
من رحم النضال/ 42
د. مزاحم مبارك مال الله
في بوزان وبيبان، ولأول مرة، رأيتُ رفاقًا يحملون أسلحة متوسطة، والرفاق القياديين يتحزّمون بالمسدسات وعتادها، وحتى الرفيقات الريفيات كنّ يتمنطقن بالعتاد وسلاح الكلاشنكوف.
في بيبان، وعند وصولنا إليها، قدّمني الرفيق أبو باز إلى الرفيق المسؤول، ويبدو أنه كان مسؤوله أيضًا، واسمه (أبو جاسم). كان ضخم الجسد، كثَّ الشاربين، جهوريَّ الصوت:
• أقدّم لك الرفيق من المنظمة الطلابية (ويبدو أن الرفيق أبو باز قد نسي اسمي، فهو صعب على الكثير).
فبادرتُ وذكرتُ اسمي.
رحّب بي الرفيق أبو جاسم أحسن ترحيب، وقال:
• أهلاً وسهلاً، رفيق حازم!
بعد استراحة في مقر بيبان، لاحظتُ وجود جهاز لاسلكي وغيره من المعدات العسكرية التي لم أرها سابقًا. تناولنا الطعام واللبن الطيب جدًا. ثم أمر الرفيق أبو جاسم أحد الرفاق أن يأخذني إلى مكان آخر ليختبر تسديدي نحو هدف.
ذهبتُ معه، وإذا بالسلاح هو "البرنو" الذي يكاد يخلع الكتف. علّمني الرفيق الكثير عن التسديد والرماية، وكيف أتفادى الهزّة الارتدادية على الكتف.
حلّ المساء، وطلب مني أحد الرفاق أن أصحبه. ذهبتُ معه، وإذا بنا على إحدى الروابي. هناك تعلّمت السكون والصمت، وعدم التدخين أو رفع الصوت، لأن نور السيكارة أو الصوت قد يرشد العدو الكامن. وتعلّمت سرّ الليل وأشياء أخرى عن الحياة العسكرية والفنون القتالية.
في تلك الليلة سمعنا أصوات مدفعية ثقيلة وكثيفة. بعض الرفاق فتحوا النار باتجاه الأصوات، إلى أن جاءنا أحد الرفاق وقال بصيغة الأمر العسكري:
"لا تفتحوا النار إلا بأمر!"
كانت ليلة ليلاء لم أعش مثلها من قبل، والغريب أنني لم أشعر بالخوف مطلقًا، فكل الرفاق كانوا متجمعين معًا، بمن فيهم الطلبة الذين توافدوا تباعًا. وكان من بين المقربين إليّ الرفيق نبيل دمان.
لا أخفيكم، كانت تجربة قاسية نوعًا ما، وكان السؤال الذي ظل يدور في ذهني:
كيف نحارب الأكراد؟ علمًا أن من بين القوى السياسية الكردية من هم أعداء للجبهة!
أمضيت أكثر من 15 يومًا في بيبان، حيث أصبحت حياتي مفعمة بالأمل، وحب الحزب، وعشق الرفاق، وما زلت كذلك.
كنتُ جالسًا أتشمّس في باحة المقر، حين جاءني أحد الرفاق قائلاً:
• رفيق، يطلبونك في غرفة الرفيق أبو جاسم.
نهضتُ على عجل، وحملت سلاحي على كتفي، ودخلتُ وحيّيت الرفاق. وإذا بي وجهًا لوجه مع الرفيق الراحل باسل، ومعه الرفيق أبو باز. فجاء صوت الرفيق أبو جاسم الجهوري:
• رفيق حازم، استرح.
فبادر الرفيق أبو باز قائلاً:
"رفيق، نحن معجبون بك وبشجاعتك وحبك للحزب. هل ترغب بالاستمرار معنا وتكون مقاتلًا في قوات الأنصار؟"
وهنا تداخل الرفيق باسل، مشيدًا بي وبعملي.
قاطعهم الرفيق أبو جاسم، وكأنه حسم الأمر:
"لا... الرفيق يرجع إلى الجامعة، فهو أكثر فائدة للحزب."
فقلت:
"رفاق، أنا أكون حيثما يحتاجني الحزب."
فقال الراحل باسل:
"أن ترجع معي أفضل."
وهكذا كان القرار.
(يتبع)
