للذهاب الى صفحة الكاتب   

تاريخ التصوير الفوتوغرافي في القوش*

إعداد وتوثيق: نبيل يونس دمان

 

 

يُعد الشماس صادق عبد الأحد قس منصور سورو أول مصور فوتوغرافي شمسي في بلدة القوش، إذ أدخل هذا الفن إليها في منتصف خمسينيات القرن الماضي، بعد أن اقتنى كاميرا شمسية كانت من أحدث وسائل التصوير آنذاك. وقد انتشرت هذه الكاميرات منذ ثلاثينيات القرن العشرين، وسُمّيت «شمسية» لأنها تعتمد على ضوء الشمس الطبيعي لالتقاط الصور في الهواء الطلق، دون الحاجة إلى الإضاءة الصناعية أو أي عمليات تعديل كما هو الحال في التقنيات الحديثة.

 

في تلك الحقبة كانت الصور الفوتوغرافية تُستخدم غالبًا في المعاملات الرسمية، مثل وثائق الجنسية والنفوس والتسجيلات المدرسية، بينما كان التصوير للذكرى أو المناسبات الاجتماعية محدودًا. وكانت جميع الصور تُطبع بالأبيض والأسود، لتوثق ملامح الناس وملابسهم وحياتهم اليومية، وتصبح اليوم جزءًا من الذاكرة البصرية لبلدة القوش.

 

كان الشماس صادق يستقبل زبائنه أمام الجدار الجنوبي لمنزله في محلة التحتاني، مقابل ثانوية القوش، في الموقع المعروف ب (مُلك شيشا)، حيث تُنصب الكاميرا على حاملها الثلاثي تحت أشعة الشمس المباشرة. وهناك وقف مئات الرجال والنساء والأطفال لالتقاط صورهم، فأصبحت عدسته شاهدة على وجوه أجيال متعاقبة من أبناء القوش والقرى الأيزيدية والكردية المجاورة.

 

ولم يكن نجاحه قائمًا على امتلاك الكاميرا فحسب، بل على إتقانه لجميع مراحل العمل. فقد كان يُحضّر بنفسه محاليل التظهير والتثبيت، إذ يشتري المواد الكيميائية من مدينة الموصل على شكل مسحوق، ثم يذيبها بالنسب الدقيقة ويحتفظ بها في زجاجات خاصة تُخزن تحت الحب (الزير الفخاري) داخل المنزل، حيث تبقى باردة وتحافظ على صلاحيتها. وكانت هذه الخبرة تعكس دقته وحرصه على إخراج صور واضحة ومتقنة.

 

أما جلسة التصوير فكانت تتم بهدوء ودقة. كان يستقبل زبائنه بابتسامته المعهودة وسيكارته التي لا تكاد تفارقه، ثم يضبط جلستهم ووضعية أجسامهم بعناية، ويضع خلفهم الستارة السوداء، قبل أن يراجع وضوح الصورة من خلال الزجاج المصنفر داخل الكاميرا. وبعد أن يطمئن إلى دقة التركيز، يبدأ العد بصوته الهادئ: «واحد… اثنان… ثلاثة»، لتنطبع الصورة على اللوح الحساس بصورة معكوسة، ثم تمر بمراحل التظهير والطباعة حتى تخرج بالشكل الذي عرفه الناس في ذلك الزمن.

 

ومن أجمل ما يُروى عن الشماس صادق قصة اقتنائه للكاميرا الشمسية. ففي خمسينيات القرن الماضي زار القوش أحد المصورين العاملين مع الجيش البريطاني، وكان يتنقل بين القرى لالتقاط الصور. جذبت الكاميرا أنظار الأهالي، لكن الشماس صادق نظر إليها بعين المتعلم الشغوف، فراقب طريقة عملها بدقة حتى استوعب أسرارها. وبعد انتهاء المصور من عمله، فاوضه على شرائها، ودفع ثمنًا كان كبيرًا بمقاييس ذلك الزمن، مؤمنًا بأن الاستثمار في العلم والمعرفة أثمن من المال. ومنذ ذلك اليوم بدأت صفحة جديدة في تاريخ التصوير الفوتوغرافي في القوش، وأصبح اسمه مقترنًا بريادة هذا الفن في البلدة.

