
انابيب العقبة وبانياس وينبع
سعد السعيدي
استرعى انتباهنا من خلال الاخبار العامة قيام علي الزيدي رئيس الوزراء في محل اقامته في واشنطن بالتباحث مع وزير الخارجية الاردني حول إنشاء خط انبوب العقبة.
قبل الاستمرار في الموضوع نذكر الزيدي بامر شديد الاهمية واجب عليه ان يضعه نصب عينيه. وهو انه لم يأت الى رئاسة الحكومة بطريق انتخابات مشروعة شارك بها كل الشعب العراقي ليبدأ بالتصرف على هواه. وإنما اتى بطريق اتفاق سياسي بين اطراف فاشلة في الانتخابات الاخيرة التي قاطعها نفس الشعب وبغالبية كبيرة. وهو على هذا لا يتوافر على المشروعية اللازمة للمبادرة بالتفريط بمصالح البلد. وبالاخيرة نعني مع هذا الانبوب. وهو موضوع كتبنا عنه كثيرا في السابق وسنعيد الكرة هنا ايضا.
نقول للزيدي باننا لا نعتبر شيئا ايجابيا صمته حتى الآن عن امر هذا الانبوب بعد الاعلان عن تباحثه مع الاردنيين بشأن بنائه. ايضا للتذكير فكل من كتبوا حول هذا الانبوب قد اجمعوا على ان كلفته ستكون باهظة علاوة على الخطر المتمثل بامنه. فهو بنية تحتية استراتيجية ستقع في مرمى اسلحة الاعداء لدى دخوله الاراضي الاردنية. وليس واضحا لدينا ما تكون الضمانات التي حصلت عليها حكومة الزيدي حكومة التفريط بمصالح البلاد من الرئيس ترامب كي تبدأ بالتباحث حول هذا الانبوب.
سنعيد اذن تذكير الزيدي بما ذكرناه من امور في السابق حول امر إنشاء هذا الانبوب. إذ قطعا ستعهد وزارة النفط ببنائه الى الشركات الاجنبية. وسيتبع في انشاء جزء الخط الممتد من حديثة الى العقبة طريقة البناء – التملّك والتشغيل – نقل الملكية. ولغير المطلعين تعني هذه الجملة الاخيرة ان الشركة المنفذة ستتملكه لفترة زمنية وستديره بنفسها قبل ان تنقل ملكيته لاحقا الى وزارة النفط.
وفي تفاصيل ملكية الخط الذي سيكون بعد بنائه ملكا صرفا للشركة التي انشأته هو ان فترة الامتياز اي فترة التملك ستكون 25 عاما وهي فترة طويلة جدا، قبل ان تنقل ملكيته الى الحكومة العراقية... وهذا إن حصل نقل الملكية هذا ولم تتنازل او تتعمد الحكومة إهمال المطالبة به. ولا نعلم إن كنا سندفع مبالغا طائلة من المال العام للشركة المالكة للانبوب خلال فترة ملكيتها له بحجة حمايته. وعلى عادة كل حكومات الفساد التي حكمت العراق لن يجري الاعلان عن اسم الشركة التي ستنجز الخط ولا عن تفاصيل الاتفاق. فتفاصيل مثل هذه هي مما سيبقيها الزيدي طي الكتمان في اية محادثات سياسية يجريها. واحاطة مشروعا هائلا مثل هذا بالغموض والاسرار معناه ان ثمة ما يدبر بليل مما يشير الى نية فساد حيث سيهيء فسحة لسرقة المال العام. وطبعا فلن يعلمنا الزيدي كيف سيستقيم كل هذا مع تظاهره بمحاربة نفس الفساد. فهذا هو حال كل المشاريع التي اقيمت في هذا العهد الزاهر بقتامته ومفسديه. وهو ما يذكر بمحاولة المالكي في السابق في ما عرف بقانون البنية التحتية.
وبشأن نقل الملكية هناك نقطة اخرى مثيرة للريبة والقلق تتعلق بجزء الخط المار بالاردن. فإن كان نقل الملكية سيذهب مناصفة بين العراق والاردن كما علمنا وقتها فلنا ان نسأل عمن سيدفع للشركة التي ستشغل جزء الخط العراقي المار بالاردن ؟ هذا يعيدنا الى ما علمنا به في السابق عن المشروع حول تمويل العراق لكل اجزاء الخط من المال العام ومنح جزء منه للاردن. وهو امر بهذا الشكل مرفوض بالمطلق.
