سفر في كتاب حكايات الطريق للنصير مازن الحسوني
دكتور سناء عبد القادر مصطفى
توطئة
منذ سنوات الدراسة في الاتحاد السوفيتي بمدينة أوديسا البطلة في نهاية ثمانينيات القرن الماضي وكذلك في سنوات العمل في كلية الاقتصاد بجامعة عدن في أواسط نفس الحقبة الزمنية من القرن العشرين1983-1985 وأنا أبحث عن شخص يكتب بصدق واخلاص عن تجربة الكفاح المسلح لفتية قوات أنصار الحزب الشيوعي العراقي الذين قدموا أرواحهم قربانا لوطنهم الغالي- العراق، انطلاقا من ايمانهم بالقضية التي نذروا أنفسهم لها. وأخيرا وجدت هذا الانسان المخلص لقضيته، أنه مازن الحسوني الذي عاش هذه التجربة الصعبة منذ أيامها الأولى في العمل ب " مفرزة الطريق" وكما يصفها في مقدمة كتابه : - أنهم: "فتيةٌ وضعَتْ أرواحَها ودمَها على كفوف أياديها بكل لحظةٍ كانت تعيشُها، وهي تعرف ما تفعلُ، ولاتهاب هذهِ المخاطرَ؛ لأنها تعتبُرها ضريبةَ الحياةِ الصعبةِ لناسٍ لا يرضَونَ بالذل وإهانةِ الكرامةِ". ويعتبر هذا الكتاب "سيرةُ حياةٍ متمردةٍ على واقعِ مجتمعٍ عاش تحتَ سطوةِ القسوةِ، ومحو ِإنسانية البشر، وإرغامِ الجميعِ على الخضوعِ والقهرِ والذل. إنه وثيقةٌ تأريخيةٌ لحقبةٍ زمنيةٍ، وأحداثٍ كانَتْ لا تُرى للجميع، وأرادَتِ السلْطةُ ألا يراها الناسُ" (ص10).
" إنه مرآةٌ لحياةِ كوكبة من الفتيان، عاشوا سنواتٍ مضطربةً، كانت بأحداثها أكبَر منهم جميعاً لكنهم اجتازوا امتحاناتِها القاسيةَ، رغم المراراتِ التي كانتْ تحيطُ بهمْ، بدءاً من أقرب الناس إليهم وصولًا لعدوهم المباشر" (ص 10-11).
كانت سنة 1978 هي الحد الفاصل بين أن يكون مازن الحسوني هو بنفسه بدمه ولحمه أو أن لا يكون. "أكـون مثلـما أريـد لنفـسي أن تكـون، لا أجـبَر عـلى عمـل الأشـياء التـي لا أرغبهــا، ولا أقتنــع بهــا، وأحـترق مــن داخـلي، وأذوب رويــداً رويــداً، وأنـا أرى الخـراب مـن حـولي، وعـلَّي السـكوت وقبـول الواقـع المـر؟
أو أرفـض كل هــذا، وأتحــدث مثلـما أريــد بصــوت عــال: لا للخطــأ... حتــى وإن تحملــت الويــل لأجــل هــذه الصراحــة. فاخترت الخيار الثاني الصعب. وهل تحلو الحياة دون صعاب!!!؟ "( ص15).
الهروب من البصرة
وبسبب الظروف الصعبة في مدينة البصرة في العام 1978 اضطر مازن مع مجموعة من طلبة وخريجي معهد التكنولوجيا في البصرة (حسن ورضا ورافد ويوسف) في السفر الى بغداد للتخفي في العاصمة كونها مدينة كبيرة ومزدحمة وإمكانية الحصول على عمل فيها. وهذا الذي كان متوقعاً. اذ تمكن الأربعة من الحصول على عمل في دار الأثاث العراقية الحديثة في منطقة المسبح في كرادة خارج بمساعدة أحد زملاء الدراسة من أهالي بغداد. ومن باب الصدف أن اتضح أن صاحب العمل كان من اليساريين الأكراد الطيبين الذي ترك السياسة وتفرغ للعمل المهني (ص18).
ومن باب الصدف في أحد الأيام اثناء تسليم الكراسي التي صنعها المصنع لوحدة عسكرية كان أحد الجنود من الذين قدموا في سيارة الشحن العسكرية جندي من البصرة يعرفه مازن وعملا معا في السياسة ولا يعرف وضعه السياسي بعد الهجمة على الشيوعيين من قبل دوائر الأمن والمخابرات في عموم البلد (ص20). وبعد تبادل أطراف بينهما ومغادرة السيارة العسكرية أخبر مازن أصدقائه بما حدث ومشاهدتهم له وهو يتكلم مع صديقه البصري.
بدأ الأصدقاء الأربعة بأخذ كافة الاحتياطات بعدم الوقوع في أيدي رجال الأمن والحذر من أية زلة لسان وتصرف لا تحمد عقباه. وكما ورد في الصفحة 21:
"هنــا بــدأ الحــس الأمنــي، رغــم أنــه لم يفارقْنــا لحظــةً واحــدة، ولكنَّــه نشِـطَ أكـثَر، وبـدأ يفعـلُ فعلَـهُ في كيفيـة التـصرف مـع هـذه الواقعـة، وبــدأ حســاُب أبعـدِ الاحتـمالات، خاصــةً ونحــن مطــارَدون مــن قبــل الســلطة، وهنــاك أوامـرُ إلقــاءِ قبـضٍ بحقنــا؛ لهــذا لابـدَّ مــن الحــذر الشــديدِ الآن، حتــى وإن لم نكــن متيقنـين مــن النوايــا الســيئة لهــذا الصديـق، ولكـن بالعمـل السـري لابـدّ مـن الحـذر الشـديد، حتـى وإن كانــت الخطــورة بنســبة 1% "ص21".
"اتفقنـا عـلى أن نكـون مسـتعدين لأي طـارئ، رغـم أن سـعيد بالنسـبة لي لم يكـن بالشـخص السـيّئ سـابقاً، وتربطنـي بـه علاقـةٌ طيبـةٌ، ولكـنَّ الحـذرَ واجـبٌ والدنيـا دوارة." ص21" .
وكذلك أن تكــون جميع الوثائق الرسمية معهم دائمـاً، مــع لبـس الحـذاء وليـس النعـال التـي تعودوا على لبسه بسـاعات العمـل من باب سرعة الإفلات من أي كبسة لرجال الأمن، وأن يكـون لديهم شـخصٌ يراقب باسـتمرار بـاَب المعمـل والسـياراتِ القادمـةَ إليــه مــع ضرورة أن يكــونوا قريبـين إلى بعــضهم لسرعــة التبليــغ لأي طـارئ يحدث.
مر أسبوع على لقاء سعيد ولم يحدث أي شيء غريب، ومعنى ذلك بأن سعيد لم يقم بأي عمل غير ودي ضدهم.
اشتدت حملة الاعتقالات ضد أعضاء ونشطاء الحزب الشيوعي في العراق في العام 1979 وخصوصا في بغداد التي كانت ملجأ للكثير من الهاربين من محافظات الجنوب والوسط. حتى أن رجال أمن البصرة تم الاستعانة بهم في بغداد بإلقاء القبض على الهاربين من البصرة والمحافظات الأخرى.
"بدايــة الشــهر الســادس وصلتنــا معلومــةٌ حزبيــة بــضرورة مغــادرةِ الوطــن؛ لخطــورة الوضــع بشــكل كبير، والســببُ كان إلقــاءَ القبــض على بعــض الرفــاق، وتقديَمهــم معلومــاتٍ تفيــد الســلطات في طــرق البحــث عــن الآخريــن. ما الحل؟ " (ص23).
ولذلك فكر الرفاق الخمسة بالهروب من العراق، ولكن كيف وهم لا يملكون أية وثيقة سفر رسمية. لذلك فكر مازن بالسفر الى البصرة وطلب مساعدة صديقه عبد الوهاب ابن مدينة حصيبة (قضاء القائم) في الخروج من العراق.
العودة الى البصرة
كان سفر مازن الى البصرة ليس سهلا وانما صعب بسبب انتشار نقاط التفتيش، ولذلك وضع خطة لدخول المدينة تحت جنح الظلام وفي ساعات الليل المتأخرة "حيــث النــاس متعبــون ونائمــون، ولا وجــود للـمارة بالطرقــات، وحتــى ســيطرات المــدن (نقاط التفتيش) تكــون ضعيفــة في تدقيـق هويـات الـركاب" (ص33).
ومن باب الصدف وسوء الحظ أن صادف مازن بعد دخوله محلة سكناه (الخندق) "صديق صباه الذي كان يلعب معه كرة القدم لسنوات طويلة أمام بيتهم، أحـد الأصدقـاء الذيـن لعبْـتُ معـه كـرة القـدم لسـنوات طويلـة أمـام بيتهـم، وهـو يـدرس ليحـضّر لامتحانـات البكلوريـا التـي عـلى الأبـواب" (ص34).
تمكن مازن بخبرته في التخفي ومعالجة الحالات الصعبة التي مر بها في حياته الحزبية من إيجاد حل لهذا الموقف الصعب بعدم الرد عليه حينما كرر اسمه وناداه بعد أن تجاوزه عدة أمتار ولم يلتفت اليه رغم قناعة مازن الداخليه بأن عرفه. وهو بدور لم يلح في المناداة ولم ينطق بعد ذلك بأية كلمة وكأنه فهم بأن مازن لا يريد التحدث اليه (ص35).
استطاع مازن من الوصول الى البيت بعد أن تأكد من عدم وجود مراقبة له من قبل الأمن. طرق الباب بخفة عدة مرات حتى لا يثير ريبة الجيران. وكعادة العوائل العراقية ينامون في الصيف على سطوح المنازل. سمع صوت يسأله من هو، عرف صوت أبيه وجاوبه باللهجة البصرية انا يوبا (أبي). بعد دخوله البيت وترحاب الام والأب وبقية أعضاء العائلة، طلب منهم أن لا يعرف أحد بوجوده في البيت وسوف يبقى ليس أكثر من ثلاثة أيام. فهم الجميع قصده وانه لا زال مطاردا من قبل الأمن.
"العــودة إلى حضــن البيــت مــن جديــد، والإحســاسُ بشــعور العائلــة التــي افتقدتهــا لأشــهر عديــدة كان لهــا مفعــول جميــل يخرجــك مــن حالــة الهجولــة والتـشرد، رغــم أن الخطــورة مازالــت كـما هــي. دفء العائلـة وعالُمهـا الجميـل لـه مفعـول سـاحر عـلى مـزاج الإنسـان؛ لهـذا تــرى الاشــتياقَ للعائلــة ملاصقــاً لــكل واحــد منــا مهـما عــاش في بيئــة أخـرى، حتـى وإن كانـت ظـروفُ معيشـته أفضـلَ مـن ظـروف العائلـة " (ص37) .
