
من رحم النضال/ 40
د. مزاحم مبارك مال الله
أصبتُ وباقي الزميلات والزملاء بخيبة أمل كبيرة جرّاء القرار المجحف الذي ساومنا عليه البعثيون، وانصاعت له قيادة الحزب الشيوعي حينها، وكانت ردود الأفعال السلبية كثيرة جدًا. فأنا أحد الذين أصبحوا بلا عملٍ اتحادي، وهو المجال الذي وجدت فيه ضالّة نشاطاتي المهنية. فكّر البعض في إنشاء خلايا سرّية، إلا أن الحزب حذّر من هذه الخطوة. كما أصيب البعض الآخر بالخذلان والصدمة النفسية، فاعتزلوا العمل الاتحادي، وربما الحزبي، إلى الأبد.
زادت متاهتي الدراسية، وظهرت نتائج السنة الدراسية الأولى بأنني راسب، باستثناء مادتي الأحياء والكيمياء اللتين كنت أحبهما حبًا جمًا. تقدّم جميع الزملاء سنة دراسية، إلا قلّة قليلة كنتُ منهم. وفي السنة الدراسية الثانية استمر الإهمال نفسه، وعدم الاكتراث بالحضور والمراجعة. كنت مراقبًا بشدة من قبل عناصر الاتحاد الوطني والبعثيين وأمن الجامعة، بينما كان ابن خالتي (عدي) أكثر حرصًا مني، وكان يلومني كثيرًا على هذا الإهمال.
وقبل نهاية السنة الدراسية بشهرين تقريبًا، وصل تبليغ من الحزب عن رغبة من يريد الالتحاق بقوات الأنصار التي كانت تقاتل ضد القوى الكردية التي رفضت مشروع ميثاق الجبهة الحكومي البعثي وبلا أي تفكير أبدَيتُ موافقتي، وكم أشعر اليوم بندمٍ شديد على تلك الموافقة.
انتهت الامتحانات النهائية، وشعرت أنني لم أؤدِّ الأداء الذي ينقذ موقفي. ثم رُتّبت الأمور على أن ننطلق أنا ونبيل دامان وعدي ورفيق آخر من بيت الراحل باسل الصفّار في القوش.
وصلنا مساء اليوم المحدد إلى بيت باسل، وكان بيتًا واسعًا يضم غرفًا وزوايا متعددة. تعرّفنا على أهله الطيبين، ومنهم شقيقه الأصغر سلام الذي رحّب بنا بطريقته الخاصة، إذ شكّل من طلقات الكلاشنكوف على الأرض رسمًا للمنجل والجاكوج (سلام الآن مقيم في كندا).
أوصانا باسل بالكتمان وعدم الحديث أمام أهل البيت أو تداول الأسماء. وكانت الضيافة من أروع ما صادفنا. تسامرت معه ملتزمًا بعدم طرح أي سؤال، حتى وقت متأخر، ثم طلب منا أن نخلد إلى النوم لأن أمامنا في الغد مشوارًا طويلًا.
تناولنا فطورًا لذيذًا وشهيًا، يعكس كرم ضيافة لا يُضاهى. ثم جُهّزت لي ملابس كردية (لا أذكر اسمها)، وتعلّمت كيفية ارتدائها. وأعطاني باسل بندقية كلاشنكوف، وسألني إن كنت قد استعملتها سابقًا، فقلت لا. فقال: “سيدرّبك الرفاق”.
خرجنا من البيت بعد أن ودعنا أهله، وكانت والدته تدمدم بالسورث (لغة المسيحيين)، فقال باسل إنها تدعو لنا بالسلامة. لم يصحبنا ابن خالتي، فكنا أنا ونبيل والرفيق الآخر، ومعنا الأدلاء.
مررنا بقمة عالية على أحد البيوت، فدخل باسل وخرج يقود جحشًا، ومعه رفيق لا يعرف العربية. ثم ودّعنا باسل، إذ كانت لديه مهام ومسؤوليات حزبية كثيرة، واحتضنني وهمس في أذني: “نحن بحاجة إليك رفيق، انتبه على نفسك”.
انطلقنا نسير، وكنت أتساءل: إلى أين نحن متجهون؟ فجاء الجواب: إلى قرية بوزان. كان علينا أن نسرع الخطى لنلتحق بمقرات الحزب هناك. أما رفيقنا صاحب الجحش فلم أستطع التفاهم معه إلا عبر ذكر أسماء لينين وفهد.
وصلنا بوزان بعد الظهر، وهناك بدأ مشوار جديد من تجربتي الحياتية.
( يتبع )
