للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1472)

في ذكرى هاشم الرجب

 

 

ملف عن السيرة الفنية لإمام المقام العراقي (الحاج هاشم الرجب) في ذكراه الحادية والعشرين لرحيله (رحمه الله).

الحاج هاشم محمد الرجب (1920-2003)

          الحاج هاشم محمد الرجب، احد الأئمة العاملين في الوسط المقامي، مغنون او عازفون او خبراء، الكلاسيكيون منهم او غيرهم وعلى مدى العصور، وهو امامهم في القرن العشرين.فتاريخه حافل بالانجازات الفنية. فهو مطرب سجل العديد من المقامات العراقية بصوته، وهو عازف على آلة السنطور الذي يعود له الفضل في بقاء هذه الآلة وعدم إندثارها إبان هجرة عازفيها في العقد الخمسيني من القرن العشرين الى فلسطين المحتلة. يناظره في ذلك زميله عازف آلة الجوزة المرحوم شعوبي ابراهيم خليل الذي انتُدبَ لهذه الآلة ايضا ليكوِّنا معا اول فرقة جالغي بغدادي عند انتصاف القرن العشرين المتكوِّنة من هاتين الآلتين اضافة الى عازفيْن آخريْن او ثلاثة عازفين للايقاع(الطبلة والرق واحيانا تضاف لهما آلة النقارة). وهو ايضا الخبير المخضرم الذي يعد اكبر مرجع ومصدر للمعلومات الشاملة عن المقام العراقي(هامش1)وهو كذلك المؤلف والكاتب الذي خلّف لنا مؤلفات عديدة. اذ ما يزال كتابه الاول الصادر في بغداد 1961 افضل كتاب تضمَّن معلومات علمية وفنية وتاريخية وافية عن المقام العراقي. وبالمناسبة، ان هذا الكتاب هو ايضا اول كتاب متخصص في موزيكولوجية(هامش2)المقام العراقي. فضلاً عن كتب وتحقيقات عديدة اخرى في هذا الاختصاص. فنتاجاته مجتمعة، تشغل مكانة هامة وخاصة.لا في تاريخ المقام العراقي فحسب، بل في الغناء والموسيقى سواء في العراق او في خارجه.

          تبلور الاتجاه الجمالي للحاج الفنان هاشم محمد الرجب، الى فن المقام العراقي تحت تأثير البيئة والمحيط الذي عاشه الرجب في مدينة الاعظمية التي تعد من اهم المراكز المقامية في بغداد. ومن ثم تحت تأثير التجارب الغنائية لكثير من المغنين المقاميين الذين اتصل بهم منذ صغره واستمع اليهم.فكانت بدايته في حضوره مع والده للاستماع الى المناقب النبوية الشريفة والشعائر الدينية الاخرى والمشاركة فيها في بعض الاحيان. ثم جذبته التجمعات الشعبية في غناء المربع البغدادي. وقد مارس هذا الغناء بعض الوقت في الثلاثينيات، خاصة في كسلات سلمان باك المشهورة في(قضاء المدائن)(هامش3)وفي احدى زياراتي المتكررة له قبل اشهر من وفاته قال لى(ان اول ما جذبني الى المقام العراقي هو استماعي الى مقام البيات بصوت نجم الشيخلي واعجابي به الامر..! الذي جعلني ابحث عن تسجيلات المقام العراقي باصوات المغنين كافة والاتصال بهم. حتى تسنى لي الاستماع الى استاذ الجميع رشيد القندرجي بكثرة. مما اثَّر في نفسي حتى تولعت فيه..! ومن ثم اقتناعي بجدوى طريقته الغنائية المثيرة والجميلة والرصينة) (هامش4) وعليه اصبح الرجب منذ البداية احد اتباع الطريقة القندرجية المخلصين، رغم اعجابه واتصاله بالطريقة الزيدانية من خلال المغنين المعاصرين المتأثرين بها مثل نجم الشيخلي وعبدالفتاح معروف وعباس كمبير ويوسف كربلائي وجميل الاعظمي وجميل البغدادي وغيرهم. وحفظ الكثير من السمات التي كان يتميز بها مغنون عدة آخرين.

هكذا كان انتماء الحاج هاشم الرجب الى الطريقة القندرجية قد جاء عن قوة ودراية ومعرفة بما يدور في الوسط المقامي من اساليب وطرق ومدارس ليختار في النهاية طريقه الفكري والجمالي والذوقي في غنائه للمقامات العراقية والاستماع اليها.

ظهور الرجب

        برز الحاج الرجب في الساحة الفنية على المستوى الاعلامي في اربعينيات القرن العشرين. واتسمت تسجيلاته الصوتية المقامية منذ البداية بالمنهج الفني لاسلوب وتأثيرات الطريقة القندرجية. فنراه يبتعد رويدا رويدا عن كل ما تأثر به او اعجب به من طرق واساليب غنائية لمغنين آخرين واتجه او استقل تماما عند فحوى الطريقة القندرجية، والبحث العميق في مميزاتها وسماتها ليمسي الرجب بعدئذ فنانا كبيرا استطاع ان يتحدث ويعبِّر في الحديث والغناء عن هذه الطريقة حيث اعطى صورة للواقع والحياة الجارية.

تسجيلاته المقامية الاولى

       سجل الحاج هاشم محمد الرجب المقام العراقي بصوته القوي وكانت اشهر مقاماته مقام المنصوري(سلَّمه صبا) ومقام الحجاز ديوان ومقام الحليلاوي ومقام الراشدي(سلمه بين الرست والجهاركاه) ومقام العجم عشيران وغيرها. وقد تم تسجيل اكثرها في العقد الخمسيني. وتعتبر التعابير الغنائية التي عبَّر عنها الرجب متأثرا بروح الطريقة القندرجية ومعجبا بالمسارات اللحنية الكلاسيكية التي توحي عند سماعها وكأنك في حضرة تعابير القرن التاسع عشر..! تعابير مخضرمة رصينة ومتزنة. وقد اكد ذلك الرجب في معظم تسجيلاته المقامية المسجلة بصوته وعلى الاخص مقام المنصوري ومقام الحجاز ديوان. والرجب في تصويره هذا لمباديء الطريقة القندرجية، اراه ينحو نحوا جديدا او مغايرا. فهو لا يهتم بالتقليد الببغائي للاسلوب القندرجي الذي يعكس خلاصة حقيقية لتجارب الحقبة السابقة له، قدر اهتمامه بتصوير التعابير التربوية والاخلاقية التي كان منها دعوته المستمرة للالتزام بالاصول التاريخية لفورم form المقام العراقي ومضامينه التعبيرية البغدادية الاصيلة. التي يبدو فيها الرجب وهو يعاني من التطلعات الجديدة لجيله. فنلاحظه يدعو ويلتزم ويتمسك بالتقاليد المقامية بشدة كرد فعل لهذا الواقع. الذي يخشى فيه الرجب على اصالة هذا التراث الغناسيقي العريق(المقام العراقي) وهو كذلك شأن القندرجيين جميعا..!