من الضروري اعادة التنبيه الى ان لا ضمان لدينا من ان الانبوب لن يتعرض للتدمير بضربة عسكرية حتى مع وجود الشركة الخاصة. وهذا الخطر سيضع البلد باكمله تحت طائلة الابتزاز. فإن كان هذا ما يراد القيام به فعلينا ليس فقط ايقاف هذا المشروع الباهظ والشديد الخطورة على امن البلد وانما ايضا ان يعلن على الرأي العام كل رئيس وزراء قادم عن تبرؤه مقدما عن مشاريع مثل هذه، وان يكون هذا من ضمن برنامجه. ويتوجب احالة رئيس الحكومة الى القضاء في حال استمراره في هذا المشروع لتفريطه بالمال العام وتعريضه امن البلد للخطر.
يلاحظ تجنب طغمة مجلس النواب القيام بعملها في مساءلة الزيدي الرئيس الجديد لحكومة المنظمة السرية عن هذا المشروع وعن تكلفته الباهظة وعن جدواه وصمتت عنه وعن نتائج مباحثاته مع الاردن. وهو ما يعني بانه لن يكون مستغربا عدم وجود منفعة مباشرة لاعضاء هذه الطغمة من انشاء الخط عدا عن كونها لا تمثل إلا نفسها بعد الانتخابات التي قاطعها العراقيون للمرة الثالثة على التوالي مع رهط الفاسدين. لذلك لن يكون اعضاء هذه الطغمة معنيين بمعرفة بجيوب من ستذهب اموال جباية الخط طالما كانوا على علاقة مع هذه الجيوب.
وسط هذه التسريبات المتعلقة بانبوب النفط الى الاردن، جرى تناسي وجود انبوب عراقي آخر قائم لتصدير النفط. انه انبوب ينبع الذي يمتد من الحقول العراقية الجنوبية ليصب في البحر الاحمر. وهو الذي خصص له هناك ميناء تصدير خاص به من ضمن بنية التصدير العراقية في ميناء المعجز القريب من ميناء ينبع السعودي. هذا الانبوب قد بني هو ومينائه باموال عراقية صرفة ولم يستخدم إلا فترة قصيرة حتى الغزو العراقي للكويت. ثم بحجة الحرب وقرارات مجلس الامن الدولي قامت السعودية بالاستحواذ عليه. ثم صارت تستخدم خط الانابيب والميناء لنفسها منذ العام 2000 بعدما اعلن عن مصادرتها له.
هذا الانبوب ومينائه هو مال عام من بنية تحتية عراقية صرفة تحكمه اتفاقية موقعة مع السعودية تنظم امره واستخدامه. وقد نصت هذه الاتفاقية على أنه ليس من حق هذه التصرف به دون العودة إلى صاحب الحق الاستثماري فيه الذي هو العراق. وهو بهذا لا يمكن التجاوز عليه مطلقا تحت اية حجة وذريعة. هذا الانبوب يغنينا تماما عن فكرة انبوب العقبة ذو التكلفة الخيالية. لذلك نطالب باستعادته من السعوديين كونه مال عام وملك عراقي صرف مع التعويض عن الخسائر منذ لحظة استحواذهم عليه بغير حق العام 1991. فإن رفض السعوديون فتكون دعوى دولية على غرار تلك التي اطلقت ضد تركيا. لا ندري لماذا جرى إهمال هذا الانبوب منذ سقوط النظام السابق حتى الآن مع قصور بنانا التحتية الحالية لتصدير نفوطنا. إذ ان امكانيته هو ومينائه للتصدير تبلغ 1.6 مليون بي. وهو ما يمكن به رفع كميات التصدير في الاوقات العادية.
ولا نريد انهاء المقالة دون العرج على انبوب بانياس. إذ نريد من الزيدي ان يعلمنا عمن سيملك الانبوب وإن كان يخطط معه لتطبيق نفس الالاعيب التي يراد اللجوء اليها مع انبوب العقبة.
وسنكون ممتنين للزيدي الذي جاء للرئاسة بالصدفة لو انه بادر الى رفع السرية عما يضمره للعراقيين حول انبوبي الاردن وبانياس وعما سيقوم به حول انبوب ينبع.