بعـد أن حل الظـلام، وخفَّـتْ حركةُ النـاس في المحلـة والشـوارع القريبة مــن البيــت، حــانَ وقـتُ الخــروج لتنفيــذ مــا جئــت لأجلــه. بنفــس طريقــة التخفــي (نظــارة وشــفقة) اتجهــت لبيــت الصديــق البعثــي الــذي سيســاعدني بالهــروب إلى ســوريا.
"هــذا الصديــق اســمه عبد الوهاب ابــن مدينــة حصيبــة التابعة لقضاء القائم، وقــد عرفــت فيـما بعــد ســقوط النظــام البعثــي عــام 2003 بأنــه قتــل بالحـرب الإيرانيــة العراقيــة، كان موظفــاً في شركــة نفــط البـصرة، ويسـكن بيتـاً للشركـة مـع ثلاثـة موظفـين آخرين. أحدهـم كان شـيوعياً وصديقـاً لي (تـرك العمـل السـياسي أثنـاء الحملـة عـام 1978 ) وبقيـت أتواصــل معــه" (ص41) .
بعد أن عرف عبد الوهاب سبب زيارتي الى البصرة وعلى الرغم من رجوعه بالأمس من مدينة حصيبة بسبب وفاة والده، تمكن في اليوم التالي من أخذ إجازة. وعليه اتفق الاثنان مازن وعبد الوهاب على السفر في فجر اليوم التالي الى بغداد ومن ثم الى حصيبة (حوالي 12 ساعة بالسيارة).
تحدث مازن مع والدته حول سفره في اليوم التالي ورجاها أن توقظه فجرا . قامت الوالدة بإيقاظه فجر اليوم التالي "لكــن الــذي فاجــأني هــو أن أبي كان معهــا عندمــا أيقظتنــي، وتحـدَّثَ معــي لآخــر مـرة في حياتــه لأننــي لم أره بعدهــا (تــوفي عــام 1988 ) وقــال لي:
- ليش ما تبقى يا ابني؟ "(ص46). جاوبه مازن وهو مطأطـئ الـرأس، ولم ينظـر إلى وجـه مخافـة أن يجرحـه، أو يشـعرِه بـأنه لا يسـتمع إلى مـا يريـده.
- "لا يوبا ما أ گدر أبقى وكلي يصير مو مشكلة، بس أبقى لا.
- حتـى أنـا مـا أعـرف شراح يصـير بيـه مـن أسـافر، بـس أبقـى وأنلـزم). أُعتَقَــل (هـاي مـا أسـويها مهـما صـار. عندها لم أسمع منه أية كلمةٍ أو رد" (ص46-47).
"الوالــدة التــي هــي قويــة بمثــل هكــذا مواقــف كانــت صلــدة رغــم الحـزن الشــديد الــذي يرســمه وجههــا الســموح وحاولــت أن تخرجنــا مــن تلــك اللحظــات الصعبــة.
- يمـه هـاي الـلي عدنـه بـس هـل 65 دينـار ننطيـك (نعطيـك) وأنـت بعـد شـوف شـلون تدبـر حالـك"(ص47).
قام مازن بشكر والدته وقبل خديها ورأسها. وعند ذلك رأى دموعها تنزل على خديها ولم تنطق بكلمة واحدة. غادر المنزل بسرعة قبل انبلاج الفجر كما آثر إلا أن يودع عمه الذي تربطه به علاقة حميمية وحتى يسميه بأبي وليس عمي.. استأجر سيارة تكسي وبعد وصوله الى بيت العم تفاجأ بقدومه وهو الذي يعرف وضعه جيد وأنه مطارد من قبل رجال الأمن. كان وداعا صعبا أذ بدأ عمه بالبكاء وأطلق العنان للألم المكبوت. أخذ مازن يهدأ من عمه ويشد من أزره. أخرج العم من جيبه 45 دينارا وقال لمازن خذ 40 دينارا والباقي خمسة دنانير مصرفا للبيت. رفض مازن هذا العرض لأنه يعرف الحالة المادية الصعبة التي تعيش فيها عائلة عمه. ولكن إصرار العم أدى بمازن الى قبول المبلغ النقدي. قام مازن بتقبيل عمه من جبينه والألم يعصر قلبه. كان هذا الوداع الأخير مع عمه الذي توفي ومازن في الغربة.
تمكن مازن وعبد الوهاب من الوصول الى مدينة حصيبة بعد سفر طويل بالسيارة بلغ 12 ساعة من البصرة الى بغداد ومن ثم الى حصيبة التابعة الى قضاء القائم.
العبور الى سوريا
بعد التجول مع عبد الوهاب وتقصي المنطقة بشكل جيد، تمكن مازن من رسم صورة في مخيلته عن طريقة العبور ولم ينس تقديم الشكر الجزيل لعبد الوهاب بسبب مخاطرة الأخير بحياته من أجل مازن ورفاقه.
عاد مازن الى بغداد وأخبر أصدقائه باستعداده للسفر الى سوريا، ولكن "بعد يومين وصلنــي الخــبُر بــأن الرفــاق لا يحبــذون ســفري، وإنمــا ســأكونُ دليـلًا لخــروج مجموعــة مــن الرفــاق إلى ســوريا عـلى نفــس الطريــق، وبعدهــا يمكـنُ الحديـثُ عــن ســفري المقـترح.
لم يفهـم مازن سـبب التأجيـل هـذا، ولكنـه خمّنْ بأنـه لأجـل إخـراج بعـض الرفــاق العالقـين مثـله، ومحاولــةِ إنقــاذ حياتهــم، أو ربمــا للتأكــد مــن سـلامة الطريـق وسـهولته، بحيـث يسـتطيعُ أيُّ أحـدٍ آخـرُ مـن بعـده استخدامه بشكل سلس" (ص53).
وافق مازن عـلى المقـترح، وحينهــا كانــت الوجبــةُ التــي ســتخرج مكونــة مــن ثلاثــةٍ مــن الذيــن كانــوا معــه في المعهــد التكنولوجــي وهم رضا وحسن ويوسف.
بعد وصولهم الى الحصيبة واقامتهم في الفندق ذهب الجميع بصحبة مازن الى استطلاع المنطقة جغرافيا ومن أية نقطة يمكنهم عبور الحدود العراقية وأي تبدأ الحدود السورية. كان لدى الرفاق الثلاثة إشارة الوصول الى الصديق السوري الذي سيقوم بإيصالهم الى الرفاق هناك.
لم يكن من السهولة عبور الحدود بين العراق وسوريا، لأن الحدود مراقبة ليل ونهار بالمصابيح القوية (البروجكترات) والتي تكشف أي متسلل بين البلدين.
تمكن الرفاق من عبور الحدود وذلك لان مازن مكث في الفندق بعض سويعات للتأكد بأن الأمور سارت على ما يرام. "لأنـه إن كان قـد حصـل لهـم شيءٌ فـإنَّ رجـال الأمـن كانـوا سـيُهرَعون إلى الفنـدق للتحقـق إن كانـوا وحدهـم أم معهـم أحـد مـا؟ وبالتـالي سـأكون بمرمـى رجـال الأمـن" (ص56). وبعد ذلك غادرْ مازن الفندق على وجه السرعة متوجها إلى مرآب السيارات للعودة إلى بغداد وبعد وصوله أخبر الرفاق في الحزب بما جرى. تم استلام خبر وصول الرفاق الى سوريا بعد ثلاثة أيام وهذا إشارة الى أنه يمكن استخدام هذا الطريق أكثر من مرة والسلطة العراقية لم تكتشفه لحد الان.
وفي بعض الاحيان تهب الرياح بما لا تشتهي السفن ، وهذا الذي حدث مع مازن ورفاقه في المرة الثانية وحدثت أمور ما لا تحمده عقباها. كان مع مازن:
أبو ميثاق من أهالي البصرة- الهارثة، كان جنديــاً، وهاربــاً مــن الجيــش ولديــه هويــة أحـوال مدنية مزورة. قام مازن باعطائه دفتر خدمته العسكرية حيث قام أبو ميثاق بلصق صورته بعد ان نزع صورة مازن.
علي كان طالبا في جامعة البصرة وهو من بغداد.
مصطفى
عبد الأمير
لم يتمكن مازن ورفاقه من عبور الحدود في السويعات الأولى، إذ وقعوا في قبضة حرس الحدود الذين اكتشفوهم بسبب لهجتهم التي لم تكن من نفس لهجة اهل المنطقة. ولهذا قام حرس الحدود بأخذ هوياتهم وأركبوهم في سيارة بيك أب باتجاه مركز الشرطة للتحقيق معهم. وبهذا وقعوا في موقف صعب ولا يوجد حل الا الهروب من السيارة. كان أبو ميثاق أول الهاربين وارتجل التصرف وحده والمصيبة انه كان يحمل عنوان صلتهم في سوريا (ص61).
تمكن مازن وعلي ورافد من القفز من السيارة حالما استدارت السيارة نحو الشارع الرئيسي بشكل سريع. ولكن رافد فقد نظارته الطبية اثناء قفزه من السيارة، قام مازن بمسك يد ولم يتركهٍ ، في حين فقد علي كيس بلاستيكي فيه محفظته التي فيها نقوده وبعض الأغراض الشخصية (ص63). وكتب مازن عن مصير أبو ميثاق السطور التالي:
"أبـو ميثـاق لم نـره أبـداً، عرفنـا فيـما بعـد بأنـه دخـل الأراضي السـورية، وقبضــت عليــه المخابـرات الســورية وبقــي معتقـلا عندهــا لمــدة 52 يومــاً، ومارســوا بحقــه صنــوف التعذيــب، متهمــين إيــاه بأنــه مــن المخابـرات العراقيــة، رغــم أنــه أفصــح عــن نفســه بأنــه هــارب مــن الســلطات العراقيــة. هويتـه المـزورة هـي مـن كشـفته، وهـو لم يملـك غيرهـا مـن الوثائـق، وللأسـف خيرتـه المخابـرات السـورية عـلى العـودة إلى الحـدود العراقية، والدخـول خلسـة مـن هنـاك، أو تسـليمه للسـلطات العراقيـة. عــاد إلى بغــداد مــن جديــد للعمــل السـري هنــاك، واعتقــل بأحــد الأيـام وأعـد م " (ص64).
