
مستقبل حركة حماس في إدارة المشهد الفلسطيني
والتواصل مع اللاعب الدولي بعد انتخاب خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي
د. زهير الخويلدي
كاتب فلسفي
مقدمة
يمثل انتخاب خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي لحركة حماس في يوليو 2026 نقطة تحول مهمة في تاريخ الحركة، خاصة بعد سلسلة الاغتيالات التي طالت قادتها البارزين مثل إسماعيل هنية ويحيى السنوار. يأتي هذا الانتخاب في سياق معقد يجمع بين الدمار الواسع في قطاع غزة، والتحولات الإقليمية، والضغوط الدولية المتزايدة. يتميز الحية بخلفيته الغزاوية العميقة، وخبرته الطويلة في العمل السياسي والتفاوضي، وارتباطه الوثيق بالقاعدة الشعبية في غزة، مما يجعله شخصية انتقالية تجمع بين الاستمرارية والتكيف مع المتغيرات الجديدة. ستستعرض هذه الدراسة آفاق مستقبل الحركة تحت قيادته في إدارة المشهد الفلسطيني الداخلي، وفي بناء علاقاتها مع اللاعبين الدوليين، مع التركيز على التحديات والفرص والسيناريوهات المحتملة، في إطار تحليلي أكاديمي يراعي السياقات الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية.
خلفية الحية ودلالات انتخابه
يُعتبر خليل الحية، المولود في غزة عام 1960، أحد الوجوه التاريخية في حماس، حيث انخرط في العمل الإسلامي المقاوم منذ الثمانينيات، وشارك في تأسيس الحركة. شغل مناصب متنوعة، من عضوية المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006 ورئاسة كتلتها، إلى رئاسة مكتب العلاقات العربية والإسلامية، ونيابة رئاسة الحركة في غزة، وصولاً إلى دوره ككبير المفاوضين في جولات وقف إطلاق النار. يعكس انتخابه، بعد منافسة مع شخصيات مثل خالد مشعل، تفضيلاً داخلياً للخط الغزاوي الصلب الذي يركز على المقاومة الميدانية والارتباط بالشعب، مع الحفاظ على توازن جغرافي داخلي. يشير هذا الاختيار إلى استمرارية النهج الذي جسده السنوار، مع لمسة تفاوضية أكثر مرونة نسبياً بفضل خبرة الحية الدبلوماسية. لكنه يعني أيضاً رفضاً لخيارات "التسوية الناعمة" التي قد ترتبط ببعض الوجوه الخارجية، مما يعزز تماسك الحركة داخلياً في مواجهة الضغوط.
إدارة المشهد الفلسطيني: التحديات الداخلية والاستراتيجيات المستقبلية
في الساحة الفلسطينية، تواجه حماس تحت قيادة الحية تحديات متعددة الأبعاد. أولها إعادة بناء غزة المدمرة، حيث يتطلب الأمر توازناً بين الحفاظ على القدرات العسكرية والمشاركة في إدارة مدنية انتقالية. من المرجح أن يتبنى الحية استراتيجية "المقاومة المرنة"، التي تجمع بين الاستعداد العسكري طويل الأمد وفتح أبواب لإدارة محلية تشارك فيها قوى فلسطينية أخرى أو تقنيون، لتجنب الانهيار الإداري الذي يمكن أن يستغله الخصوم. العلاقة مع السلطة الفلسطينية وفتح: يظل الانقسام الفلسطيني أحد أبرز العقبات. قد يسعى الحية إلى حوارات مصالحة مشروطة، تركز على مشاركة حماس في منظمة التحرير أو انتخابات مشتركة، لكن دون تنازل عن سيطرتها على غزة أو سلاح المقاومة. نجاح مثل هذا الحوار يعتمد على قدرة الحية على استغلال الإرهاق الشعبي من الانقسام، مع الحفاظ على صورة حماس كمدافع أصيل عن المقاومة. الفشل قد يؤدي إلى تعزيز الانقسام، مما يضعف الموقف الفلسطيني الدولي.
إعادة بناء القدرات والهيكل التنظيمي: بعد الخسائر القيادية، سيركز الحية على تعزيز الشورى الداخلية وتجديد الأجيال، مع الحفاظ على التوازن بين الجناح العسكري والسياسي. إعادة بناء البنية التحتية في غزة، سواء من خلال إعمار عربي-إسلامي أو اتفاقيات إنسانية، ستكون أولوية لاستعادة الشرعية الشعبية. كما أن مواجهة التحديات الأمنية الإسرائيلية المستمرة ستتطلب تكتيكات غير تقليدية، مثل التركيز على الوحدات الصغيرة والحرب الشعبية.
