
الصحافة الشيوعية في العراق: كلمات ومواقف لا تنحني
الكلمة.. حين تصنع تاريخاً
المحرر: يوسف أبو الفوز
تشرفتُ بكتابة كلمة "المحرر"، والمساهمة في إعداد وتحرير ملف (الصحافة الشيوعية العراقية)، الذي نشرته صحيفة "طريق الشعب" على ثلاث صفحات في عددها الصادر يوم 30 تموز 2026، احتفاءً بعيد الصحافة الشيوعية العراقية.
يشكل تاريخ الصحافة الشيوعية في العراق أحد الفصول المهمة في تاريخ الصحافة الوطنية العراقية، ليس لأنها ارتبطت بتاريخ الحزب الشيوعي العراقي وحده، وإنما لأنها واكبت، على امتداد ما يقارب القرن، محطات مفصلية من تاريخ العراق السياسي والاجتماعي والثقافي، وأسهمت، في ظروف العلنية والعمل السري، في الدفاع عن حرية التعبير، ونشر الفكر التقدمي، وإعلاء قيم العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وفتح صفحاتها أمام الأدب، والفن والثقافة والإبداع.
ومنذ صدور "كفاح الشعب"، أواخر تموز 1935، كأول صحيفة عراقية تصدر سرًا، دشنت الصحافة الشيوعية تقليدًا جديدًا في العمل الصحفي، فرضته ظروف سياسية لم تكن تسمح بحرية الرأي أو التنظيم. ولم يكن إصدارها مجرد خطوة تنظيمية لحزب حديث التأسيس، بل كان تعبيرًا عن إيمان عميق بأهمية الكلمة في تشكيل الوعي العام، وإيصال صوت الفئات المحرومة، وكسر احتكار المعلومات والرأي. وتعاقبت بعد ذلك صحف عديدة، سرية وعلنية، مثل الشرارة والقاعدة وئازادي والعصبة والأساس واتحاد الشعب وطريق الشعب، لتشكل، كل واحدة منها، محطة في مسيرة صحفية امتدت عبر عقود، وتأثرت بالتحولات السياسية التي شهدها العراق.
وخلال هذه المسيرة، لم تقتصر صحافة الحزب الشيوعي العراقي على نشر الأخبار أو التعبير عن مواقف الحزب السياسية، بل تحولت إلى مدرسة صحفية وثقافية خرجت أجيالًا من الصحفيين والكتاب والمترجمين والفنانين، وأسهمت في نشر الثقافة التقدمية، وتشجيع الحوار الفكري، والاهتمام بقضايا العمال والفلاحين والمرأة والشباب والطلبة، والدفاع عن الحقوق والحريات العامة، والاحتفاء بالإبداع العراقي في مختلف حقوله. كما أدت دورًا بارزًا في التعريف بتيارات الفكر والأدب العالميين عبر الترجمة والمتابعة والنقد، وربطت بين الثقافة وقضايا المجتمع، وبين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة.
ولم تكن هذه التجربة معزولة عن التضحيات التي رافقتها. فقد تعرضت صحف الحزب للإغلاق والمصادرة، وواجه صحافيوها وكتّابها ومراسلوها مختلف أشكال الملاحقة والاعتقال، وقدم عدد منهم حياته دفاعًا عن الكلمة الحرة وحق المجتمع في المعرفة. كما كان وراء استمرار هذه الصحف، في أشد الظروف صعوبة، مئات المراسلين والعاملين المجهولين الذين نقلوا أخبار الناس وهمومهم، وأسهموا في أن تبقى صحافة الحزب قريبة من نبض المجتمع.
ولا يسعى هذا الملف إلى كتابة تاريخ شامل للصحافة الشيوعية في العراق، فذلك تاريخ ما زال يحتاج إلى المزيد من الدراسات والوثائق والشهادات، وإنما يحاول أن يضيء جوانب من هذه التجربة عبر مقالات ودراسات وشهادات ومواد توثيقية وإبداعية، كتبها باحثون وصحفيون ومثقفون عايش بعضهم هذه المسيرة وأسهم فيها، فيما تناولها آخرون بالبحث والتحليل، لتقديم صورة متعددة الزوايا عن إحدى التجارب المؤثرة في تاريخ الصحافة العراقية الحديثة.
وإذا كان هذا الملف يستعيد الماضي، فإنه يفعل ذلك بعين تتطلع إلى الحاضر والمستقبل. ففي زمن تتجدد فيه التحديات التي تواجه الصحافة وحرية التعبير، تبقى هذه التجربة جديرة بالتأمل، لا بوصفها ذاكرة سياسية فحسب، بل بوصفها جزءًا من تاريخ الكلمة الحرة في العراق، وتجربة أكدت أن الصحافة تستطيع، رغم كل الصعوبات، أن تكون منبرًا للمعرفة، وصوتًا للمجتمع، ومساحة للدفاع عن الحرية والعدالة وكرامة الإنسان.
وبهذه الروح، يضع هذا الملف بين يدي القارئ صفحات من ذاكرة الصحافة الشيوعية في العراق، تحيةً للرواد الذين أسسوا هذا التقليد الصحفي، وللشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا لمواقفهم، وللصحفيين والكتّاب والمراسلين الذين آمنوا بأن الكلمة الحرة مسؤولية قبل أن تكون مهنة، وأن الصحافة، في أفضل تجاربها، تبقى إحدى الركائز الأساسية في بناء مجتمع ديمقراطي يليق بالعراقيين.