بدايات الرجب

من اجل الفهم الحقيقي لانجازات الحاج هاشم الرجب الفنية بصورة مجتمعة. فإنه يجدر بنا الرجوع الى بداياته الاولى في البيئة والواقع المحيطين به ونشأته الاولى التي  ارتبطت انجازاته الفنية بها ارتباطا شديداً.

    وباستعراض شيء من حياة الرجب، نلاحظ ان طفولته قد عاصرت سنوات ما بعد ثورة العشرين وتأسيس الجيش العراقي في 6/1/1921. أي ان طفولته كانت في حقبة التحول. اما سنوات فتوَّتهِ وشبابه فقد عاصرت تجارب بث الاذاعة العراقية بداية الثلاثينيات حتى اعلن عن تأسيسها رسميا عام 1936 وكذلك الامر مع تأسيس معهد الفنون الجميلة الذي بدأ هو الآخر بداية الثلاثينيات وتأسس في نفس العام. اما سنوات ظهوره كفنان على المستوى الاعلامي فقد عاصرت انتصاف القرن العشرين او قبله بسنوات قليلة، وهي الحقبة التي اطلقنا عليها اسم(حقبة التجربة). وهي حقبة خصبة ومثمرة في القرن العشرين وما اعقب ذلك. وعلى الاخص قيام ثورة 14 تموز 1958 التي اعلنت عن نهاية وجود الانكليز وكذلك نهاية الحكم الملكي واعلان الحكم الجمهوري لاول مرة في العراق. وعليه فإنه لم يكن من قبيْل المصادفة ان جاءت انجازات الرجب الغنائية والموسيقية والكتابية والخبرة الفنية في معرفة اعماق الاصول التاريخية المقامية، منصبَّة على تصوير وعكس واقع العراق المتطـلع الى التقدم والقاء الضوء على أجواء الحياة السائدة .

        لقد اتصف الغناء المقامي بالدرجة الاولى بعكس واقع التآلف الاجتماعي الذي كان يسود العلاقات الاجتماعية سواء بين افراد المجتمع كافراد او بين الاسر الاجتماعية فيما بينها كمجموعات اسرية وعائلية. وصوَّر المقام العراقي وكذلك الالوان الغنائية الاخرى لكل بيئات وخصوصيات المجتمع العراقي، كالغناء الريفي والغناء البدوي وغناء القوميات والاديان والاقليات الاخرى من خلال كل  المغنين. كيف ان التآلف الاجتماعي من شأنه ان يجعل الحياة الاجتماعية برُمَّتها متفائلة وحيوية لدرجة جعلت من الصدق التعبيري في الموسيقى والغناء المقامي وغير المقامي من اهم الصفات او المميزات  التي اتصف بها الغناء والموسيـقى فيالعراق. الامر الذي جعل الجمهور المقامي يصل في تذوقه وحبه لغناء المقام العراقي حدا يشبه الجنون او اقرب الى ذلك..! كما لو كان قد قدِّر لهذا الجمهور ان يوحي وكأنه لم يسبق له ان استمع الى أي موسيقى وغناء آخر غير غناء بلده..! وليس هذا الحديث كقصه من الخيال، فقد كان هناك بالفعل العديد من الوقائع التي تؤكد هذا المنحى من التذوق الغناسيقي.

مقام المنصوري

فلو تحدثنا عن مقام المنصوري المغنى بصوت الحاج هاشم الرجب، الذي كان اول انجاز للرجب فيه، اختياره لقصيدة صوفية رائعة ومن الوزن الثقيل في خيالها وحبكتها اللغوية وتماسك بنائها الادبي للامام عبد الرحيم البرعي. بمستوى ثقل ودسامة التعابير الغنائية التي يستوعبها هذا المقام الذي تتصف تعابيره الغنائية من حيث المبدأ بالحزن والشجن..! خاصة وان سلَّمه الموسيقى هو سلَّم مقام الصبا الذي يوحي بالتعابير الحزينة هو ايضا من حيث طبيعته. ولو انتبهنا اكثر لادركنا ان موسيقى هذا المقام يرافقها ايقاع السماح 36\4 الذي يعد اكبر الاوزان الايقاعية العراقية المستعملة في بلدنا العراق واوقعها ضغوطا وتطريبا واتزانا. ويذكر ان الرجب كان قد سجل مقام المنصوري مرتين بصوته في اذاعة بغداد، فكان اولهما قد غناه بقصيدة الامام عبد الرحيم البرعي الشهيرة ومطلعها.

(فؤادي بربع الضاعنين اسير/ يقيم على آثارهم ويسـير)

                اما مقام المنصوري الثاني فقد غناه بهذه القصيدة ومطلعها.

(لعلك تصغي ساعة واقول / لقد غاب واش بيننا وعـذول)

ففي هذا المقام المغنى من قبل الفنان الرجب تجد انه كان اهلاً في غنائه ومعبراً عن قيمة هذا المقام التاريخي الكلاسيكي. وعلينا ان نستمع اليه ونحن متتبعين مساراته وتعبيراته اللحنية الكلاسيكية التي امتازت بها الطريقة القندرجية. وكأننا في حضرة كل القيم المقامية التاريخية..! حيث يمتاز هذا المقام ايضا بقيمة الشكل الذي تتوازن قيمته بقيمة مضامينه التعبيرية. فالمكونات والمضامين جميعا تجدها متماسكة الى حد التوحيد..!

من زاوية اخرى، ومن خلال التعابير التي تتصف بها المقامات العراقية التي تعكس بواسطة صدقها التعبيري  حياة المجتمع البغدادي او العراقي على وجه العموم. حيث تكون هذه التعابير وهذا التمسك بالشكل الكلاسيكي للمقامات من اكثر الموضوعات المحببة والمجسدة في فكر وخيال الطرق القديمة والطريقة القندرجية التي جسدت كل ذلك. ونحن نجد هذه التعابير في العديد من المقامات العراقية المغناة من قبل المغنين القدامى والمغنين من اتباع الطريقة القندرجية مع قائدهم رشيد القندرجي. من ذلك مثلا مقام الحسيني ومقامي العريبون بصوت احمد موسى. ومقامي الابراهيمي والمخالف بصوت شهاب الاعظمي. ومقامي البيات والجهاركاه بصوت عبد القادر حسون. ومقامي الحديدي والبهيرزاوي بصوت رشيد الفضلي. ومقامي الحجاز ديوان والمنصوري بصوت الحاج هاشم الرجب. واخيراً المقامات جميعها بصوت المغني الكبير رشيد القندرجي.