تمكن الرفاق الثلاثة الباقين (مازن وعلي ورافد) على قيد الحياة بعد الإفلات من قبضة الشرطة العراقية من عبور الحدود العراقية بعد مصاعب كثيرة وبفضل فطنة مازن وتحملهم قيظ شهر تموز وشمسه الحارقة. وصعوبة المشي بين القصب والأرض الزراعية الرخوة بعد حرثها والعطش والجوع الشديدين لمدة يومين حوالى من الوصول الى الأراضي السورية.
أول مرة في سوريا
يكتب مازن الحسوني في الصفحة 75 من كتابه حكايات الطريق: " كانت حالتنا يرثى لها من الوسخ والطين على الملابس نتيجة العرق والسير بالأرض المحروثة التي كانت تصًعب من سيرنا. لكـن كل هـذا لم يكـن هـو مشـكلتَنا الكبـيرة، وإنمـا العطـش هـو مـا كنـا نفكـر بـه، وكيـف علينـا أن نرتـوي مـن المـاء " .
تمكن الرفاق من الحصول على ضالتهم وهي الماء بعد أن طرقوا باب أحد البيوت الريفية الذي رحبوا بهم ساكنيه وسقوهم بالماء والحليب. وقاموا كذلك بإرشادهم بعدم السير في الشارع المبلط وذلك لوجود سيارات الشرطة السورية ، وإنما الابتعاد نحو الجنوب والسير بين البيوت والمزارع ومن ثم الشارع العام للركوب في سيارة الى مدينة البو كمال.
بعد تناول وجبة الفطورالساخنة مع الشاي قرروا السفر الى دير الزور والابتعاد عن البو كمال المدينة الحدودية . بعد وصولهم مدينة دير الزور تمكنوا من حجز غرفة في أحد الفنادق وتدخل الرجل الجالس قرب صاحب الفندق.
" الجميــل في ســوريا - مثلــما ســنلاحظ فيــما بعــد - أن الكثــير مــن القضايــا يمكــن تســويتها بســهولة، حتــى المخالفــة للقانــون … فقــط عليــك إيجــادُ الطريقــة المناســبة لحــل شــفرة الإنســان الــذي تتعامــل معــه، وهنــا كانــت النخــوةُ القبليــة هــي الكــودَ لحــل الشــفرة. قبِــل صاحــب الفنــدق أن يعطينــا الغرفــة بعــد هــذه الدفعــة القويــة مــن الرجــل الجالــس قربــه، وكانــت الغرفــة تحــوي ثلاثــة أَسّرة " (ص78).
تمكن الرفاق من غسل ملابسهم وأجسامهم وأزالوا التعب والارهاق. وتمكنوا من السفر في اليوم التالي الى دمشق ووصولها بسلام. وكان عامـل الصدفـة خـير عـون لمازن ورفاقه في تلـك المحنـة. " في اليــوم الرابــع التقينــا بأحــد الرفــاق ــن البـصرة ( الشــهيد أســعد لعيبــي -أغتالتــه المخابـرات العراقيــة في بـيروت عــام (1982 الــذي فــرح كثـيراً عندمــا التقانــا، وأخبرنــا بأنهــم كانــوا قلقـين جــداً علينــا، وأرســلوا برقيــة إلى العـراق، يخبرونهــم فيهــا بفقداننــا " (ص82-83).
معسكرات التدريب قي لبنان
بعد أن وجد مازن ورفاقه الصلة مع الحزب، جرى نقلهم الى مخيم اليرموك في احدى ضواحي دمشق ومعظم ساكنيه من الفلسطينيين المهجرين منذ العام 1948. تم تزويدهم بهوية صادرة من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين. وبهذه الشكل تم حل مشكلة الصلة بالحزب وكذلك وجودهم الشرعي والسكن في دمشق (ص84).
" بتاريــخ 1979/7/10 تقــرر ســفرنا إلى لبنــان بالتهريــب مــن جديــد، بـدأت هذه الحالة بـلا نهايـة لأنهـا ستســتمر لســنوات طويلــة، ليــس فقــط في ســنوات الكفــاح المســلح بــل حتــى في الحيــاة المدينــة فيـما بعــد ، فقد دخلــت الســويد عــام 1992 بالتهريــب كذلــك . وكان هـذه المـرة العبـور عـبر حـدود البلديـن لم يكـن بالأمـر الصعـب، وإنما كان لدينــا دليـلٌ فلسـطيني؛ حيـث أقلّتْنـا سـيارةٌ مــن دمشــق إلى مصيـف الزبــداني، ومــن هنــاك ترجَّلنــا، وسرنــا بحــدود ســاعة بـين المرتفعــات غـير الحـادة التـي تربـط البلديـن سـوريا ولبنـان" (ص 85).
التقى مازن في لبنــان بمصطفــى في أحــد معســكرات التدريــب، والــذي جاءنـا بعـد ثلاثـة أشـهر، ليلتحـق بمجموعتهم التـي كانـت تتكـون فقـط مــن العراقيـين .أخبرهم بأنــه بذلــك النهــار جــاء رجــال الشرطــة وحققــوا معــه ومــع عبـد الأمـير في الفنـدق، ومـن أيـن تعرفـت عـلى البقيـة الهاربـين، وبقـو يلاحقوننـا حتـى في كـراج السـيارات، و لهــذا اعتقدنــا بأنكــم قــد اعتقلتــم، وأخبرنــا الرفــاق بمنــع ســفر أي رفيق عبر هذا الطريق لأنه أصبح مراقبا من قبل السلطات" (ص86). وتمكن مصطفى بواسطة تزوير كتاب من مديرية التربية واستطاع من اصدار جواز سفر رسمي والسفر الى خارج العراق. أما عبد الأمير فلم يغادر العراق واعتقل من قبل السلطة التي اعدمته بعد ذلك.
وهنا في لبنان تبدأ مرحلة جديدة من حياة مازن وخصوصا بعد أن عرف مصير أصدقائه الذين تعرف عليهم في العراق في معمعة الهروب من الوطن : علي ورافد وأبو ميثاق ومصطفى وعبد الامير. حصل مازن على اسم حركي وهو أبو حسنة الذي سوف يبقى مرتبطا به لحد الان وحتى داخل العائلة.
" جمعت معســكرات التدريــب ومــن بعدهــا الوحــداتُ الخاصــةُ بالشــيوعيين العراقيـين داخـلَ هــذه الفصائــل الفلســطينية شـبيبةً أغلـبُ أعمارهـم في العشرينات، والقلـةُ منهم كانـوا في الثلاثينات مـن أعمارهـم، لم يمنعهـم مـن العـودة للوطـن، ولكـن بطريقــة وروحٍ جديــدة. بعــد انقضــاء أيــام المعســكرات جــرى فرزُنــا لوحــدات خاصــةٍ، بعــد المعسـكر التدريبـي الأول. هذه الوحـدات لم تكـن رتيبـة ومملـة، بـل كانــت تعـجُّ بالحركــة والنشــاط الــذي تــوزع بـين العســكري والثقــافي والاجتماعــي " (ص90) .
افتتاح الطريق المباشر – تشكيل مفرزة الطريق
قام تومــا تومــاس، القائــد الأنصــاري المعــروف باسم أبو جميل، والمســاهم بحركــة الأنصــار منــذ ســتينيات القــرن المــاضي باســتدعاء أبـو هديـل (الشهيد عبد الكريم جبر) للحديـث معـه حـول موضوع مهم، لأنـه يعلـم مـدى حماسـة وشــجاعة هــذا الرفيــق.
- أبـو جميـل: أبـو هديـل.. لدينـا مهمـة تشـكل للحركـة، نقلـة نوعيـة. في عملهـا بنقـل السـلاح والرفـاق مـن وإلى سـوريا
- ابو هديل: شنو هاي (ما هي هذه) المهمة يا أبو جميل؟
- الاشـتراكي (الحزب الاشتراكي الكردي) لديهـم مفـرزة، سـتذهب بعـد أيـام مـن هنـا إلى سـوريا، عبر طريـقٍ يُجرب لأول مرة، وهـو بشـكل مبـاشر … أي: ليـس مـن خـلال تركيـا، وهـم يريـدون أن نتعـاون معهـم بهـذا الموضـوع.. مـا رأيـك؟
- يـا ريـت يـا رفيـق أبـو جميـل يكـون عدنـه أكـثر مـن طريـق نوصـل بيهـا إلى سـوريا، ونخلـص مـن قضيـة الاعتـماد عـلى المهربـين، أو نقلل من الاعتماد عليهم مثلما يحص باستمرار في الخط التركي.
وعلى الرغم من خطورة الطريق بدأت من هنا مرحلة جديدة في حياة مازن وبقية أعضاء مفرزة الطريق التي كانت تضم الرفاق: أبو هديل وأبو حسنة وأبو هدى الذاهب للعلاج.
اتفق الثلاثة على ما يلي:
"يجـب أن نسـيَر بداخـل المفـرزة، أيْ ليـس بأولهـا ولا في نهايتهـا. الغايـةُ هــي المحافظــة عـ لى إيقــاع المــي معهــم، وكذلــك نعطــي لأنفســنا فرصــةً لمعرفــة الطريــق، حيــثُ نــرى المعــالَم الطبيعيـةَ حولنــا بشــكل أفضــل. مــن يسـير في المقدمــة ســيكونُ تركيـزُه أكـثَر مــن الــكل عـلى سـلامة الطريــق، وخلــوِّه مــن الأعــداء وصحــة الطريــق المســلوك، أمــا مـن خلفـه فلـن يهتـم بهـذه القضيـة، مـما يعطـي لـه الفرصـة الجيـدة لفهــم نوعيــة الطريــق، ووضــع دلالاتٍ (وديــان، مرتفعــات، أحجــار ضخمـة، سـواقي، عيـون ميـاه، كهـوف … إلـخ (في الدمـاغ للاسـتدلال منهــا للمــرات القادمــة "(ص110).
بعد مسيرة أسبوع تمكن الرفاق من عبور نهر الخابور باتجاه الأراضي السورية ، ومن ثم الوصول الى مدينة القامشلي. ومن هناك جرى الاتصال بمقر الحزب الرئيسي في دمشق ومنه أرسلت برقية الى كردستان تبلغهم بسلامة وصول المفرزة وجودة الطريق.