السيناريوهات المحتملة:
سيناريو التكيف الناجح: نجاح في إدارة مرحلة ما بعد الوقف الدائم لإطلاق النار، مع مشاركة في حكم انتقالي، مما يعزز مكانة حماس كلاعب أساسي في أي تسوية.
سيناريو التصعيد: استمرار التوترات يؤدي إلى جولات مواجهة جديدة، تعيد الحية صورة "المدافع" لكنه يزيد من التكاليف البشرية.
سيناريو الضعف النسبي: صعوبة الإعمار والعزلة تؤدي إلى تراجع نفوذ داخلي لصالح قوى أخرى.
التواصل مع اللاعب الدولي: الدبلوماسية في ظل العزلة النسبية
يمتلك الحية خبرة تفاوضية مثبتة، مما يجعله قادراً على إدارة التواصل الدولي بذكاء. ستركز استراتيجيته على عدة محاور:
العلاقات الإقليمية:
سيحافظ على التحالف مع إيران كمصدر دعم أساسي، مع تعزيز الروابط مع قطر وتركيا كوسطاء وممولين محتملين. مصر ستظل شريكاً حيوياً في ملف غزة والحدود، وقد يسعى الحية إلى تفاهمات أمنية واقتصادية معها. كذلك، ستكون العلاقات مع دول عربية أخرى (كالسعودية والإمارات) محور محاولات لكسر العزلة، عبر التأكيد على دور حماس في الاستقرار الإقليمي مقابل دعم إعماري.
اللاعبون الدوليون الكبار:
الولايات المتحدة وأوروبا: سيكون التواصل غير مباشر في الغالب، عبر الوسطاء، مع التركيز على الملف الإنساني والأسرى. الحية قد يستغل الضغوط الداخلية في الغرب لصالح وقف إطلاق نار دائم، لكنه سيرفض أي شروط تتعلق بنزع السلاح.
روسيا والصين: فرصة لتعزيز الشراكات كبديل عن الغرب، خاصة في المحافل الدولية مثل الأمم المتحدة.
الأمم المتحدة والمنظمات الدولية: استخدام المنصات لتعزيز الرواية الفلسطينية حول الاحتلال والإعمار.
ستعتمد دبلوماسية الحية على مبدأ "المقاومة بالتوازي مع السياسة"، أي الحفاظ على القدرة العسكرية كورقة ضغط، مع مرونة في الخطاب السياسي. التحدي الرئيسي هو التصنيفات الإرهابية، التي قد تستمر، مما يتطلب جهوداً قانونية وإعلامية مكثفة.
التحديات الاستراتيجية العامة والفرص
من أبرز التحديات: الضغط الإسرائيلي المستمر، صعوبة التمويل تحت العقوبات، والتغيرات الديموغرافية والاجتماعية في غزة بعد الحرب. كما أن الرأي العام الدولي المتعاطف جزئياً قد يتحول إذا استمرت العمليات العسكرية.
أما الفرص فتشمل: التعاطف الدولي مع الشعب الفلسطيني، الرغبة الإقليمية في الاستقرار، وإمكانية استغلال أي فراغ سياسي إسرائيلي. قدرة الحية على الجمع بين الصلابة والمرونة قد تمكن الحركة من تحقيق مكاسب تدريجية، مثل مشاركة أوسع في القرار الفلسطيني أو دعم إعماري مشروط.
خاتمة:
في المجمل، يمثل انتخاب خليل الحية فرصة لحماس لإعادة تنظيم صفوفها وتأكيد دورها المركزي في المشهد الفلسطيني. مستقبلها سيعتمد على قدرته على إدارة التوازن الدقيق بين المقاومة والسياسة، وبين الداخل والخارج. في حال نجح في قيادة مرحلة إعمار ومصالحة مشروطة، قد تخرج الحركة أقوى، معززة شرعيتها كممثل رئيسي للشعب الفلسطيني. أما في حال استمرار التصعيد أو العزلة، فقد تواجه تحديات وجودية تتطلب مرونة أكبر. في النهاية، يبقى مستقبل حماس مرتبطاً بتطورات الصراع الأوسع، والقدرة على قراءة المتغيرات الدولية بدقة. قيادة الحية، بتاريخها الغزاوي والتفاوضي، توفر أرضية لاستمرارية الحركة كقوة مقاومة وسياسية فاعلة، لكن النجاح يتوقف على التوفيق بين الثوابت والمتغيرات في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد. أليس المطلوب هو رسم آفاق مستقبلية للثوابت الفلسطينية؟
كاتب فلسفي