 

ولم يحتفظ الشماس صادق بخبرته لنفسه، بل نقلها إلى غيره. ففي ستينيات القرن الماضي بدأ يساعده قريبه الشماس فرنسيس صنا، الذي تعلم أسرار المهنة بسرعة وأتقنها. ومع انتشار الكاميرات الحديثة افتتحا معًا استوديو للتصوير في دار الشماس صادق، واستمر عمله حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي، ثم انتقل إلى السوق العصري الثاني في محلة التحتاني، حيث تولى الشماس فرنسيس إدارته باسم ستوديو القوش، مواصلًا المسيرة التي بدأها أستاذه.

 

وقد تميز الشماس فرنسيس بعدسته المبدعة، فوثق معالم القوش ودير الربان هرمزد والمناظر الطبيعية والتراثية المحيطة بها، وأصبحت صوره وبوستراته التذكارية من أجمل ما يقتنيه زوار البلدة، لما تحمله من قيمة فنية وتاريخية، ولما حفظته من ملامح القوش في زمنها الجميل.

 

وامتدت مسيرة التصوير داخل أسرة الشماس صادق، إذ واصل ولداه أبلحدسورو وصباح سورو هذا الفن، وكان صباح من أبرز المصورين الذين افتتحوا عدة استوديوهات للتصوير في بغداد، مواصلًا الإرث الذي تركه والده.

 

ولم تقتصر مواهب الشماس صادق على التصوير، بل كان مثالًا للإنسان المنتج والمبدع. فقد أتقن النسيج والحياكة، وتربية النحل وإنتاج العسل، وتلوين خيوط الغزل، وتجليد الكتب، والخط السرياني، فضلًا عن عدد من الحرف اليدوية التي عُرف بإبداعه فيها، فاستحق مكانة مميزة بين أبناء القوش.

 

ومن الإنصاف أن نذكر أسماء عدد من رواد التصوير الآخرين في البلدة. ففي عام 1959 جلب العم ميخا كشو كاميرا شمسية من مدينة السماوة، وعمل في التصوير الشمسي مدة من الزمن. كما افتتح ابنه الشماس فرنسيس، بالتعاون مع خاله يونس، استوديو للتصوير قرب القنطرة، وإن لم يستمر طويلًا. ويُذكر كذلك جميل إيسفصارو (سرسروكي) الذي مارس التصوير الفوتوغرافي وأسهم في تطور هذه المهنة. وفي عام 1981 افتتح أبلحدسورو وفرنسيس صناستوديو القوش، لكن أبلحد ترك المهنة لاحقًا بسبب التزاماته الوظيفية وأعماله الزراعية، بينما واصل الشماس فرنسيس عمله حتى أصبح أحد أبرز مصوري القوش.

 

ومع انتشار الكاميرات الحديثة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ثم دخول التصوير الرقمي لاحقًا، انحسرت الكاميرا الشمسية حتى أصبحت قطعة تراثية تروي بدايات هذا الفن. غير أن الصور التي التقطها الرواد الأوائل ما زالت تحتفظ بقيمتها التاريخية، لأنها وثقت وجوه الناس وحياة البلدة في مرحلة مهمة من تاريخها، وستبقى شاهدًا على جهود رجال مخلصين، وفي مقدمتهم الشماس صادق عبد الأحد قس منصور سورو، الذي يستحق أن يُذكر بوصفه رائد التصوير الفوتوغرافي في القوش، وأحد الذين حفظوا بعدستهم ذاكرة البلدة للأجيال.

 

* كتب هذا الموضوع الاخوان: د. منهل منصور سورو والأستاذ هاني بطرس خندي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

California on July 19, 2026

 

 

الشماس صادق ابلحد سورو مع كامرته الشمسية

 

 

الأستاذ فرنسيس ميخائيل صنا