انطلاق مفرزة الطريق للخط المباشر
يمكن تلخيص عمل مفارز الطريق بالشكل التالي: " لا تقوم مفــارزُ الطريــق بعمــل قتــالي، وإنمــا تلجــأ إليــه فقــط عنـد الـضرورة للدفـاع عـن النفـس، لهـا نفـس هـذا التأثـير عـلى بقيـة الأنصــار ... نجاحُهــا في الوصــول إلى ســوريا، أو العكــس إلى كردســتان مفعولـه عـلى الحركـة الأنصاريـة والرفـاق - مـن حيـث رفـع المعنويـات والشــحن النفـسي- هــو بنفــس النجــاح بعمليــة عســكرية" (ص122).
وعلى الرغم من أبو هديل وأبو حسنة عرفا اتجاهات السير بطريق مفارز نقل الرفاق والمواد التموينية والسلاح .. الخ ولكن مع ذلك من الضروري ان يوجد دليل يعرف جغرافية المنطقة جيدا ويكون من سكانها. ساعدهم قي ذلك رفاق القامشلي حيث وجدوا شخصا اسمه رمضان يمكن ان يكون دليل المفرزة.
تم الاتفاق على ان لا يزيد عدد أعضاء المفرزة عن عشرة. وافق أبو جميل (توما توماس) على العدد وترك لهما حق الاختيار. اتفق الاثنان أبو هديل وأبو حسنة على " اختيـار أنصـارٍ شـباٍب مزاجُهــم حلــو، أجســادهم صحــوة لأجــل تحمُّـلِ مصاعـبِ الطريــق، أعمارُهـم متقاربـة بالعشرينيـات (من غـير أصحـاب المسـؤوليات الحزبيـة "(ص126). وبهذه الروحية العالية من المسؤولية والانضباط الحزبي لدى جميع الرفاق في قاطع بهدينان تم تشكيل مفرزة الطريق التي سوف تسطر الامجاد من أجل نجاح الهدف الذي شكلت من أجله: جلب السلاح وتسهيل مهمة التحاق الرفاق الجدد بفصائل الأنصار.
المفرزة لأول مرة في القامشلي
تحركــت المفــرزة مــن القاطــع في بهدنان إلى ســوريا، وكان هــذا في الشــهر الرابــع مــن العــام 1983، ولكــن دون وجــود للحزب الاشـتراكي مع المفرزة. العــددُ كان ثلاثـةَ عـشَر نصـيراً، نصفُهــم غـيُر مســلحٍ وذلك لجلــب سـلاحٍ أكـثَرعنــد العــودة (ص127) .
وكما يروي لنا أبو مازن في الصفحة 129 بأنه لم تحـدث أيـةُ مخاطـر أو عراقيل اثناء المسير لمدة ليلتين بسـبب الحمل البســيط الــذي معهم، وكذلــك إمكانيــات الأنصــار الجســدية الجيــدة، وقلـة العـدد، ولسريـة وسرعـة تحـرك المفـرزة. كل هـذه الأمـور جعلـت وصولهم إلى القامشـلي يحـدث دون عراقيـل كبـيرة.
كان وصول المفرزة الى القامشلي دون عراقيل خبرا مفرحا للرفاق العاملين في مقر الحزب من أجل ارسال عدد كبير من الرفاق الراغبين بالعبور الى كردستان مع كميات من الأسلحة التي بحاجة للنقل. كما تشكل في المفرزة تنظيم لإدارة عملها من الناحيتين العسكرية والسياسية، وكان هذا بموافقة القاطع حيث كان أبو هديل المسؤول العسكري ويساعده أبو حسنة، وأبو شهاب المسؤول العسكري (ص129).
" المفــرزة كانــت تعيــش أيامهــا الأولى مــع بقيــة الأنصــار القادمـ ين إلى القامشـلي لغرض العبور إلى كردسـتان، أو المغادرين كردسـتان والذاهبين إلى أماكـن أخـرى (دراسـة مهنيـة أو حزبيـة، دراسـة عسـكري، إجـازات مرضيـة، الخـروج مـن كردسـتان وعـدم الرغبـة بالبقـاء هنـاك، وغيرهـا مـن الأسـباب " (ص133).
"البيــت الــذي فيــه المفــرزة مكتــظ بالأنصــار، وخاصــة المغادريــن مــن كردسـتان، ولـدى البعـض منهـم قناعـات سياسـية بـدأت تتقاطـع مـع الوجهـة العامـة للحركـة الأنصاريـة، وسياسـة الحـزب، ولهذا كان المسـاء هـو عبـارةً عـن حلقـات مـن النقـاش السـاخن بـين المجاميـع "(ص134) .
حدث هذا بعد نكبة بشتاشان التي بسببها استشهد 80 رفيقا ورفيقة. ونتيجة لذلك كان لها تأثيرا كبيرا على معنويات الرفاق وأزاحت الغطاء عن الكثير من المشاكل التي كانت تواجهها حركة الأنصار من حيث بنائها العسكري وأهلية قادتها من جميع النواحي المعنوية والتنظيمية .
اتخذت قيادة الحزب الشيوعي العراقي لمعالجة حالة الانهيار في جميع مناطق تواجد الأنصار في كردستان العراق وذلك بإخراج العشرات منهم الى الدراسة في الاتحاد السوفيتي وبلغاريا.
" المفــرزة كانــت خــلال هــذه الأيــام تســتعد للعبــور إلى كردســتان عــبر الطريــق المبــاشر، وكان هنــاك في مدينــة القامشــلي وجبــةٌ مــن الضبــاط العســكريين، الذيــن تدربـوا في جمهوريــة اليمــن الديمقراطيــة، جــرى الاتفــاق عــلى أخــذ العديــد منهــم مــع المفــرزة، رغــم خطــورة الوضــع، وعــدمِ المعرفــة الجيــدة بإمكانيــات هــؤلاء واســتعدادِهم لتحمُّــلِ مشــاقّ الطريــق، ولكــن الضغوطــات التـي تعرضـت لهـا المفـرزة مـن الرفـاق العاملـين في القامشـلي جعلتهـم يرضخــون لهــذه المطالــب "(ص135) .
معركة بي خير
لكتابة مقالة عن كتاب حكايات الطريق لمازن الحسوني لابد من الأخذ بنظر الاعتبار الظروف المناخية التي تواجه مفارز الانصار ويجب أن تتعايش معها في الصيف والشتاء ، من مطر وثلج وطرق مغطاة بالجليد وطبيعة التضاريس التي يسيرعليها الأنصار من جبال وعرة وأرض ترابية وأحراش ...الخ
وهكذا يكتب مازن أبو حسنة التالي: " في منتصــف حزيــران 1983 الجــو صيــفٌ، حــارٌّ جــداً بســاعات النهـار، ولكـن نسـائمُ الهـواء المنعـش ليـلًا تجعـل الإنسـان يسـير وهـو مرتـاح. لكـن نحـن لا نسـيُر مثلـما نرغـب في مدينـة وشـوارعها المبلطـة، وبملابســنا الخفيفــة ... لا ، نحــن نســير بــأرض ترابيــة، ومحروثــةٍ في غالبهـا، مـما يصعّـبُ عمليـةَ المـي، إضافـة إلى الأحـمال الثقيلـة التـي نحملهــا عـلى ظهورنــا، وهــي بحــدود 30-25 كيلــو لــكل واحـدٍ منــا، موزعــةٍ مــا بــين قطــع الســلاح والذخــيرة والبريــد والأكل، وإطــارات عبــور النهــر وغيرهــا مــن المــواد. كلُّ هــذا يجعــل المسـير ثقيـلًا جــداً علينــا. مـا يزيـدُ الهـمَّ هـو عامـل الوقـت؛ حيـث لدينـا توقيتـات مهمـة، لابـد مـن المحافظـة عليهـا بالمـشي، كما أن عامـلُ الظـلام سـلاحٌ مهـم لنـا، يجـب أن نسـتغله ونتعامـل معـه بـكل دقـة. في الأماكـن الخطـرة جـداً نريـد أن يكـون الظـلام دامسـاً، وهـذا يعنـي بأننـا نحسـب متـى يكـون القمـر غير مضيء … هـذه القضيـة المرتبطةُ بسـلامتنا، وعــدمِ كشــفنا للعــدو بســهولة كانــت مهمـةً لنــا في دراســة
حالـة القمـر في كل أيـام الشـهر، واسـتغلال الأيـام المناسـبة للعبـور" (ص136) .
" بعد مشي مضني لعدة ساعات وصلت المفرزة نهر الخابور. وهـي متعبـةٌ، ومتأخـرةٌ عـن الوقـت المحدد لوصولهـا إلى هـذه النقطـة، وهـذا يجعـل الضغـط عـلى أفرادهـا يزداد. قامت مجموعـة الاسـتطلاع برصد المـكان بـكل دقـة، وتتوجـس أيـة حركـةٍ أو أصـوات، سـواء مـن طـرف النهـر الـذي فيـه المفـرزة أو الجانـب الآخـر الـذي سـتذهب إليـه بعـد العبـور " (ص141). بدأت عمليـة نفـخ الإطـارات، وهـذه المـرة بشـكل أفضـل؛ لأنهم جلبوا معهم منفــاخ بلاســتيكي يعمــل بالضغــط عليــه بالقــدم. أكملوا عمليـةَ نفــخ اِلإطــارات وربطَهــا مــع بعــض، وبنفــس الطريقـةِ. اثنــان يجدفــون، واثنــان ممــن يعرفــون الســباحة يقومــون بعمليــة النــزول للـماء، ودفــع الكلــك لزيــادة سرعتــه بالسـير بالمــاء، والعبــور بوقـت أقـصر. العمليـة تمـت بـكل سـلام وهـدوء حتـى وصلوا للطـرف الآخــر مــن نهــر الخابور.
بـدأ بعـض الأنصـار يتذمـرون مـن طـول الوقـت، والبعـض الآخـر بـدأ يشــعر بثقــل الأحـمال عـلى ظهــره، مـما دفــع البعــض منهــم لطلــب المســاعدة، وإلا لــن يتمكنــوا مــن مواصلــة السـ ير. هنــا تطــوع أحــد أنصــار المفــرزة وســاعد هــذا النصـ ير، مثلـ ما بــادر قبلَــه نصـ يٌر آخــرُ لمســاعدة نصـير آخــر لديــه نفــس الحالــة.
بــدأ القلــق يـزدادُ، والــكل يتوجــس مــن قـرب بــزوغ الفجــر ونحــن لم نصـل الجبـل بعـد. لمفــرزة واصلــت المسـير، ولكــن بخطــا ثقيلـةٍ ومتعبـةٍ، وظهــر الجَهــد عــلى الجميــع، ولكــن كان البعــض يغالــب تعبــه، ويعطــي الــروح المعنويــة الجيــدة للآخريــن رغــم تعبــه، لزيــادة الشــحنات الإيجابيــة بتلـك اللحظـات . أمـا البعـض الآخـر فبـدأ بالاستسـلام للتعـب، وأصبـح لا يقــوى عـلى أي إمكانيــة لتحمــل المزيــد مــن الجُهــد، رغــم تقديــم المبــادرات بتخفيــف الأحـ مال عنهــم ونقلهــا للآخريــن.