ورشيد القندرجي وجميع اتباع طريقته، في تصويره لحياة المجتمع. ينحو منحىً كلاسيكياً. فهو لا يهتم بتصوير ترف الحياة التي يعيشها المترفون والارستقراطيون ومجتمع النخبة، قدر اهتمامه عكس الجانب التربوي والاخلاقي للمجتمع وواقع حياتهم الحقيقية. الذي يبرز في ارتباط وثيق بوجود المجتمع المتآلف. فبساطة الحياة وهمومها ومعاناتها هي صلب التعابير القندرجية..! فرغم ما في اعماق التعابير القندرجية من بساطة في الفن الادائي نسبة لثقافة تلك الحقبة. فهي مع ذلك تمثل تعابيرها عالم الخير والمشاعر الطاهرة والمبادىء الانسانية والاخوة والضمير الحي والنفس القادرة على التضحية والمعاناة المتأملة لحياة اوسع ادراكا.

تعابيره المقامية ومواهبه الاخرى

تضمنت المقامات العراقية المغناة بصوت الحاج هاشم الرجب، بصمة الواقع المعاصر وكذلك صوَّرت هذه المقامات واقع الغناء المقامي في تلك المرحلة من الثقافة الفنية. فمقامات الرجب رغم انها تشكل خطوة فنية الى الامام من هذه الناحية. باعتبار ان الرجب يمتاز عن اقرانه بتطلعاته الفكرية والثقافة العلمية والموسيقية والبحث العلمي. إلا أن هذه المقامات العراقية ظلَّتْ محتفظة بكل الاسس التي اعتمدت عليها الطريقة القندرجية. وهي ايضا انعكاس لواقع الغناء المقامي في تلك المرحلة. فقد مثّلت هذه المقامات العراقية الكثير من حقيقة المضامين التعبيرية وتطبيق اصول الشكل المقامي بصورة افضل من معاصريه. والاهتمام المركز على اللحن المقامي، اكثر من اهتمامه بمعالجة موضوع الغموض اللفظي للكلمات ومخارج حروفها..! ملتزما بدقة الشكل المقامي في مساراته اللحنية التقليدية الرصينة المعبرة عن الحقب الزمنية الاقدم من حقبة ظهور الطريقة القندرجية. وكذلك التعابير الخالصة للغناء المقامي البغدادي والعراقي التي تؤكد خصوصية الغناء العراقي دون تأثير خارجي يذكر.

كما اهتم الحاج هاشم الرجب من جانب آخر بالعزف على آلة السنطور. وهي الآلة التراثية الموسيقية الخاصة بالعراق. بعد ان طلبت منه الحكومة عام 1951 تقريبا تعلُّمها على يد احد العازفين الذين ينوون السفر والهجرة الى فلسطين المحتلة..! وقد جاء الرجب بزميله وابن مدينته المرحوم شعوبي ابراهيم خليل ليتعلم هو الآخر على آلة الجوزة ليصبحا معا بعدئذ نواة لتكوين اول فرقة للجالغي البغدادي من العرب المسلمين في العصر الحديث او في القرن العشرين بعد ان اقتصرت على عازفين من يهود العراق واحيانا من المسيحيين وذلك لاسباب اجتماعية ودينية مباشـرة جعلت من المسلمين يبتعدون عن الموسيقى من الناحية الاعلامية.

      على كل حال، فبالرغم من ان الرجب لم يستمر الى النهاية عازفا على آلة السنطور وعضوا في فرقة الجالغي التي اضيف اليها عازفي الايقاع. إلا أنه اسَّس جيلاً جديدا في العزف على هذه الآلة حيث تُلمذ على يديه بعض العازفين امثال المرحوم حمودي الوردي وعبد الله علي وابنه باهر الرجب الذي يعد افضلهم جميعا وغيرهم من العازفين الآخرين. اما زميله المرحوم شعوبي فقد اتخذ من عزفه على آلة الجوزة مصيرا عمليا لحياته ومهنة فنية يعتاش عليها. وهو الآخر علَّم الكثير من الطلبة العزف على هذه الآلة واسس اجيالا اخرى لها من طلبة معهد الدراسات النغمية العراقي.

 

مؤلفاته

في عام 1961 فاجأ الرجب الوسط المقامي باصداره اول كتاب متخصص في المقام العراقي. ولا اغالي ان قلت ان هذا الكتاب ما يزال الى هذا اليوم افضل كتاب صدر بخصوص غناء وموسيقى المقام العراقي..! لما تضمنه من معلومات دقيقة في اصول المقامات العراقية وتاريخها ومحتوياتها وشرح كل ابعاد هذه المقامات. رغم ان اصابع الاتهام ظلَّت موجهة اليه بخصوص هذا الكتاب على ان الخبير المقامي باهر فائق بمشاركة الاديب المؤرخ عبد الجبار شوكت النجار قد شاركا في تأليفه بشكل مباشر وفعّال. ولكن الرجب لم يذكر اسميهما كزميلين له في التأليف ولا في الكتاب كله وصدر الكتاب باسمه..ً!؟

