للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 43

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

إذن، هكذا كان القرار… أن أعود إلى بوزان، ومنها إلى القوش، ومن ثم إلى الجامعة.

في صباح اليوم التالي، ودّعت الرفيقات والرفاق جميعاً، واتجهنا أنا والرفيق الراحل باسل ورفيق آخر من الطلبة، برفقة الرفيق أبو باز. فبعد أن قضيت أياماً كانت من أروع ما عشت، شعرت وكأنني أعيش الوجه الآخر من نشاطات الحزب التي لم أشهدها سابقاً، وأقصد النشاطات العسكرية إلى جانب المدنية.

 

أمدّتني هذه التجربة بخبرة اتخاذ القرار بالاعتماد على النفس، وكذلك معايشة نضال الشيوعيين بين الناس. لقد شهدت بنفسي مدى تأثير الحزب على القرويين والمزارعين ورعاة الأغنام في أقصى زوايا الوطن، وكيف أن لهؤلاء الكادحين أمنيات عظيمة في أن يحيوا حياة مستقرة، تتوفر فيها أدنى متطلبات العيش الكريم. لقد أغنتني هذه التجربة، وتعمّق إيماني بأهداف وبرامج الحزب، إلا أن سؤالاً محرجاً ظل يراودني: (لماذا رفعنا السلاح بوجه الأكراد؟).

وصلنا بوزان ظهراً، وطلب الرفيق باسل أن ننتظر ريثما تُرتّب الأمور للانتقال من القوش إلى الموصل.

 

في فجر اليوم التالي، نادوا علينا لنكون جاهزين لمغادرة بوزان. كان وداعاً حاراً وحميماً بيني وبين الرفيق أبو باز وباقي رفاق مقر بوزان، الذين احتفظوا بالرسومات التي رسمتها لهم.

انحدرنا مع بغلين والأسلحة التي كانت معنا باتجاه بيت الرفيق باسل. وصلنا إلى داره، وكان كل شيء جاهزاً للفطور، مع حقيبة السفر البسيطة التي جئت بها.

استبدلنا ملابسنا وسلّمنا السلاح، وكانت السيارة التي ستقلّنا إلى المجموعة في الموصل تقف عند ناصية الشارع بانتظارنا.

أوصانا الرفيق باسل ألا نتحدث العربية كثيراً عند السيطرات، وأن نترك الأمر للسائق، وألا نجيب عن أي سؤال، فهو المخوّل الوحيد بالكلام.

عبرنا السيطرات دون توقف، عدا تلك المتاخمة لحدود مدينة الموصل (المركز). وما هي إلا أربعون دقيقة حتى كنا عند باب المجموعة. شعرت أن باسل يخفي عني أمراً جللاً، لكنه لم يبح به.

 

دخلنا الجامعة (المجموعة)، فرأيت بعض زميلات وزملاء اتحادنا قد تجمعوا، وإذا بإحداهن، وهي رفيقة (أرمنية)، تقترب مني باكية بحرقة. فسألتها: رفيقة، ما بك؟ ماذا حدث؟ فقالت مباشرة، وبشهقة حزن: "مزاحم، أنت انفصلت من الجامعة"…!!

لا أدري هل اسودّت الدنيا أم ابيضّت، أم تلونت، أم فقدتُ التركيز… كان خبراً صادماً تحوّل إلى حقيقة، بعد أن كان مجرد هاجس يجول في عقلي.

(يتبع)