أحـد الأنصـار وصـل بـه التعـب إلى الطلـب بـأن تتركـه المفـرزة في المكان الحـالي، وتواصـل هـي المسـير للجبـل وهـو يلتحـق بهـا فيـما بعد.
المســافة المتبقيــة للوصــول إلى الجبــل لا تزيــد عــن ســاعة، والتعــب الكبــيُر الــذي وصــل إليــه البعــضُ جعلهــم لا يســتطيعون الحركــة أكـثر مــن ذلــك، ولم تنفــع معهــم جميــع النصائــح والوعــود، وأشــكال المســاعدة التــي يمكــن أن نقدمهــا لهــم.
أبـو هديـل: اسـمعوا رفـاق… المـكان الـذي نحـن فيـه الآن .. قريبـاً منـه يوجـد منخفـضٌ صغـيٌر، وفيـه أشـجار قصـب ومـاء، سـنبقى هنـ نحــن اثنــان؛ أنــا وأبــو جهــاد مــن المفــرزة مــع النصيَريــن المتعَبـ ين، ونــرى فيـما بعــد مــاذا يمكننــا أن نعمــل؟ أمــا البقيــة فتواصــل المسـير للجبـل قبـل أن يبـزغ الفجـر بعـد سـاعة، ولكـن راقبـوا أنتـم المنطقـة مــن عندكــم، وخاصــة المــكان الــذي نحــن فيــه.
- أبـو هديـل: أبـو حسـنه تمـام؟ ... إذن الـكل يسـير للجبـل، وأنـت أبـو.حسـنه تتـولى قيادة المفـرزة الآن(ص144).
" أول الأشــياء التــي لاحظناهــا - عنــد اتضــاح الرؤيــة، وصعــود الشــمس قليـلًا - هـو أن رفاقنـا الأربعـة يتواجـدون بمـكان تحـت موقـع عسـكري ( ربيــة ( لا يبعــد عنهــم ســوى خمسـ ين مـتراً، وهــذا يعنــي بــأن أي كشــف لوجودهــم ســيعني حــدوث كارثــة. المنخفــض الــذي هــم فيــه أشــبه بمجــرى مــائي (ســاقية ( ويمتــد مــن هنــاك إلى حافــة الجبــل، ولكــن القصــب يتواجــد فقــط قــرب المــاء الـذي اتخـذه رفاقنـا مكانـاً لاسـتراحتهم، وهـو قريـب جـداً مـن الموقـع العسكري "(ص146).
" الســاعة الواحــدة والنصــف ظهــراً، والجــو حــارٌّ جــداً، حيــث الشــمس مرتفعـة، ونحـن في عـز الصيـف .عندهـا لاحظنـا مـن المـكان الـذي نحن فيـه تحـرُّكَ جنـديٍّ خـرج مـن موقعـه العسـكري، القريـب مـن تواجـد رفاقنـا واتجـه نحـو المنخفـض الـذي يتواجـدون فيـه" (ص148) .
تم اكتشاف موقع أبو هديل وأبو جهاد مع النصيرين المتعبين. وبدأ تبادل اطلاق النار من كلا الطرفين. توزع الأنصار على سفح جبل بي خير بنسق جيد يضمن السيطرة من مرتفع جيد عموم الأرض المنبسطة التي امامهم ولمنع أي التفاف من قبل الجيش نحو المنخفض الذي يسير فيه الرفاق الأربعة : أبو هديل وأبو جهاد والنصيرين الآخرين. تمكن الرفاق الأربعة من الوصول بنجاح الى مجموعة الأنصار وتم الانتشار في الجبل وأخذ مواقع مناسبة للدفاع عن النفس وكما يقول المثل الشعبي الكردي: (سيكارة وصخرة وبندقية وليأت العالم ). " نحــن بالموقــع الحــالي نمتلــك جبـلاً، وليــس صخــرة فقــط، والبنــادق كثـيرة وأهلا بمــن يــأتي"(ص149) .
بدأت القــوات العســكرية تتجمع بمســافة 2-3 كيلومترعن الأنصار. وبــدأت بالرمي عــلى الجبــل بشــكل عشــوائي، وتتقــدم نحــوه، ولكــن بحــذر وبــطء (ص149).
اســتمرت المعركــة عــدة ســاعات، وفيهــا عرف الانصار بنوايــا العــدو، الــذي يريــد أن يطيــل ســاعات المعركــة كي تنفــد ذخيرتهم، ثــم ينقـضَّ عليهم، بعــد أن يطلــب تعزيـزاتٍ أكـثَر، ولهــذا كانوا يقتصــدون بالرمــي، كيــلا تنفــد ذخيرتهم، خاصــة وهم بمنطقــة يســتحيل فيهــا أن تصــل لهم أيــة مســاعدة عســكرية مــن الرفاق، بسـبب المـكان الـذي هم فيه وسـط العـدو مـن كل الجهـات. وأصبحت المعنويات عالية وخاصة بعد وصول الرفاق الأربعة (ص150).
بــدأت الطائــرات تقصــف بشــكل عشــوائي، دون أي هــدف محــدد، مـما جعل الأنصار مطمـئـنين لأن هــذه المنــاورة لــن تكــون مؤذيــة بالنســبة لهم.
ويؤكد أبو حسنة في الصفحة 151 ما يلي : " مـا كنـا نقـوم بـه عنـد قصـف الطائـرات هـو أن نقـوم بالاختبـاء بـين الصخـور، وعنـد انتهـاء مناورتهـا نقـوم بالرمـي عـلى العدو الـذي يتقدم . هـذه الحالـة جعلـت تقـدم العـدو محـدوداً وبطيئـاً جـداً، ولم تنجـح خطتـه بالتقـدم كثـيرا ".
قام أبو سحر بإطلاق قذيقة (ر ب ج) نحو الطائرة وعلى الرغم من ان القذيفة " لم تصب الطائرة بســبب مداهــا الــذي لا يصــل للطائــرة، ولكنهــا كانــت كافيــة لأن تفــزع الطائــرات والقيـادة الميدانيـة، وتقنعهـا بـأن لا جـدوى مـن إطالـةِ المعركـة أكـثر، أو اســتخدامِ الطائــرات" (ص152). ونتيجة لذلك انسحبت الطائرة من جو المعركة وكذلك فعلت القطعات العسكرية بعد نصف ساعة.
حصيلـةُ المعركـة كانـت حصولَنـا عـلى بندقيـة وقتـلى مـن العـدو، عـلى الأقـل كانـت الجثـةُ المتروكـة هنـاك (تـداول النـاس فيـما بعـدُ وصـولَ عـدد مـن القتـلى والجرحـى إلى مستشـفى زاخـو.((ص153).
ويستمر مازن بوصف المعركة: اســتمر القصــف واشــتعالُ النـيران إلى الظهــر، ولم تظهــر أيــة قطعــات عســكرية بالمنطقــة لأجــل التقــدم عـلى الجبــل، وحتــى الطائـرات لم يظهــر لهــا أي وجــود في الجــو، كلُّ هــذا جعلنــا نفهــم بــأن العــدو اكتفــى بالقصــف وحــرقِ الجبــل كوســيلة لضربنــا دون ســواها. (ص156).
"بـدأت المفـرزةُ بالمسـير، ومعنويـاتُ الجميـع جيـدةٌ جـداً بعـد أن خرجنا سـالمين - إن لم نقـل منتصريـن - مـن معركـة يـوم أمـس، والجميـع أخذ قســطاً جيــداً مــن الراحــة، حتــى مــن كان متعبـ اً جــداً مــن الأنصــار الجـدد المفـرزةُ حـذِرةٌ بمسـيرها، وتتنصّـتُ لأضعـفِ الأصـوات لفهـم مـا يـدور حولهـا، و تسـتعدّ لـكل المفاجـآت." (ص157-158)
" بعـد أن تمـت عمليـة العبـور بشـكل آمـن، وتنفـس الجميـعُ الصعـداءَ، وابتعدنـا عـن الطريـق الـدولي، حيـث كنـا نخـى مـن وجـود كمائـن قربــه، انفتحَـتْ قريحـةُ الجميــع للنكــت والضحــك، حتــى وصلنــا إلى ســفح الجبــل الأبيــض لأجــل صعـوده والعبـور للمناطــق المحــررة.
"انتظـرت المفـرزةُ قـرṿسـفح الجبـلِ بضـعَ دقائـقَ لتسـتريحَ قليـلاً، ثـمّ تبـدأ عمليـة الصعـود، وهـذه متعبـةٌ بعـد الجهـد الـذي بُـذل في عبـور الطريــق الــدولي، ولكــن مــا يشــفع لنــا هــو أننــا لازلنــا في منتصــف الليــل، والجبــل ليــس بالشــاهق، وصعــودُهُ لا يســتغرق أكــثر مــن ســاعتين ونصــف إلى ثـ لاث ســاعات." (ص159)
" صحيــح أن المفــرزة أُجـبَرتْ عـلى الدخــول في معركــة لم تكــن تريدهــا، ولكنهــا أثبتــت أنهــا لاتقــل - مــن حيــث الكفــاءة العســكرية - عــن مفــارز الأنصــار القتاليــة الأخــرى المنتـ شرة في مناطــق كردســتان.
أهـالي المنطقـة مـا إن رأونـا حتـى تهللـوا فرحـاً بأننـا سـالمون، بعـد مـا سـمعوا مـن إطلاقـات ناريـة، وقصـف مدفعـي، واشـتباكٍ شـاركَتْ فيـه حتـى الطائـرات" (159). و أدركت الســلطةُ بــأن هنــاك مجاميـعَ عســكريةً تعـبر مــن ســوريا إلى كردسـتان مـن هـذا الطريـق، وهـي محملـة بأسـلحة متعـددة، وليـس مجموعـة مـن المهربـين الذيـن يمكـن أن يعـبروا كأفـراد."(ص160). كما ترتـب عـلى هـذا الحـدث أن السـلطة بـدأت باتخـاذ تدابـيَر عسـكريةٍ كبـيرة بالمنطقــة، بدأنــا نشــعر بهــا فيـ ما بعــد وســببت لنــا مشــاكل عديــدة. (ص161),
أحداث بشتاشان ومفارز الطريق
وصلت المفرزة الى مقـر القاطـعِ، واستقبلهم الأنصـارُ هنـاك بـكل حفـاوة، لأن أخبــار العمليــة كانــت قــد وصلــت قبلهم، وبنفــس الوقــت هــذا الوصــول يعنــي إمكانيــة اســتمرار العبــور لســوريا للأعــداد الكبــيرة التــي بــدأت تتكــدس في منطقــة بهدينــان، مــن الأنصــار الذاهبـين إلى سـوريا لأسـباب عديـدة، خاصـة بعـد نكبـة بشتاشـان، والتـي استشـهد فيهــا العديــد مــن الأنصــار، وانهــارت قطعــات عســكرية مــن الأنصــار في مناطــق ســوران.