         على كل حال، تمسَّك الرجب من جديد بجانب آخر من اهتماماته الفنية. فقد انكبَّ على البحث والتمحيص والتقصي فيما يخص شؤون المقام العراقي. وهكذا ظلَّ الرجب يصدر الكتب والمؤلفات حتى وفاته يوم 8/12/2003. فكان كتابه(من تراث الموسيقي والغناء العراقي) الصادر في بغداد عام 2002 استمراراً لاهتماماته هذه وهو الاخير. وهكذا يكون الرجب قد ركز جهوده في هذه الناحية التي رأى فيها وفرة في الموضوع ولذة في البحث والتعريف. رغم ان هذه الاهتمامات الكتابية عاصرت بداياته الفنية مجتمعة مع الغناء والعزف. فكان كتابه الاول مجموعة من ابيات الابوذية المقيدة قد صدر عام 1949 ثم انجز بحثا متكاملاً(بحث في الابوذية) في عام 1961حتى جاء كتابه الشهير في نفس العام(المقام العراقي) الذي مرَّ الحديث عنه. وبعد ذلك جاء كتابه(الشعر العامي – المذيل) سنة 1964. وبعد ثلاث سنوات جاء كتابه(حل رموز الاغاني للمصطلحات الموسيقية في كتاب الاغاني لابي الفرج الاصفهاني)سنة 1967. وفي العقد السبعيني اصدر كتاب(تحقيق وشرح كتاب –الادوار-) لصفي الدين البغدادي الارموي المتوفي سنة 693هـ 1294 م. ثم كتاب(تحقيق وشرح كتاب – الرسالة الشرفية) للارموي البغدادي سنة 1982. واتبع ذلك كتاب آخر مناظر لسابقه وهو تحقيق وشرح كتاب(الرسالة الفتحية) لمحمد بن عبد الحميد اللاذقي كان حياً سنة 888هـ 1486 م الذي صدر سنة 1986 ببغداد. وكتابين آخرين في العام 1982-(الموسيقون والمغنون خلال الفترة المظلمة) وكتاب(محاظرات في الموسيقى العربية)- وفي 1988 اصدر كتاب(موسوعة الابوذية العراقية مطلقة ومفيدة) عام 1988 في الدوحة. واخيرا جاء كتابه(من تراث الموسيقى والغناء العراقي) سنة 2002 . اما كتب الرجب المخطوطة التي تنتظر الطبع فهي.

1-   تحقيق وشرح كتاب (مولانا مباركشاه) في الموسيقى الى علي بن محمد الجرجاني المتوفي سنة 816هـ - 1413 م .

2-   تحقيق وشرح كتاب (الميزان في علم الادوار والموازين) المؤلف مجهول من علماء القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي .

3-   تحقيق وشرح كتاب (الشجرة ذات الاكمام الحاوية لاصول الانغام) المؤلف مجهول من علماء القرن الحادي عشر الهجري القرن السابع عشر الميلادي

4-   تحقيق وشرح كتاب (برء الاسقام في شرح ارجوزة الانغام) الشارح مجهول والارجوزة

5-   الى بدر الدين الاربلي المتوفي(755هـ - 1354م)

6-   موسوعة في الموال البغدادي .

7-   موسوعة من الشعر الشعبي(الدارمي).

 

تسجيلاته المقامية

في الغناء المقامي سجل الحاج هاشم الرجب بصوته 44 مقاما عراقيا..! للاذاعة العراقية. ولكنه قبل تسجيله لهذه المقامات كان قد سجل ثمان اسطوانات برفقة فرقة الجالغي البغدادي المؤلفة من صالح شميل عازف الرق ويهودا شماس عازف الطبلة وذلك على حساب اذاعة الشرق الادنى بواسطة الفنان وديع خوندة الذي كان مسؤولا عن الموسيقى في الاذاعة التي كان مقرها جزيرة قبرص. ويقول الرجب انه لم يستلم اجرا على هذه التسجيلات الثمانية في حين ان اعضاء الفرقة الموسيقية قد حصلوا على اجورهم(هامش5) ويضيف الرجب ان هذه الاذاعة الغيت بعد الاعتداء الثلاثي على الجمهورية العربية المتحدة سنة 1956. اما المقامات العراقية الـ 44 التي سجلها في الاذاعة العراقية فهي.

مرتين لمقام الحسيني احدهما بهذه القصيدة ومطلعها.

(جسمي كجفنك من هواك عــليل / وقصير ليلي من نواك طـويل)

ومقام الحسيني الثاني كان بقصيدة الشاب الظريف وهذا مطلعها.

(لاتخفي ما صنــعت بك الاشواق / واشرح هواك فكـــلنا عــشاق)

وسجل مقام النوى ثلاث مرات بقصائد مختلفة واليك عزيزي القارئ احدى القصائد المغناة في مقام النوى وهي لصفي الدين الحلي ومطلعها.

(ابت الوصال مخافة الرقبـــاء / واتتك تحت مدارع الظلمـــــاء)

ثم سجل مقام الحجاز شيطاني ومقام البيات بنفس القصيدة للشاب الظريف مطلعها. (ايامعشر العشــاق بالله خبروا / اذا اشتد عشق بالفتى ماذا يصنع)

ومقام البيات الثاني بقصيدة شمس الدين الكوفي يبدؤها بـ

(عندي لاجل فراقكم آلام/فإلام اعذل فيكم والام)

ومقام الدشتي ومقام الصبا وكل هذه المقامات بقصائد مختلفة.

وفي مقام التفليس غنى قصيدة ابراهيم ابن سهل.

(سل في الظلام اخاك البدر عن سهري/تدري النجوم كما تدري الورى خبري)

ثم غنى مقام العجم عشيران اربع مرات بقصائد مختلفة . فاولهم غناه بقصيدة للشاعر خالد زريق يبدأها بـ

(ان يمنعوا عيني لحسنك ان ترى/او يحجبوا عني خيالك في الكرى)

والثاني يبدؤه بقصيدة لابي نؤاس.

(ودار ندامى عطلوها واولجوا/بها أثر منهم جديد ودارس)

وهي لشهاب الدين التلعفري ومقام العجم الثالث بقصيدة الرصافي ومطلعها .

(رقت يوصف جمــالك الاقوال / وراتك فافتــــتنت بك العذال)

والرابع من مقامات العجم عشيران التي غناها الرجب كان قد بدأه بقصيدة البهاء زهير.

(على من لا اسميه السلام/حبيب فيه قد ضجّ الانام)

اما في مقام الاورفة فقد سجله مرتين، الاول بقصيدة

(يامن بحسنك حارت الاراء ...................................)

والثاني بقصيدة لشهاب الدين التلعفري

(قاسوك بالبدر المنير فاخطاوا/والبدر يعلم ان وجهك اضوأ)

وسجل ايضا مقام الحجاز ديوان ثلاث مرات، اولهم بقصيدة شهاب الدين السهروردي

(ابدا تحن اليكم الارواح / ووصالكم ريحانها والراح)

والثاني بقصيدة للمتنبئ

(حشاشة نفسٍ ودعت يوم ودعوا/فلم ادر اي الظاعنين اشيع)

والثالث بقصيدة الشاب الظريف.

(لاتخفي ما فعلت بك الاشــواق / واشرح هواك فكــــلنا عشاق)

اما مقام الطاهر فقد سجله مرتين الاول بقصيدة عبدالله ابن المعتز.

(اديرا علي الكاس ليس لها ترك/ويا لائي لي فتنتي ولك النسك)

والثاني بقصيدة البهاء زهير.

