للذهاب الى صفحة الكاتب   

الدولة أم السوق... أم أن المشكلة في مكان آخر؟

يونس متي

 

 

يتكرر في النقاش الاقتصادي العراقي سؤال يبدو واضحا: هل ينبغي توسيع دور الدولة، أم فتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية؟

 

غالبا ما يقدم الأمر وكأننا أمام خيارين متعارضين: دولة تحمي الفئات الفقيرة وتؤدي دور اجتماعي وتنموي، أو اقتصاد سوق يقود إلى تقليص دور الدولة وزيادة الاستغلال والتبعية. لكن الواقع يبدو أكثر تعقيدا.

 

فالسياسات الاقتصادية ليست محايدة، ولكل سياسة مستفيدون ومتضررون. غير أن توسيع دور القطاع الخاص أو دخول الاستثمار الأجنبي لا يؤديان بالضرورة إلى إضعاف دور الدولة أو السيادة الوطنية، كما أن توسيع دور الدولة لا يضمن وحده تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية.

 

بالنسبة للعراق. فالدولة نفسها مخترقة بالمحاصصة وشبكات الفساد، وتحولت أجزاء من مؤسساتها إلى ساحات لتقاسم النفوذ والعقود والموارد، كما يعاني القطاع العام في كثير من مؤسساته سوء الإدارة وضعف الإنتاجية.

 

بالمقابل، لا يمثل القطاع الخاص العراقي، بصورته الحالية، قطاع منتج ومستقل. فجزء واسع منه يرتبط بالعقود الحكومية والاستيراد والإنفاق العام، وتتداخل بعض مصالحه مع شبكات النفوذ السياسي. ولهذا فإن نقل بعض الأنشطة من الدولة إلى القطاع الخاص لا يعني بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وكفاءة بشكل تلقائي.

 

كما أن التجارب التاريخية تدعونا إلى الحذر من التعامل مع توسيع دور الدولة بوصفه حل بحد ذاته. فقد أظهرت تجارب الأنظمة الاشتراكية السابقة، وكذلك تجارب عدد من بلدان ما بعد الاستعمار، أن اتساع ملكية الدولة وإدارتها المباشرة للاقتصاد لا يضمنان الكفاءة أو العدالة الاجتماعية. ففي غياب الرقابة والمساءلة والديمقراطية، يمكن أن تنتج جهاز بيروقراطي ضخم، وضعف في الإنتاجية، وهدر وفساد.

 

وأثبتت التجربة أن السؤال لا يتعلق بمن يملك لوحده، وإنما بمن يدير أيضا، وكيف تدار المؤسسات، ومن يراقبها، ولصالح من تعمل. فالملكية العامة لا تصبح اجتماعية لمجرد أن الدولة تكون هي المالك، مثلما أن الملكية الخاصة لا تضمن الكفاءة أو التنمية لوحدها.

 

أن توسيع النشاط الاقتصادي لدولة مثل العراق، مخترقة بالمحاصصة وشبكات المصالح قد يؤدي إلى توسيع مساحة النفوذ والفساد بدلا من توسيع العدالة الاجتماعية. وفي المقابل، فإن خصخصة الاقتصاد في ظل هكذا الدولة قد يؤدي الى نقل الموارد العامة إلى قوى اقتصادية مرتبطة بمراكز السلطة والنفوذ.

 

لهذا لم يعد يكفي الاختيار بين «قطاع عام» و«قطاع خاص» وفق تصورات أيديولوجية جاهزة. المطلوب تحديد ما الذي ينبغي أن تديره الدولة، وما الذي يمكن أن يقوم به القطاع الخاص، وكيف يخضع الاثنان للرقابة والمساءلة والمصلحة العامة.

 

يحتاج العراق إلى دولة قوية بمؤسساتها وقوانينها ورقابتها، قادرة على التخطيط وتوفير الخدمات وحماية الحقوق الاجتماعية، لا إلى جهاز متضخم تتحكم فيه المحاصصة والفساد. ويحتاج إلى قطاع خاص منتج يساهم في الصناعة والزراعة والخدمات وخلق فرص العمل، وليس قطاع يعيش على العقود الحكومية والاستيراد والمضاربة.

 

أما الاستثمار الأجنبي، فلا يمكن قبوله أو رفضه بصورة عامة. فهناك فرق بين استثمار ينقل التكنولوجيا، ويوفر فرص العمل، ويسهم في بناء قاعدة إنتاجية، وبين استثمار يبحث عن الربح السريع أو يستفيد من ضعف الدولة. المسألة تتعلق بشروط الاستثمار، والقطاعات التي يتوجه إليها، وقدرة الدولة على تنظيمه بما يخدم مصالح البلاد.

 

لكن بناء اقتصاد متنوع ومنتج لا يتحقق بمجرد توسيع دور الدولة أو فتح الأبواب أمام القطاع الخاص والاستثمار. فاقتصاد النفط أنتج، إلى جانب موارده المالية، شبكة واسعة من المصالح والعقود والامتيازات. وأصبحت السيطرة على الدولة، بالنسبة إلى قوى عديدة، افضل طريق للسيطرة على الموارد وبناء النفوذ والولاءات.

ولهذا يصطدم الانتقال إلى اقتصاد منتج بمصالح تستفيد من بقاء الاقتصاد على حاله. والحديث عن «تنويع الاقتصاد» يظل شعار عام ما لم نحدد كيف يتحقق، وما هي القطاعات التي ينبغي تطويرها، ومن يقود عملية التنمية، وكيف تمول، وما أدوار الدولة والقطاع الخاص والاستثمار فيها.

 

العراق لا يحتاج إلى دولة تنسحب من مسؤولياتها الاجتماعية، ولا إلى دولة تحتكر النشاط الاقتصادي وهي عاجزة عن إصلاح مؤسساتها. كما لا يحتاج إلى قطاع خاص يعيش على الريع، ولا إلى استثمارات أجنبية تعمل بلا رؤية وطنية واضحة.

القضية ليست الاختيار بين الدولة والسوق، وإنما في طبيعة الدولة والسوق معا، وفي كيفية إدارة الاقتصاد، ومن يراقبه، ولصالح من يعمل. العراق يحتاج إلى دولة قادرة على توجيه التنمية، وقطاع خاص يساهم في الإنتاج، واستثمار يخدم حاجات البلاد، وعلاقة بين الجميع تحكمها المصلحة العامة بدلا من شبكات الريع والنفوذ.

 

ان جوهر المشكلة يكمن في طبيعة النظام السياسي والاقتصادي القائم، الذي جعل مؤسسات الدولة وجزء واسع من القطاع الخاص يدوران في دائرة الاقتصاد الريعي، ويتداخلان مع شبكات المصالح والنفوذ وتقاسم الموارد. وما دامت هذه القواعد قائمة، فلن يكون توسيع دور الدولة أو توسيع مساحة السوق، كل على حدة، كافي لبناء اقتصاد منتج يلبي حاجات العراق.