جرى حديث طويل بين أبو جميل (توما توماس) وأبو هديل حول وصول اعداد كبيرة من الأنصار بعد نكبة بشتاشان وبدأت حالات من التململ بينهم وهذا يضر بالحركة ولهذا من الضروري اخراجهم من كردستان بسبب المرض وكبر السن.
وبعد حوار طويل بين الاثنين أخبر أبو هديل رفاقه في قيادة المفرزة : أبو حسنة وأبو شهاب التالي: "اللقـاء مـع أبـو جميـل بَـيَّن كـم كانـت قيـادةُ القاطـع مسـتاءة لتدخـل القامشــلي بطريقــة غــير مناســبة في عمــل المفــرزة، وبنفــس الوقــت أعطــت للمفــرزة صــورةً واضحـةً لا لبــس فيهــا عــن طبيعــة الســلطة الممنوحــة للمفــرزة وطريقــة تعاونهــا مــع رفــاق القامشـلي" (ص165) .
" في اليـوم المتفـق عليـه تحركنـا - نحـن الخمسـة - مـن مفـرزة الطريـق المبــاشر، مــع عــدد مــن الأنصــار المغادريــن إلى ســوريا، وأحــد أعضــاء حــزṿ كــوك الـ تركي، الذيــن كانــوا يقدمــون لنــا المســاعدة في عملنــا بتركيــا مــع أحــد الأنصــار العاملـين عـلى الخــط الـتركي."
"المسـيرة اســتغرقت خمســة أيــام، كنــا نسـير ســاعات النهــار الطويلــة فيهــا والمتعِبــة بســبب التضاريــس الحــادة بالجانــب الـ تركي، بعــد أن ودّعنــا آخــر مقـرٍّ لنــا بالعـراق ( مقــر كيشــان ( لتبــدأ بعدهــا عمليــة المبيــت في العـراء والشـحّ بالغــذاء والمــاء." (ص170).
مفرزة الـ 65 رفيقاً
بعد قراءتي لهذا الفصل من الكتاب يمكنني أن أطلق عليه اسم ملحمة عبور نهر دجله من منطقتي تواجد قوات الجندرمة التركية و تواجد ربايا الجيش العراقي مع سرعة جريان مياه النهر. وهنا سوف اقطتف مقاطع منه للدلالة على قوة إرادة وتنظيم وصبر أعضاء هذه المفرزة.
يكتب أبو حسنة في صفحة 172 من الكتاب التالي: " وصلنــا المحطــة الأخــيرةَ مــن هــذه المحطــات الصغــيرة المتواجــدة في الأراضي التركيــة، وكان يتكــدس فيهــا العديــد مــن الأنصــار، حتــى ضاقـت بهـم المنطقـة المسـموحُ تواجـدُ الأنصـارِ فيهـا دون الخشـية مـن كشــفهم مــن قبــل الجيــش الـتركي أو عملائــه.
- قال أبــو وســن وهوأحــد العاملـين بالخــط الـتركي : رفيــق أبــو حســنه ان الرفـاق الذين سوف يعـبرون معكـم عددهـم 60 نصـيراً، ولكـن لا إمكانيـة لدينـا الآن لبقائهـم، أو تقسـيمهم إلى مجاميـع؛ لأننـا لم نجـد دليـلًا تركيـاً مأمونـاً، يمكـن أن يقـود المفـرزة إلى الجانـب السـوري" (ص172). لدينـا فقـط دليـل واحـد، وهـو حقيقـة ليـس بأفضـل الأدلاء، لأنـه يمكن أن يهـرب عنـد حـدوث صـدام مـع الجندرمـة التركيـة، ولهذا تـراه يلبس اللبـاس المـدني (بنطلـون وقميـص وسـترة( وليـس اللبـاس الكـردي لكـي يهـرب بسـهولة عنـد حـدوث أي طـارئ، وحتـى هـو غـير مسـلح. ورغم خطورة الموقف اتفق الجميع على العبور لعدم وجود خيار أخر.
" أبـو حسـنه: أبـو جهـاد .. أنـت تبقـى ويـه الدليـل مثـل الذيـل ، مـا تخليـه يـروح عـن عينـك، وتراقبـه بـس بهـدوء، ولا يشـعر كأنـه معتقل لأن مـا عدنـه أحـد يعـرف الطريـق غـيره، حتـى رفاقنـا العاملـين عـلى الخـط الـتركي، ولا واحـد راح يجـي ويانـا، واحنـه مـن مفـرزة الطريـق المبـاشر مـا نعـرف هـذا الطريـق" (ص174).
" أبـو عزيـز أنـت تكـون القفـل، أي آخـر واحـد بالمفـرزة، ومهمتـك ألا تـترك أحـداً خلفـك. الثلاثــة إحنــه البقيــة نتــوزع بـين الرفــاق، وأنــا راح أكــون قريــب مــن الدليــل، أُنبِّـهُ الرفــاقَ بــأن كل واحــد ينتبــه عـلى الـلي أمامــه والـلي خلفــه ".(ص175).
وجرى الحديث مع بقية رفاق المفرزة من حيث صفة ارض الطريق المنبسطة وعدم توفير وجبة طعام للمفرزة لأنها ليلة واحدة فقط. وتوجد تسعة إطارات فقظ لعبور نهر دجلة. هذه هي المعلومات الشحيحة التي قدمت الى الرفاق المغادرين الى سوريا. لم تطرح قضية عدم الثقة بالدليل مخافة أن تخلق بلبلة بينهم. الأنكى من ذلك لا يجيدون السباحة للمساعدة في دفع الكلك بالماء. ولكنه بعد ذلك اتضح ان عددا غير قليل منهم يعرفون السباحة (ص189).
المفـرزة بطيئـة الحركـة بسـبب كبرهـا 60 نصـيراً ونصـيرة ( 3 نصـيرات( عدانـا نحـن أعضـاء مفـرزة الطريـق الخمسـة . الـكل في حالـة نفسـية لا يحسـدون عليهـا. مـدى التعـب النفـسي و الجسـدي واضـح للجميـع، ولكــن مــا يمكــن قولــه بأنهــم كانــوا يقـدّرون مــا تقــوم بــه مفــارز الطريــق، خاصــة الآن. إنهــم يعتـبرون القيــادة رمــت بمشــاكلها عـلى هـؤلاء الرفـاق ( مفـارز الطريـق ( لحـل المصاعـب الكبـيرة التـي تواجـه الأنصـار هـذه الأيـام لم يتذمـروا مـن أي رأي كان يطـرح لهـم، أو قـرار ما (ص176)ٍ.
كان مزاج الرفاق إيجابي ويدركون الوضع الذي فيه الجميع فلا يدخلون في نقاش عقيم مثلما هو معروف في الاجتماعات الحزبية أو العسكرية. الجميع يصغي بكل هدوء للتعليمات من آمر المفرزة وينفذها حفاظا على سلامة الجميع.
وصلت المفرزة الى نهر الهيزل السريع الجريان الذي عرضه بحدود 20 مترا. وهذا يتطلب إيجاد مكان للعبورالى الجهة الأخرى غيرعميق ومن الضروري ان يمسك بعضهم بعضا مخافة ان يجرفهم التيار القوي (ص179). تمكنت المفرزة من عبور النهر بعد جهد جهيد ولكن ثلاثة انصار علقوا بشجرة وسط النهر الذي نبه أبو حسنة هو أبو عزيز المكلف بمهمة مراقبة نهاية المفرزة. توقف الجميع وذهب أبو عزيز مع بعض الرفاق لإنقاذ الأنصار وهذا الذي تمكنوا منه.
" دليـلُ المفـرزة - بعـد العبـور والمسـير الطويـل - أدرك بـأن الوقـت غـير كافٍ للوصـول إلى نهـر دجلـة والعبـور بهـذه الليلـة، وبالتـالي لابـد مـن إيجــاد مــكان يــأوي الجميــع، وبعيــداً عــن أعـ ين الجندرمــة التركيــة طيلــة ســاعات النهــار، ومواصلــة العبــور بالليلــة القادمــة" ( ص181).
المــكان كان عبــارةً عــن غابــة مــن القصــب الكثيــف، والــذي يذكـ رك بأهــوار جنــوب العـراق. دخلنــا غابـةَ القصــب بعــد أن فتحنــا فتحـةً بـين القصبــات، وأعدنــا لملمــة القصــب الــذي دخلنــا مــن خلالـه مــن جديـد، كي لا تظهـر آثـارُ دخـول أي شـخص مـن هنـاك داخـل القصـب. وقتهــا كانــت الســاعة تشـير إلى الثالثــة بعــد منتصــف الليــل.
دخــل الجميــع بـين القصــب، وطلبنــا منهــم عــدم إصــدار أي صــوتٍ، وعـدم إشـعال أي نـيران للتدفئـة رغـم بـرودة الجـو البسـيطة والاكتفـاء بالنـوم وعـدم الحركـة " (ص183).
" قاربـت السـاعةُ منتصـف النهـار، حـين وصـل لأسـماعنا وصـولُ سـيارةٍ وأكـثر قـرب المـكان الـذي نحـن فيـه
- أعطيـت إشـارة لمـن حـولي - بوضـع السـبابة عـلى الفـم، وهـي التـي تعنــي بعــدم إصــدار أي صــوت، والإشــارة انتقلــت إلى جميــع الذيــ كانــوا مســتيقظين (كا ترجـل العديـد مـن السـيارات، وبـدؤوا بتتبـع آثـارٍ ربمـا تركناهـا ليلـة البارحـة أثنـاء سـيرنا المـاضي، حتـى وصلـوا لقـرṿ القصـب الـذي نحـ بداخلـه، وعندهـا بـدأ صعـود الأدرينالـين لمسـتوى قيـاسي لـدى العديـد منـا وبلحظتهـا كان الـكل في صمـت شـديد، وكأن لا وجـود لشـخص بـين القصبـات (مـو عبالـك كأنـوا 65 نايمـين هنـاك.(
تحدثــوا بالتركيــة مــع بعــض، وهــي اللغــة التــي لا نجيدهــا نحــن جميعـاً عـدا الدليـل الـذي يعطـي إشـارة باسـتمرار بالسـكوت وعـدم إصــدار أي صــوت.