(عرف الحبيـــتب مكانه فتدللا / وقنعت منه بموعد فتــــعللا)

ويعود الرجب الى تكرار تسجيلاته المقامية، ففي مقام السيكاه الرئيسي حيث يسجله اربع مرات اولهم بالقصيدة الصوفية لعمر بن الفارض.

(زدني بفرط الحـــب فيك تحيرا / وارحم حشى بلــظى هواك تسـعرا)

ومقام السيكاه الثاني بقصيدة عبدالرحيم البرعي.

(هم الاحبة ان جاروا وان عدلوا/فليس لي معدل عنهم وان عدلوا)

وكان السيكاه الثالث بقصيدة الشاب الظريف.

(احلى الهوى ان يطول الوجد والسقم/واصدق الحب ما جلت به التهم)

اما السيكاه الرابع فقد اختار له قصيدة شهاب الدين التلعفري.

(ودار ندامى عطلوها وادلجوا / .......................................)

وفي مقام دشت العرب يغني الرجب قصيدة لعرابي ابو الشيص الخزاعي.

(اجد الملامة في هواك لذيذة/حبا لذكرك فليلمني اللوم)

ثم نرى الرجب يغني مقام الجهاركاه مرتين، الاول

(جسمي لبعدك والصبابة تامل/....................................)

اما الجهاركاه الثاني ...

(سهر واشواق تزيد وادمع .................................)

ويغني الرجب مقام العريبون عجم بقصيدة معاصرة لعبد المجيد الملا هذا مطلعها.

(يامن هواه اعزه واذلـــــني / كيف السبــيل الى وصـالك دلني)

ثم يعلن الرجب اعجابه بمقام البنجكاه، حيث يسجله خمس مرات بقصائد مختلفة وهي للبهاء زهير التي سبق ان غناها في مقام الطاهر

(عرف الحبيب مكانه فتدللا/ وقنعت منه بموعد فتعللا)

والثاني بقصيدة لشهاب الدين التلعفري

(اغمد فصارم جفنك المسلول/ كم قد اريق به دم مطلول)

والثالث يغنيه بـ(لاتحفلن بقول اللائم اللامي...............)

اما المقام الرابع فيغنيه بهذه القصيدة لعمر ابن ابي ربيعة.

(قال لي صاحبي ليعلم ما بي/اتحب القتول اخت الرباب)

واخيرا مقام البنجكاه الخامس اذ يكررالقصيدة التي غناها في مقام المنصوري .......

(لعلك تصغي ســــــاعة واقول / لقد غاب واش بيــــننا وعذول)

وفي مقام الرست الرئيسي، يغنيه الرجب ثلاث مرات بثلاث قصائد مختلفة الاول بقصيدة علي ابن الجهم ...

(عيون المها بين الرصافة والجـسـر/ جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري)

والثاني بقصيدة ابي العلاء المعري.....

(اسيت على الذوائب ان علاها/نهاري القميص له ارتقاء)

اما الثالث فكان بقصيدة لابن المعتز.

(اشجاك خل بالفراق ام الدهر/فاثار منك بالابل الصدر)

وفي مقام الخنبات غنى الرحب قصيدة شهيرة لمهيار الديلمي.

(استنجد الصبر فيــكم وهو مغلوب / واسال النوم عنكـــم وهو مسلوب)

ونراه في مقام المثنوي يغني من قصيدة ابراهيم الغزي

(خذ من صفالك فالحياة غرور/ والدهر بعدك تارة ويجور)

وفي مقام الصبا يغني للمتنبي

(القلب اعلم ياعذول بدائه/واحق منك بجفنه وبمائه)

وفي مقام الاوج يغني من قصيدة للبهاء زهير.

(احدثه اذا غفل الرقيب/واساله الجواب فلا يجيب)

 

        وهناك تسجيلات اخرى عديدة بعضها اذاعية والاغلــبية تلفزيونية لم يتسن الحصول عليها.

         وهكذا نلاحظ ان الرجب يترك لنا تاريخا حافلا بالتسجيلات المقامية المهمة. فرغم ان الحاج هاشم الرجب حاول الربط بين هذا النمط من اسلوب الغناء الكلاسيكي الذي تمتاز به اساليب غناء الطرق القديمة والطريقة القندرجية طبعا. وبين التطلعات الجديدة لحقبة التحول وممثليها من المغنين الابداعيين الذين ظهروا فيها وعلى الاخص المطرب الكبير محمد القبانجي. وعلى هذا الاساس اعتبرت المقامات العراقية المسجلة بصوت الرجب ذات اهمية كبيرة من حيث كونها حلقة وصل مناسبة بين القديم وحركات الابداع الجديدة التي اتسمت بها حقبة التحول. نحاول ان نبحث عن هذه التسجيلات لنستمع الى مقام العجم عشيران المغنى بهذه القصيدة لشاعرنا الكبير معروف عبدالغني الرصافي.

(رقت بوصف جمالك الاقـــوال / وراتك فافتتنت بك الــــعذال)

           وعلاوة على ذلك، اكتسبت المقامات العراقية الرجبية هذه. وكذلك المقامات العراقية المسجله باصوات معاصريه. اهميه اخرى وقوة فنية ادائية بواسطة تطورات حقبة التحول وكذلك حقبة التجربة من خلال التطور الصناعي المضطرد. اذ نلاحظ ان الرجب نفسه ومعاصـــريه من اتباع الطريقة القندرجية. احتفظوا باساليبهم الادائـية وتعابيرهم القندرجية رغم انهم قد سجلوا مقاماتهم باصواتهم في حقبة التجربه منتصف القرن العشرين.

رؤية الرجب الفكرية في المضامين المقامية

الحاج الرجب يرفض في مقاماته التساهل في اختصار او التلاعببالاصول المقامية، ويهاجم الانفلات من التقاليد الغنائيه المقاميه الكلاسيكيه. فهو يرسم في تعابير غنائه للمقامات العراقية لوحه تحذيريه بين الاصوليين من المغنين والمتطرفين من المغنين الابداعيين..! ويحدِّق في ألمٍ وتعاطف في مصير هذا التراث الحضاري المخضرم الحاوي على الآلاف من الحقائق والتراكمات التاريخيه التي مرَّ بها العراق. كما حملت مقامات الحاج هاشم الرجب حلما وخيالا بتحولات وتغيرات حقبة التحول بمستقبل مشرق للمقام العراقي بغض النظر عن تطورات المغنين اتجاه سبل التغير والتحول.

