للذهاب الى صفحة الكاتب   

غياب دور مجامع اللغة في إعادة إنتاج المفاهيم المعرفية!؟

هايل علي المذابي

 

 

إن عملية الترجمة ليست مجرد نقل للمعنى وصناعة للغة بقدر ما هي أيضا عملية إعادة إنتاج وخلق للمفاهيم والمصطلحات المستوردة من الآخر وهذه العملية لإعادة الإنتاج للمفاهيم والمصطلحات لابد وأن تتسق مع ما يناسب خصوصيتنا العربية، ونفترض أن ثمة دور حيال هذا التوجه يضطلع به مجمع اللغة العربية فهو وريث شرعي لمدرستي اللغة العربية القديمة وهما مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة وهو المسئول الأول عن نكوص إنتاجية الفكر العربي للمعارف والعلوم بكل أنواعها والذي سببه دوره الغائب في رعاية الترجمة وعمليات النقل وتحديث القواميس ومعاجم اللغة..

افترض أن ثمة دور غائب للترجمة ومجامع اللغة ويتركز هذا الدور في نكوصها عن أن تستحدث مفاهيم عربية تقابل المفاهيم الغربية المستحدثة مع التحولات العصرية ومع كل ظاهرة أياً كان نوعها، بدلا من تقديم معنى المفاهيم الأجنبية وتعريفها و/أو الاكتفاء بنقلها كما هي، كما نفترض بالإضافة إلى ذلك وجوب تحديث قواميس ومعاجم العربية كما يتم تحديث قواميس ومعاجم اللغات الأخرى مضاف إليها التحديثات الجديدة والمستحدثة بما فيها المفاهيم العلمية والفلسفية والمعرفية المعاد إنتاجها عربيا وبما يقابلها في الفكر المنقول عنه بما يتفق مع الخصوصية العربية..

 

وبالطبع فمع كل تحول عصري جديد ومع كل ظاهرة عالمية جديدة أيضا تظهر مصطلحات لغوية جديدة ومن ذلك ما فرضته جائحة كورونا على البشرية من تغييرات واسعة منها مفاهيم جديدة، وهذه التمثلات أوجدت كلمات جديدة تصفها، فمثلا نجد أن جائحة كورونا فرضت مفاهيم تصف المخالفين لتعاليم السلامة ومنها مصطلح covidiot ويوصف به الشخص الذي يتصرّف بحماقة وعدم مسؤولية خلال جائحة كورونا، أو يتجاهل التحذيرات المتعلقة بالصحة والسلامة العامة، أو الذي يكدّس البضائع ويحرم الآخرين منها.

وهذا المصطلح كما ورد في تحديثات العديد من قواميس اللغة مكون من كلمة covid وهي اختصار لـ corona virus disease أي مرض فايروس كورونا وكلمة Idiot أي أحمق أو أبله، ونقلت إلى العربية كما تعني أي أبله أو أحمق كورونا ولم يعاد إنتاجها في عمليات الترجمة في مفهوم يختزل المعنى ويعبر عن الخصوصية العربية.

ولنا أن نطرح سؤالا وهو:

لماذا نجد أن اللغات الأخرى مثل الصينية والروسية والبنغالية والتركية و و و الخ تتلقف وتترجم المفاهيم الغربية المستحدثة في الإنجليزية مثلا أو الفرنسية كما هي، فلماذا على العربية أن تخالف السلوك اللغوي لنظرائها من اللغات الاخرى غير الغربية وتدعي أن عليها أن تستحدث مفاهيم خاصة بالفكر العربي تقابل المفاهيم المنقولة عن الأصل الغربي؟

والإجابة هي أن السبب في ذلك هو أن للغة العربية مجمع لغوي يمثل المؤسسة المختصة بالاجتهادات وتحديث اللغة ومواكبة التغييرات والظواهر في العالم، سواء من خلال رعاية الترجمات النوعية أو رعاية الفكر اللغوي الذي يفترض أن يكون لها دور حيال تنميته بالإضافة إلى ذلك فإن لغتنا العربية –شأنها في ذلك شأن سائر لغات العالم- إذا لم تفعل ذلك فسوف تنقرض فالعالم في حالة تغير دائم وعدم ثبات.

عدا ذلك فإن الذهن الذي فقد القدرة على تحديث نفسه وإعادة صياغة عالمه وإعادة تصميم وهندسة ذاته سيصاب بالشلل أولا ثم سيقوم غيره بتصميمه وهندسته لذلك إذا أكتفينا بنقل المفاهيم والمصطلحات الإنجليزية أو الفرنسية المستحدثة إلى معاجمنا بدون تعريبها وإعادة إنتاجها بما يتوافق مع لغتنا العربية وخصوصية فكرنا العربي فستحل اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما محل لغتنا تدريجيا ومع كل تغييرات واستحداثات وظواهر جديدة في عالم اهم سماته التحول المستمر، عدا ذلك فثمة نكوص في عملية انتاج المعرفة الفلسفية والفكرية سببه ذلك الغياب لذلك الدور لمنوط بالترجمة ومجامع اللغة.

ونورد مثالا حيويا يوضح عملية إعادة الإنتاج للمفاهيم الفلسفية والمعرفية المفترضة وآليتها وهو أحد المفكرين العرب الذين اجتهدوا في تقديم مفاهيم ومصطلحات لغوية جديدة تقابل المفاهيم والمصطلحات المنقولة عن الآخر بدون اعتساف، مثلا نجد مفهوم "الجوييم" الذي يعني في العبرية القطيع البشري الذي يقع خارج دائرة القداسة اليهودية، هذا المفهوم ظل ينقل كما هو في صنوف الترجمات، حتى استحدث الدكتور عبدالوهاب المسيري في أحد مؤلفاته مفهوما عربيا خالصا يقابله وهو مفهوم "الأغيار" ما عزز بدوره من زيادة الإنتاجية الفكرية فيما يخص هذا السياق نجدها بوضوح في مؤلفات المسيري ونتاج من نهل منها.

التساؤلات التي تمثل هذه القضية هي على النحو التالي:

ما هو دور الترجمة ومجمع اللغة العربية إزاء التحديثات المستمرة الناتجة عن عمليات التحولات العصرية وتمثلات الظواهر الجديدة وما تنتجه من مفاهيم ومصطلحات فلسفية وتعابير على كافة السياقات المعرفية والاجتماعية التي تضاف دائما إلى القواميس اللغوية العالمية ولا مواكبة عربية تتصدى لها؟

هل ترتقي الترجمة إلى العربية في مجال العلوم والمعارف الفلسفية من خلال الوعي بدورها في إعادة إنتاج المفاهيم والمصطلحات الأجنبية إلى ما يلبي شغف القارئ العربي ويزيد من فاعلية قدرته على إنتاج الفكر الفلسفي والمعرفة الإنسانية؟

لماذا لا نجد مجلة عربية واحدة متخصصة في شؤون المفاهيم والمصطلحات الفلسفية الأجنبية المستحدثة المعاد إنتاجها بما يتوافق مع خصوصيتنا الفكرية العربية؟.