بعـد لحظـاتِ ترقـبٍ وقلـقٍ شـديد، سـمعناهم ينسـحبون مـن المـكان، ويســتقلّون ســياراتهم، ليبتعــدوا عــن المــكان. عندهــا تنفــس الجميـعُ الصعـداءَ، وشـعرنا بـزوال الخطـر مؤقتـاً، ولكننـا لا نعلـم مـاذا سـيحصل فيـما بعـد.
اتضــح لنــا - حســب مــا ذكــر الدليــل - بأنهــم وصلــوا للفتحــة التــي دخلنــا للقصــب منهــا، ولكنهــم لم يقتنعــوا بإمكانيــة الدخــول منهــا للعـدد الكبـير الـذي تركتـه آثـار الأقـدام، وبالتـالي فكـروا بـأن مـن تـرك الآثــار قــد اســتمروا بالمــي إلى طريــق آخــر.
هـل حقـاً نجونـا مـن الاصطيـاد بهـذه السـهولة؟ لا نعلـم ... ولكـن لابـد ن هنــاك العديــد مــن الأنصــار وقتهــا نيامـاً، ولا يشـعرون بمـا يجـري، ويحسـدهم المـرء عـلى تلـك النومـة هنيـاً لهـم " (ص185).
ترجـل العديـد مـن السـيارات، وبـدؤوا بتتبـع آثـارٍ ربمـا تركناهـا ليلـةنالبارحـة أثنـاء سـيرنا المـاضي، حتـى وصلـوا لقـرṿ القصـب الـذي نحـ بداخلـه، وعندهـا بـدأ صعـود الأدرينالـين لمسـتوى قيـاسي لـدى العديـد منـا وبلحظتهـا كان الـكل في صمـت شـديد، وكأن لا وجـود لشـخص بـين القصبـات (مـو عبالـك كأنـوا 65 نايمـين هنـاك.(
تحدثــوا بالتركيــة مــع بعــض، وهــي اللغــة التــي لا نجيدهــا نحــن جميعـاً عـدا الدليـل الـذي يعطـي إشـارة باسـتمرار بالسـكوت وعـدم إصــدار أي صــوت.
بعـد لحظـاتِ ترقـبٍ وقلـقٍ شـديد، سـمعناهم ينسـحبون مـن المـكان، ويســتقلّون ســياراتهم، ليبتعــدوا عــن المــكان. عندهــا تنفــس الجميـعُ الصعـداءَ، وشـعرنا بـزوال الخطـر مؤقتـاً، ولكننـا لا نعلـم مـاذا سـيحصل فيـما بعـد.
اتضــح لنــا - حســب مــا ذكــر الدليــل - بأنهــم وصلــوا للفتحــة التــي دخلنــا للقصــب منهــا، ولكنهــم لم يقتنعــوا بإمكانيــة الدخــول منهــا للعـدد الكبـير الـذي تركتـه آثـار الأقـدام، وبالتـالي فكـروا بـأن مـن تـرك الآثــار قــد اســتمروا بالمــشي إلى طريــق آخــر.(ص185.).
وصلت المفرزة بعد مسير عدة ساعات قرب نهر دجلة والذي اصبح طرفه الاخر سوريا وليس العراق، وبدأت بنفخ الإطارات لعمل الكلك. تم العبور بعد تم تقسيم المفرزة الى قسمين ومعالجة مشكلة قوة التيار وفقدان الكلك للهواء .
" ركــب الجميــع عـلى الكلــك، وبدأنــا العبــور للجهــة الأخــرى، والــكل يترقـب: متـى سـتطلق الجندرمـة رشـقاتها الأولى علينـا؟ والسـاعة تشـير إلى السادســة صباحــاً، ولكــن لم يحــدث أي شيءٍ مــن هــذا. أما الجانب السوري في هذه المنطقة فلا توجد حراسة فيه وانما دوريات بالسيارات. ولهذا لم يلاحظنا أحد " (ص190-191).
تمكن علاء من إيقاف سيارة حمل كبيرة ورجا السائق ان يأخذهم الى مقر الحزب الشيوعي السوري بالمالكية. تم توزيع الأنصار على بيوت العوائل السورية وخاصة الشيوعيين منهم، قبل مجيء السلطات السورية لمقر الحزب. (ص193).
بيت خاص للمفرزة
حصلت المفرزة على بيت خاص بها في القامشلي. وهو بيت بسيط يتألف من غرفتين وحمام ومطبخ.
ازدزاجية الحياة
هــذه الازدواجيــة بالحيــاة، ولشــباب مثــل أعمارنــا لم تكــن ســهلة أبــداً، حتــى يســتطيع أي منــا التكيــف معهــا بــكل بســاطة وأريحيــة بـين يــوم وآخــر. اليــوم تلبــس لباســك المــدني في المدينــة، وتتكيــف مــع حالــة هــذه المدينـة، وقوانينهـا الاجتماعيـة. في اليـوم التـالي تغـير ملابـس إلى الـزي الكـردي المناســب للمناطــق الجبليــة. عليــك أن تدخــل بقالــب جديــد لا يمـت للبارحـة بحياتهـا وقوانينهـا. عليـك التكيـف مـع حالـة المقاتـل، ومــا تتطلبــه هــذه الحالــة مــن حــذر وخــوف ورصــد لــكل حركــة، وفي أي مــكان وحتــى التفكـير بــكل خطــوة (المناطــق الآمنــة، ســاعات المـشي، توفــر المــاء، المناطــق الخطـرة، السـير بالظـلام، عــدم الحديــث بصـوت عـالي، المسـير بتباعـد بـين الواحـد والأخر...إلـخ.( هـذه الأشـياء لا تفكــر بهــا بالمدينــة، وإنمــا عقلــك يذهــب لأشــياء أخــرى ينشــغل بهــا (جــمال النســاء، العلاقــات الاجتماعيــة، طبخــات الأكل، الملبــس المناســب، مشــاهدة التلفــاز ... إلــخ.(
كنـا نعيـش هـذه الحالـة وحدنـا (رفـاق المفـرزة( أمـا رفاقنـا العاملـين بالقامشـلي، والذيــن نتعامــل معهــم لإنجــاز مهامنــا لم تعنِهــم هــذه الازدواجيــة بـشيء، بســبب معيشــتهم الدائمــة بالمدينــة مــع عوائلهــم، ولم يتفهمــوا هــذه الحالــة (عــدا القلــة منهــم.( المســؤول الأول عنهــا (لقامشـ لي( والبعــض الأخــر لا يفكــرون ســوى بكيفيـة قدومنـا وسرعـة العـودة لكردسـتان مـع السـلاح والرفـاق الجدد لـكي يسـجلوا إنجازاتهـم (أرسـلنا، عبرنـا( وكأنهـم هـم مـن قامـوا بهـذه المهمــة وحدهــم بــل حتــى يخشــون منافســتنا لهــم بالمعيشــة هنــاك ربمـا نكـون بديـلًا عنهـم. مشــكلتنا مــع هــؤلاء كانــت تكمــن في كيفيــة النظــر للواجــب الــذي نقــوم بـه ســوية. نحـن (رفـاق الطريـق( نعتـبر مهمتنـا جـزءاً مـن مهمـة نضاليـة كبـيرة وواسـعة، وأحـد جوانبهـا هـذه القضيـة (العبـور مـن وإلى كردسـتان.((ص209).
نوعية شباب المفرزة
شـباب المفـرزة كانـوا يجـدون - بفـترة وجودهـم بالقامشـلي - فسـحة مـن الحيـاة الطبيعيـة التـي هـم محرومـون منهـا في كردسـتان، ولكنهـم بنفــس الوقــت لم ينســوا مهمتهــم الأساســية، ولا مــا يجــب عليهــم القيـام بـه.
أمثال كثيرة من الأنصار المخلصين لقضيتهم العادلة الني استشهدوا من أجلها مثل ناهل وأبو سحر . البعـض مـن الشـباṿ تـرك الوظيفـة والعمـل، كـما تـرك مقاعد الدراسـة العديــد منهــم. كان بإمــكان كل واحــد منهــم العيــش بأمــان وبنــاء عائلــة والاستسـلام لمغريــات الحيــاة التــي لــن يلومهــم أحــد عليهــا، خاصــة أنهــم جميعــاً في مقتبــل العمــر. أغلبهــم وصلــوا إلى كردســتان مــن الخــارج، أي كان يمكنهــم البقــاء هنــاك بعيــداً عــن ملاحقــات السـلطة والعيـش في أفضـل البلـدان. لكـن مـا كان يدفعهـم للعـودة إلى الوطــن والمســاهمة في قسـطٍ مــن النضــال ضــد الســلطة الدكتاتوريــة كان أقــوى مــن كل تلــك المغريــات الكبـيرة.
بعض من مصاعب الطلريق
قلة ساعات الظلام في الصيف
العطش
الامطار التي تحول الأرض الى وحل وطين وكذلك الثلج في الشتاء
سرعة جريان المياه في نهر دجلة
الإصابة برصاص الجندرمة
سافر أبو حسنة في الشـهرُ السـادس سنة 1984 إلى دمشـق لأجــل إكـمال أوراق الســفر إلى روســيا (الاحـاد السـوفيتي سـابقاً( لأجـل العـلاج مـن آثـار جـروح رصاصـات موجـودة في جسده بسبب هجوم من قوات الجندرمة التركية على مفرزة نقل الأسلحة من تركيا الى كردستان العراق حيث توجد قواعد الأنصار. كان ذلك في صيف العام 1982. (ص221).
الصراع الخفي بين النصير والبيشمركة
يروي أبو حسنة في هذا الفصل اخراج الرصاصات من قبل الدكتور صلاح ومساعده في قرية سناط. ويكتب التالي: عنــاصر البــارتي دومـاً تنظــر إلينــا- نحــن الأنصــار العـرب - كمقاتلـين أقـل شـاناً منهـم، لأننـا عـرب ولا نسـتطيع أن نتحمـل معانـاة الجبـال وقســوة الطبيعـة مثلهــم. بعد حديث قصير بين الدكتور المعالج وأبو حسنة عن تحمل الألم الشديد لاخراج الرصاصات من جسده بدون مخدر.