         ومن ناحية اخرى، فان مقامات الرجب هي ايضا خير نموذج للمقامات العراقية التاريخيه والاجتماعيه، فإلى جانب الخط التاريخي الاصولي البارز في مقاماته. نجدها ايضا ذات اتجاهات اجتماعيه ونفسيه تعبر عن هموم ومعاناة الناس في ذلك الوقت. فالحاج الرجب الخبير المقامي الاول في القرن العشرين، كان يسعى في تعابيره المقامية وتركيزه على القواعد والاصول التقليدية للغناء المقامي. الى فهم الديناميك الادائي الذي يحرك هذا الغناء التراثي. الى الاشياء الخفية غير المنظورة في عملية الغناء الموسيقي.

لنستمع الآن الى احد مقاماته العراقية، مقام التفليس المهمل من قبل الكثير من المغنينبقصيدة ابراهيم بن سهل.

(سل  في الظلام اخاك البدر عن  سهري / تدري النجوم كما تدري الورى خبري)

 

فالرجب هنا، يحاول النفاذ إلى مغزى المشاكل الاجتماعيه أو الى المشاكل الجوهريه في سبيل تطور المجتمع. وعليه فإن الرجب يصوِّر مصير حياته في ارتباط لا ينفصم بالموضوعات الاجتمـاعية والنفسية والاخلاقية والدينية التي يطرحها في مقاماته وهي مركز اهتماماته وبحوثه. وعليها يتحدد بنيان الغناء المقامي و تعابيره وخصائصه. ولذا نجد ان المقامات العراقية المسجله بصوت الرجب تتميز بعنصر الاثارة والديناميكيه المقبولة للاحداث التي تنبع من صراع الحياة و صراع الجمهور من المؤيدين لهذا المنحى والمعارضين له حيال الافكار والجماليات الواردة في الطريقة القندرجية التي ترتبط حتى ذلك الحين بكل الاحداث وبكل خطوط المضامين التعبيرية في الغناء المقامي والتي تفسر قيم غناء كل المغنين القندرجيين. وقد اكسبت ديناميكية ظروف الحياة وتوترها مقامات الرجب وزملائه الآخرين من القندرجيين طابعا دراميا. ويدعم هذا الطابع من جهة اخرى بظروف العراق القاسية وحالته المأساويـة وهو لم يزل يقبع تحت نير الأستعمار الأنكليزي.

        لاحظ ذلك عزيزي القارىء وانت تستمع الى الحاج هاشم الرجب وهو يغني مقام العريبون عجم بقصيدة لعبد المجيد الملا.

 (يامن هواه اعزه و أذلــــــني / كيف السبيل الى وصالك دلـــني)

 

 ان الحاج الرجب قد قدم مقامات عراقية حقيقية كما أشار العديد من النقاد. مقامات جميله مسجلة بصوته. توحي لك و كأنك في حضرة قيم الغناء بأشكاله ومضامينه في القرن التاسع عشر. بصورة مهذبة نقيّة للطريقة القندرجية. فغنائه للمقام العراقي يتسم بالوضوح نسبيا ببناء لحني متماسك وجميل جدا وبدقه تصوير أفكار وجماليات وأحاسيس الطريقة القندرجية. ففي مقام الحجاز ديوان يتضح لنا هذا القول حين يغنيه الحاج الرجب بقصيدة من اشهر القصائد الصوفية لشهاب الدين السهروردي.

(ابدا تحنُّ اليكــــــم الارواح / ووصالكم ريحــــانها والراح)

       كما اشرنا سابقا في امكنة اخرى، أن الحاج هاشم الرجب هو احد رواد الطريقة القندرجية. فغناؤه للمقامات العراقية يتسم بكل مبادئها وأفكارها ودقتها في تصوير المشاعر والاحاسيس وانعكاسات تعابير البيئة. وعلى هذا الأ ساس تعد الطريقة القندرجية بكل فحواها، آخر الطرق والاساليب الغنائية المقامية العراقية الموصوفة بالمحلية وكل ما تعكسه البيئة والمحيـــطوالثقافه والتاريخ بصورة عامة. فهي تعابير عراقية بحتة تصل حد النقاء التام من هذه الناحية.

لنستمع ألآن الى احد المقامات العراقية التي يتجسد فيها النقاء التعبيري العراقي الى درجة عالية من الصدق. وقد اخترت لك عزيزي القارىء مقام الرست الذي يعد اكبر المقامقات العراقيه في شكله ومضمونه وفي نواحيه الفنيه حيث غناه الرجب بالقصيدة الرصافية لعلي ابن الجهم الشهيرة.

(عيون المها بين الرصافه و الجســر / جلبن الهوى من حيث ادري و لا ادري)

تقليدية الرجب

الحاج هاشم الرجب، وهو الخبير الأول في المقام العراقي خلال القرن العشرين. يستند في تعابير غنائه الى الاقتراب من جعل المقام أكثر جمالاً وأكثر كمالاً. فهو يستند أيضا الى التقاليد. وهي تقاليد عريقة بلاريب. فهو يحاول ان يميز نفسه بين زملائه القندرجيين، بل يحاول ان يبزهم في منافسة شريفة. وبالاضافة الى ما ذكرنا فقد جعل الرجب من مقاماته الغنائية ان تتصف بالعديد من الخصائص الفنية الاخرى التي ارتبطت بمهمة تجسيد أفكاره وأفكار الطريقة القندرجية برمتها.

      يبدو ان مقام السيكاه، وهو من المقامات العراقية الرئيسة والكبيرة في شكلها الفني. بل هو أصعب المقامات العراقيه من حيث الجهد المبذول من قبل المغني عند غنائه له. لتعدد مواده ألاولية التي تعبر عن شكله المتخم بالميانات والصيحات العالية. اضافة الى ثقله التعبيري الرصين. وهذا المقام ايضا هو احد المقامات الثلاثة(النوى، السيكاه، المنصوري) التي يرافق موسيقاها ايقاع السماح 36\4، فهو مقام يحتاج الى مغن متمرس ذا مستوى عال من الفن والتجربة الغنائية. بل من التجربة الحياتية ايضا. وعلى هذا الاساس كما يبدو، فقد اختار الحاج هاشم الرجب عند غنائه لهذا المقام، قصيده هي الاخرى من الوزن الثقيل في تعابيرها ومعانيها وحبكتها الادبية الشعرية وهي احدى القصائد الصوفية الشهيرة لعمر ابن الفارض.

