
من رحم النضال/ 41
د. مزاحم مبارك مال الله
في قرية بوزان الصغيرة الجبلية، هناك بيوت متناثرة بُنيت من الحجر والصخور واللِّبن، ولم تصلها الحضارة من ماءٍ صالحٍ للشرب أو كهرباء أو أي نوع من أنواع الخدمات، بمعنى أنها قرية بدائية، لولا اهتمام رفاقنا بعائلات هذه القرية التي يعمل أفرادها بالفلاحة ورعي الأغنام.
الأجواء العامة في القرية عبارة عن بقايا حروب طاحنة سبق أن جرت على أرضها (الاقتتال كان عام 1975، الذي أطلقت عليه وسائل الإعلام "التمرد الكردي المسلح"). وقد استولى رفاقنا على القرية، وكان مقر الحزب فيها هيكل مدرسة بسيطة رممه رفاقنا لأهالي المنطقة في بداية السبعينيات. هذا الهيكل كان مهجورًا، وصار مقرًا للرفاق.
كان المقيمون في المقر رفاقًا يتناوبون عليه، وكانت لغة التفاهم بيني وبينهم الرسومات والأسماء واسم الحزب. رسمت لهم صورة لينين، وكذلك صورة الرفيق الخالد فهد، وكنت يوميًا أكتب شعارًا من شعارات الحزب على السبورة الصغيرة المعلقة على أحد الحيطان.
كانت وجبات الطعام عبارة عن باذنجان يوميًا مع الخبز الذي يخبزه الأهالي ويجلبونه لنا. طلبت من الرفيق المسؤول أن يجلب شيئًا آخر بغرض التنويع، فاستجاب لطلبي، وصار هناك بطاطا، وأحيانًا طماطة مقلية، وغيرها.
في هذا المقر تعلمت تفكيك وتركيب الكلاشنكوف، كما علمني الرفاق الرمي بسلاح البرنو الذي يهد الكتف.
الاستحمام مرة في الأسبوع، أما التشطيف خلال أوقات اليوم فبالماء البارد الذي يُجلب بحاويات على ظهور البغال.
في هذا المقر التقيت الرفيق (أبو باز)، وكان من الرفاق الأنصار الشجعان، ويتحدث العربية بلكنة كردية، وأخبرني أن قيادة المفرزة مرتاحة من وجودي معهم، من خلال علاقاتي الطيبة مع الجميع. عرفت أنه كان موفدًا إلى موسكو للدراسات الحزبية، وقصّ عليّ قصة خروجه ودخوله إلى العراق بمساعدة رفاق الحزب الشيوعي السوري، وكيف تخلّص بأعجوبة من كمين نصبه لهم جماعة (رياض) المنشقون من الحزب الشيوعي السوري. (عرفت مؤخرًا أن أبو باز كان مقيمًا في هولندا، ورحل إلى الخلود).
بعد مضي أسبوع على تواجدي في بوزان، جاءني الرفيق أبو باز ليخبرني: "هناك قرار بأن أذهب إلى قرية أكبر، وموقع متقدم ومتطور أكثر، لزيادة خبرتي، وهي قرية بيبان غير البعيدة عن بوزان".
شدَدْنا الرحال أنا وأبو باز وبعض الرفاق، ومعنا زوجة أحد الرفاق من أهالي المنطقة ومعهم طفلهما للتمويه، وسرنا ومعنا البغل.
كنت أسير في المقدمة مندفعًا، وقد حذروني ونبهوني من الألغام التي يضعها العدو (!!)، فكنت أقول للرفيق أبو باز: "إن الاستشهاد من أجل الحزب هو أمنية أي شيوعي". (هذا الاندفاع في مثل تلك الظروف ليس بعيدًا عن المراهقة السياسية).
طيلة الفترة الزمنية التي لم تتجاوز الساعة، كنت أفكر، وقد انشغلت بأهلي الموجودين في بغداد، وهم لا يعلمون ما أنا فاعل بحياتي، وما هو عملي هنا مع الرفاق. لكنني كنت أقنع نفسي أن الحزب أكبر وأعظم من العائلة. كما كنت أفكر بموضوع شغلني جدًا حتى ما بعد سقوط المجرم صدام: كيف لنا نحن الشيوعيين أن نبتلع الطعم ونحمل السلاح بوجه رفاق الأمس من الكرد، أو بوجه الشعب الكردي الذي طالما دافعنا عنه وعن مصالحه وحقوقه؟
أما الأمر الآخر فهو: ما مصيري إذا رسبت في الدراسة للسنة الثانية؟
وأخيرًا وصلنا إلى بيبان...
(يتبع)
