصاً من قرى ونواحي وأقضية محافظة نينوى، وباقي المحافظات المتاخمة، إذ إن أغلب تلك المناطق كانت تاريخياً مرتبطة بالنضال اليساري، وكان مسارها الدراسي ينتهي غالباً في جامعة ومعاهد الموصل.

 

كان النظام يستقدم العديد من المستبعثين للدراسة في الموصل، لأنه شعر بالخطر نتيجة تعاظم وجود الحزب الشيوعي العراقي فيها. وقد أثبت هذا التواجد، بالدليل القاطع، فشل محاولات الرجعيين والقوميين، بما فيهم البعثيون، في النيل من الحزب الشيوعي بحجة أحداث 1959، بل إن العكس هو الصحيح.

(يتبع)