(زدني بفرط الحب فيك تحيـــرا / وارحم حشا بلظى هواك تــسعرا)

بعض انجازات الرجب الفنية

      من انجازات الرجب الفنية التي انجزها خلال سيرته المقامية. عندما مارس خبرته المقامية التي اتصف بها وغلبت على كنيته الفنية(خبير المقام العراقي) فقد استلم مهمة رئاسة اللجنة الفنية لاختيار المغنين المقاميين المتقدمين الى الاذاعه العراقيه لقبولهم كمغنين معتمدين فيها لتلبية طموحاتهم في تسجيل المقامات العراقية بأصواتهم. وذلك بعد وفاة رئيس اللجنة السابق المغني المخضرم جميل البغدادي عام 1953. ومن هذا التاريخ دخل الرجب في حضيرة الوسط المقامي بكل قوة وأثار الانتباه اليه اكثر من أي وقت مضى فنجح في مهمته و تفرد فيها. ومن المغنين الذين كان له الرأي في قبولهم كمغنين عرفوا بعد ئذ. حمزه السعداوي وعبد الجبار العباسي وعبد الرحمن  العزاوي وعبد المجيد العاني وغيرهم الكثير.                       

نتوقف قليلاونستمع الى مقام الطاهر وقصيدة البهاء زهير.

(عرف الحبيب مـــــكانه فتدللا / وقنعت منه بموعد فــــتــعللا)

       برز الحاج هاشم الرجب خلال سيرته الفنية متميزا بعدة خصال كما مر بنا. فهو المغني وهو العازف وهو المؤلف وهوالخبير المقامي. ويمكننا ان نضيف اشياء اخرى الى ذلك عندما قام باعداد برامج اذاعية وتلفزيونية كثيرة في شأن المقام العراقي. وكان اكثرها شهرة هو برنامج(سهرة مع المقام العراقي) التلفزيوني الذي استمر حوالي خمس سنوات متتالية اسبوعيا امتدت كل حلقة فيه اكثر من ساعة تلفزيونية. ما بين عامي(1984و1988 ) ظهر من خلاله الكثير من المغنين المقاميين الجدد تحت اشراف الرجب امثال سامي عبداللطيف وخالد السامرائي وحامد السعدي ومحمود السماك وابراهيم العزاوي وغيرهم الكثير. وبذلك يكون الرجب قد انشأ جيلاً جديدا من المغنين المقاميين من الذين ظهروا لاول مرة امام الجمهور من خلال هذا البرنامج رغم ان بعضهم كان لديه بعض التجارب البسيطة سابقا. وبهذا يكون الرجب قد انشأ فعلا جيلا بل اجيالا  من مغني المقام العراقي وهو ديدنه منذ بدايته كفنان مقامي.

      على الرغم من ان بعض  زملاء الرجب القندرجيين، لم يكن لهم دورا فعالا في خدمة الطريقة القندرجية. لأنه لم يكن بامكانهم تسجيل المقامات العراقية باصواتهم إلا مرة واحدة او اكثر بقليل لاسباب اجتماعية او ظروف اخرى امثال سعيد دخان وابنه سليم وكذلك عبد الخالق صالح إرحيم وغيرهم. إلا أن الرجب غامر بجراة وقدم نفسه الى وسائل الاعلام.

ان موضوع الجماهير المحبة للمقام العراقي وسماعه بشغف يتجلَّى بالمقامات الناجحة بكثير من المقاييس التاريخية والبيئية والفنية والمسجلة باصوات كبار المغنين المقاميين. ومن خلال علاقة هؤلاء الفنانين بالجماهير، اعطى كل واحد من هؤلاء المغنين صفات الفنان الحقيقي وملامحه. فمع كل صورة من صور التعبير التي يوردها المغني المقامي عند غنائه للمقام، تبرز العلاقة الوطيدة والاخلاقية بين الفنان وجماهيره المحبة. وتنكشف كل صور المبادىء الاخلاقية في صورة اوضح. ورغم حب الفنان للجماهير وحب الجماهير للفنان وتعاطف كل منهما للآخر، إلا أنه لم يسع أي منهما الى تزيين صورة الآخر او تزييفها. لأن علاقتهما علاقة حقيقية مبنية على واقع النجاح الفني والغنائي ابتداءا من الفنان. وبذلك يكون الحاج هاشم الرجب وامثاله بالمستوى الفني، هم الذين يجسِّدون صور العلاقة الفنية بين الفنان والجماهير.

اخيرا ونحن نختتم حديثنا عن خبير المقام العراقي الاول في القرن العشرين الحاج هاشم محمد الرجب. نستمع الى مقام الخنبات المؤدى بصوته بهذه القصيدة ومطلعها.

(استنجد الصبر فيــــكم وهو مغلوب / واسال النوم عنكم وهو مســــلوب)

 

                        **************

هوامش

1 – هامش1: عندما كنت مديرا لبيوت المقام العراقي في بغداد والمحافظات من عام2002 حتى2004 اقترحت على وزارة الثقافة ودائرة الفنون الموسيقية تكريم الحاج الرجب بمنحه شهادة تقديرية ولقب فني اخترت نصه بنفسي وهو(خبير المقام العراقي الاول في القرن العشرين) تكريما لتاريخه الحافل وخدمته الطويلة للغناء والموسيقى العراقية والمقام العراقي , فتمت الموافقة عليه , وهكذا اقام له بيت المقام العراقي حفلا تكريميا صباح يوم  14 \ 9 \ 2003  - المؤلف –

2 – هامش2:  الموزيكولوجية .. ونعني بها علم الموسيقى , علم متعدد الاختصاصات يتصدى لدراسة الظاهرة الموسيقية عبر تاريخها الطويل , من خلال المكتوبة والمسموعة معتمدا في ذلك اساسا , الصرامة المنهجية والتقنيات الدقيقة المستعملة في العلوم الانسانية والعلوم الصحيحة , فهو يختص بالبحوث والتفاصيل الفنية لدراسة الموسيقى ونظرياتها وتاريخها وتذوقها , يتبالدرس والتحليل عناصر اللغة الموسيقية وتطوراتها عبر العصور والبلدان والمناطق , ويقوم بدور هام في البحث واكتشاف المخطوطات القديمة والمؤلفات الضائعة او المنسية وتدوينها وتسجيلها , وتفسير الاعمال الموسيقية والتنقيب عن الاعمال التي حدثت في الماضي وتقييمها .. (قطاط , د.محمود , مجلة المجمع العربي الموسيقي , جامعة الدول العربية ,  نصف سنوية , الموسيقى في سياقاتها الاجتماعية والحضارية , المجلد الخامس العدد الاول , شتاء وربيع 2006 , ص11)

3 – هامش3:   الكسلات .. وهي احتفالات شعبية تقام بعد المناسبات الكبيرة وكثيرا ما يبقى المحتفلون اياما اخر بعد الاحتفالات الاساسية مستمرين بالاحتفال وعلى الاخص منهم من الناس الشعبيين وقد اشتهرت هذه الاحتفالات في قضاء المدائن(سلمان باك).