هنــا جــاء الامتحــان... رجــل عــربي مصــاب بعــدة طلقــات بجســده، ونـزف دمـاً كثـيراً، ولازالـت طلقـاتٌ داخـل جسـمه، وسـيقوم الدكتـور بمحاولــة إخراجهــا، ولْـنَر كيــف يتحمــل هــذا العربچــة (العــربي.( (ص233) . تمكن الدكتور صلاح من اخراج بعض من الرصاصات في قرية سناط. ولكن يقي عدد من الشظايا في جسمه لحد الآن. الدواء المخدر هو وضع قطعة من الخشب في الفم.
سفرة الاتحاد السوفيتي
بقي مازن في دمشـق مـدة شـهر تقريبـاً، وهـي الفـترة التـي أرسـلت فيهـا تقاريــرَ طبيــةً عــن وضعــه الصحــي إلى روســيا (الاتحــاد الســوفيتي سـابقاً( وعمل جـوازَ سـفر مـن جمهوريـة اليمـن الديمقراطيـة لأنه لا يملــك أي جــواز، وباســم مســتعار، ثــم جهــز بطاقــة الســفر إلى هنــاك للعـلاج.
يحدثنا أبو حسنة التالي : " مكثنــا في المستشــفى العســكري المركــزي بموســكو مــدة ثلاثــة أشــهر ونصـف. كان يرقـد فيـه قبـلَ وصولِنـا رفـاقٌ أنصـارٌ آخـرون (سـالم جورج، المصـاب برجلـه بعـدة طلقـات، كـوران الـذي أجريت لـه عمليـة بالقلب، ســعيد مــن القــرى الإيزيديــة، كانــت لديــه إصابــة بالركبــة قديمـةٌ، ولم يسـتطيعوا فعـل شيءٍ لهـا، لتأخـر علاجهـا لفـترة طويلـة.( كان المستشــفى كبــير جــداً، ومســيجاً، ويمنــع الدخــول إليه...أوقــات الزيـارة عـصراً، ويعالـج فيـه كلُّ العسـكريين مـن جنود بسـطاء، إلى رواد الفضـاء، وحتـى مـن ترسـلهم حـركات التحـرر، أو دولُ حلـف وارسـو في تلـك الأيـام، ولهـذا السـبب فهـو مجهـز بـكل المعـدات الحديثـة لعمـل أصعـب العمليـات. التقينـا فيـه - حيـث كنـا نـزلاءَ قسـمٍ خـاصٍ للأجانـب - بمصابـين مـن لبنـان وفلسـطين وأثيوبيـا وبولونيـا وغيرهــا مــن الـدول. أنهينــا العــلاج بعــد ثلاثــة أشــهر ونصــف، وعدنــا إلى دمشــق في ...1984/10/15 كنــت أتحـين اللحظــة للقــاء رفــاق المفــرزة والعــودة مــن جديــد للعمــل بعــد مــدة الفـراق تلــك، ولكنــي تفاجــأتُ بخـبر وقــع عـلي كالصاعقــة عنــد سـماعه في أول يــوم وصــولي إلى دمشــق " (ص253)
استشهاد رفاق المفرزة
استشهد دفعـةً واحـدةً خمسـةُ رفـاقٍ مـن مفـرزة الطريـق، والدكتـور أبــو ظفــر الــذي كان في إجــازة، وعــاد منهــا إلى كردســتان، في كمــين محكــم عـ لى نهــر دجلــة، أثنــاء عبــور المفــرزة إلى كردســتان.
مــا كنــت أخـشى وقوعــه قــد حــدث بعــد أن أدركَــت الســلطةُ عبــورَ أعــدادٍ مــن أنصــار الحـزب الشــيوعي إلى كردســتان، أو العكــس، مــن هــذه المنطقـةِ، وخاصــة بعــد معركــة (بي خـير( العــام المــاضي.
قيــادة الحــزب أرســلت جميــع الرفــاق الناجــين مــن الحادثــة مــن القامشـلي إلى دمشـق، لأجـل منحهـم الوقـت الـكافي للراحـة، والشـفاء النفـسي مـن صدمـة الكارثـة، ولهـذا عملـت عـلى تجهيـز المستمسـكات اللازمـة لـكل واحـد لأجـل السـفر لمـدة شـهر إلى مدينـة بـراغ (الغريـب أن الواحـد منـا كان يطلـب مـن هـذه القيـادة أيامـاً للراحـة في دمشـق، ولا تلبــي لــه هــذه الرغبــة، أمــا الآن فتجهّــز كل الإمكانيــات للســفر الريـع للخـارج، مفارقـة غريبـة، أحـد الأنصـار وصـف العمليـة بأنهـا لامتصـاص نقمـة الأنصـار وسـكوتهم عـما جـرى.( " (ص254)
المفرزة بعد الكارثة
بعــد أيــام مــن وصــول المفــرزة إلى القامشـ لي، وهــدوء البــال جــرت مناقشـ ةُ أحــداث تلــك الليلــة الكارثيــة.
بهـذه الجلسـة اتفقَـتِ الآراء عـلى أن الكمـين الـذي وقعـت بـه المفـرزة لم يكـن كمينـاً عاديـاً؛ بـل جـرى الإعـداد لـه بشـكل كبـير، بدليـل كـثرة عـدد مـن شـارك بـه، وكذلـك نوعيتهـم (قـوات خاصـة غـير عاديـة مـن الجنـود والجحـوش( مـما يعنـي بأنهـم كانـوا عـلى علـم مسـبق بحركـة المفـرزة؛ ولهـذا اسـتعَدّوا جيـداً، وحتـى شـخَّصوا مـكان عبـور المفـرزة، وكمنـوا بجهتـي النهـر.
السؤال كيف عرفوا؟ هل هناك من يعمل لصالحهم بيننا ؟ أم عرفوا من جهات أخرى؟
هــل كان بالإمــكان تجــاوز الكمـين بعــد مشــاهدة أكـثر مــن إشــارة ( قدحـات، ضـوء ... إلـخ( سـواء بالعـودة إلى سـوريا وهـو الخيـار الــذي يجنــب الــكل أيــة مخاطــر غـير محســوبة، أو الابتعــاد أكـثر، والمجازفــة بسرعــة التيــار في النهــر أفضــل مــن المنطقــة الخطــرة التــي شــعر بهــا الجميــع؟
خـلال الفـترة هـذه بـدأت تـزداد ملامـح الفرقـة بـين المفـرزة ومسـؤول القامشـلي أكـثر فأكـثر، لأنـه يضغـط بـضرورة العبـور مهـما كان الثمـن، وبنفــس الوقــت يجــد حجــة أن البــارتي يســافرون طيلــة الوقــت دون مشـاكل فلـماذا نحـن لا نسـتطيع ذلـك؟
سؤال كان يحيرنا جميعاً... لماذا هم يستطيعون ونحن لا؟
كانــوا يذهبــون فقــط ثلاثــة أو اثنــان، وليــس أكـثر، مــع بريــد يــدوي، دون حمـل أسـلحة زائـدة أو اشـخاص آخريـن. اتضحـت الحكايـة فيـما بعـد انتفاضـة عـام 1991 لتكشـف الأوراق التـي وجـدت في المعسـكر القريـب مـن الحـدود السـورية، والـذي يحمـي شـارع النفـط أنّ هـؤلاء كانـوا عمـلاء للنظـام، ويتعاملـون مـع أجهزتـه الأمنيـة.
ليلــة عبورهــم يذهبــون إلى مقــر الفــوج، ومــن هنــاك يجــري نقلهــم بالســيارة إلى منطقــة قريبــة مــن الجبــل الأبيــض بعــد تصويــر كامــل البريــد الحــزبي الــذي معهــم، ومــن بعــده يواصلــون المسـ ير إلى مقــر قاطــع قواتهــم.
هــذا كان اللغــزَ الــذي بقــي محــيراً لنــا لســنين طويلــة، وجــرى عـلى إثـره اتهــام المفــرزة بالجــن والتقاعــس والخــدر والركــض وراء القضايــا الشــخصية.
نهاية مفرزة الطريق
قال مازن الحسوني: " رفاق أنا لن أعود إلى كردستان، وإنما سأغادر إلى دمشق. الخـبر كان وقعــه عـلى الجميــع مختلفـاً مــن حيــث التأثـير... البعــض - وهـم الغالبيـة - اعتـبره فاتحـةً للخـروج مـن حالـة الإحـراج، وطلـبِكتـرك الكفـاح المسـلح، ولكيـلا تحسـب عـلى كل واحـد منهـم حالـةُ تـر سـاحة المعركـة، وبالتـالي النظـر إليهـم بشـكل غـير مريـح."( ص311) .
" الأيام لتـي تلـت ذلـك وكان هـذا في بدايـة عـام 1987 اختـار البعـض تنفيـذ رغبتـه بـترك القامشـلي، والتوجـه إلى دمشـق، وكنـت أنـا منهـم رغـم أن مـا كتـب مـن ترحيـل (رسـالة حزبيـة خاصـة( سـطرتها أقـلام مســؤول القامشـلي إلى منظمــة دمشــق لم تكــن مناســبة، لكــن هــذه الرسـالة لم تلـقَ أي ترحيـب مـن الرفـاق الذيـن يعملون بمنظمـة الأنصار بدمشـق، حيـث يعرفـون معـدن كل واحـد مـن مفـرزة الطريـق.المفـرزة عاشـت ببيـت واحـد، ومـن هنـاك بـدأت مسـيرة البحـث عـن حيـاة جديـدة خاليـة مـن العمـل العسـكري سـواء الدراسـة، أو العمـل المهنـي، أو الهجـرة، أو العمـل السـياسي المـدني " (ص312) .
" الجميـل أن الكثـ ير مــن الأنصــار الذيــن كانــت لمفــارز الطريـ قِ دورٌ مهـمٌ في دخولهـم أو خروجهـم مـن وإلى كردسـتان يذكـرون بـكل ودٍّ أنّ هــؤلاء الرفــاق العاملـين بمفــارز الطريــق لا تفــارق الضحكـةُ والهــدوءُ والابتســامةُ وجوهَهــم في أشــد حــالات التعــب والخطــر، مـ ما ســاعد هــؤلاء المنقولــين مــن وإلى كردســتان عــلى تحمــل أعبــاء الطريــق والوصــول للأهــداف المطلوبــة " (ص317).
ملحق تعريف بأسماء الشهداء من مفرزة الأنصار وكذلك بأسماء بقية أعضاء مفرزة الطريق.
ملحق بصور الشهداء، ملحق صور نشاطات المفرزة، السيرة الذاتية للكاتب، المحتويات
عدد صفحات الكتاب 331 صفحة. ، الطبعة الأولى، 2026.
ISBN:978-9922-755-89-2