4 – هامش4: في يوم 19 / 6 / 2003 الخميس , قمت بزيارة المرحوم الحاج هاشم الرجب في بيته الجديد بحي الجهاد مصطحبا نسيبه وهو استاذي عبد الرزاق العزاوي ود. هيثم شعوبي وصديقنا قصي جاسم الطائي (اختام قصي) حيث اعتدت على زيارته في ايام الخميس حسب الظروف , وفي هذه الزيارة دارت احاديث شتى تخص المقام العراقي وتجربته المقامية ..

5 – هامش5: زيارتي الى الحاج هاشم الرجب في بيته بحي الجهاد يوم 27 / 6 / 2003 وكان معي د. هيثم شعوبي , اذ اشار الى عدم استلام اجره في حين اسلم كل الموسيقيين اجورهم , وقد بدا لي انه يشير الى ان اجوره موجودة ولكنه لم يستلمها ..!!

 

هوامش

1 – هامش1:عندما كنت مديرا لبيوت المقام العراقي في بغداد والمحافظات من عام2002 حتى2004 اقترحت على وزارة الثقافة ودائرة الفنون الموسيقية تكريم الحاج الرجب بمنحه شهادة تقديرية ولقب فني اخترت نصه بنفسي وهو(خبير المقام العراقي الاول في القرن العشرين) تكريما لتاريخه الحافل وخدمته الطويلة للغناء والموسيقى العراقية والمقام العراقي , فتمت الموافقة عليه , وهكذا اقام له بيت المقام العراقي حفلا تكريميا صباح يوم  14 \ 9 \ 2003  - المؤلف –

 

 

2 – هامش2:  الموزيكولوجية .. ونعني بها علم الموسيقى , علم متعدد الاختصاصات يتصدى لدراسة الظاهرة الموسيقية عبر تاريخها الطويل , من خلال المكتوبة والمسموعة معتمدا في ذلك اساسا , الصرامة المنهجية والتقنيات الدقيقة المستعملة في العلوم الانسانية والعلوم الصحيحة , فهو يختص بالبحوث والتفاصيل الفنية لدراسة الموسيقى ونظرياتها وتاريخها وتذوقها , يتبالدرس والتحليل عناصر اللغة الموسيقية وتطوراتها عبر العصور والبلدان والمناطق , ويقوم بدور هام في البحث واكتشاف المخطوطات القديمة والمؤلفات الضائعة او المنسية وتدوينها وتسجيلها , وتفسير الاعمال الموسيقية والتنقيب عن الاعمال التي حدثت في الماضي وتقييمها .. (قطاط , د.محمود , مجلة المجمع العربي الموسيقي , جامعة الدول العربية ,  نصف سنوية , الموسيقى في سياقاتها الاجتماعية والحضارية , المجلد الخامس العدد الاول , شتاء وربيع 2006 , ص11)

3 – هامش3:   الكسلات .. وهي احتفالات شعبية تقام بعد المناسبات الكبيرة وكثيرا ما يبقى المحتفلون اياما اخر بعد الاحتفالات الاساسية مستمرين بالاحتفال وعلى الاخص منهم من الناس الشعبيين وقد اشتهرت هذه الاحتفالات في المدائن (سلمان باك)

4 – هامش4: في يوم 19 / 6 / 2003 الخميس , قمت بزيارة المرحوم الحاج هاشم الرجب في بيته الجديد بحي الجهاد مصطحبا نسيبه وهو استاذي عبد الرزاق العزاوي ود. هيثم شعوبي وصديقنا قصي جاسم الطائي (اختام قصي) حيث اعتدت على زيارته في ايام الخميس حسب الظروف , وفي هذه الزيارة دارت احاديث شتى تخص المقام العراقي وتجربته المقامية ..

5 – هامش5: زيارتي الى الحاج هاشم الرجب في بيته بحي الجهاد يوم 27 / 6 / 2003 وكان معي د. هيثم شعوبي , اذ اشار الى عدم استلام اجره في حين اسلم كل الموسيقيين اجورهم , وقد بدا لي انه يشير الى ان اجوره موجودة ولكنه لم يستلمها ..!!

 

 

صورة واحدة / الحاج هاشم الرجب (خبير المقام العراقي في القرن العشرين).

 

الرئيس عبد الكريم قاسم وبجانبه الرئيس الاندونيسي احمد سوكارتو , في احدى الامسيات في بهو امانة العاصمة يصافح الحاج هاشم الرجب وباقي الفنانين علي الدبو ويوسف عمر وخضير الشبلي وذلك في يوم 4 \ 4 \ 1960

 

الحاج هاشم الرجب في بيته بين ابنائه المحبين من اليمين قصي الطائي ومن اليسار

حسين الاعظمي ويقف في الخلف د. هلال عبد الكريم 2002 ..

 

في القصر الجمهوري , الرئيس عبد السلام محمد عارف وهو يتحدث الى الفنانين ويظهر منهم في يمين الصورة حميد المحل والحاج الرحب وآخرين في يوم 20 \ 1 \ 1966

 

 

الصورة في المتحف البغدادي في 2 \ 3 \ 1979 يظهر في يمين الصورة المطرب عبد الرحيم الاعظمي والحاج هاشم الرجب ومحمد العاشق

 

الصورة في ستوديو التلفزيون اواخر الستينات يظهر فيها من اليمين المطرب عبد الرحمن خضر والمطرب حمزة السعداوي وعازف الطبلةعبد الرزاق الشبلي والممثل محمود حسين قطان والحاج الرجب وشعوبي ابراهيم والناقد عبد الوهاب بلال و المطرب جميل الاعظمي وحمودي الوردي ..

 

الجالسون من اليمين الحاج الرجب وشريف مبارك وطاهر الرفاعي وجاهد امين المتولي لجامع الامام الاعظم ابا حنيفة النعمان ابن ثابت الكوفي وسلمان المتولي والواقفون يونس امجد الزهاوي وعطــاء حمدي الاعظمي وعطاء ابراهيم القلمجي في يوم 21 \ 4 \ 1941 بعد عودتهم من مكة المكرمة حجاجا ..