
بيان الازدواج المجتمعي ومآلاته/ 1
عبد الامير الركابي
تقف البشرية على مشارف لحظة تحولية عظمى غير مسبوقة، الا خارج المجتمعية الراهنه وفي الممهدات التي رافقت الانتقال من طور "الصيد واللقاط" الى ما يعرف ب "التجمع وانتاج الغذاء" كما توصف لحظة تبلور المجتمعات البشرية اعتباطا وقصورا، دون ادراك الحقيقة المجتمعية بخاصيتها الازدواجية (اللاارضوية/ الارضوية)، ومستهدفها الوجودي التحولي النهائي اللاارضوي اللاجسدي الذي تحل ساعته اليوم ومن هنا فصاعدا.
وتاتي اللحظة التحوليه الحالية ضمن سياق مقرر للظاهرة المجتمعية، تعذر تحققه مع بداياتها اللاارضوية اذ امتنع في حينه لانتفاء الوسيلة المادية الضرورية، وغلبة القصورية العقلية المرافقه للعقل في بدايات انبثاقه، كما بفعل الاشتراطات اليدوية الانتاجية الجسدية الحاجاتية الارضوية، مايجعل من المجتمعية المشار اليها محطة انتقال وتفاعلية غرضها مغادرة اليدوية الانتاجية ومجتمعها الارضوي، وتوفير اسباب زوال القصورية العقلية السارية الى اليوم وتحديدا بعد ان انبجست الاله بصيغتها الاولى التمهيدية المصنعية، تحت طائلة، وفي ظل استمرار غلبة المنظور الارضي الاحادي اليدوي الكاسحه.
واول واهم ما يظل ساريا والى اليوم، النظر الى الاله والانتقال اليها على اعتبارها اداة تحسين وتطوير للشروط الارضية اليدوية التي تظل مستمرة من حيث الاسس على ماقد وجدت عليه وظلت، فلم يسبق ان خطر على البال كون ظهور الاله هو انتقال الى نوع مجتمعي اخر لاعلاقة له بماقبل، وان الاله هي نوع فعالية تكوينيه اخر، من طبيعة اخرى مغايرة لسابقتها اليدوية الجسدية، تاتي هي وعن طريق التفاعل والاصطراع لتغير القائم الباقية اثاره وما يعود له، الامر الذي كان لابد ان يذكر بواقعه وحقيقة الازدواج الابتدائي التاسيسي، بحيث يتوقف عند الدلالات المضمرة المواكبه للمسارات المجتمعية ومالاتها.
وهنا ندخل مجال الغفلة القصورية ومحمولاتها المهيمنه على العقل وعلى الرؤية البشرية للحياة والوجود، ابان طور لم يكن قصيرا من التاريخ ومازال لم تنقضي مفاعيله، اهم واخطر تجلياته رفضه القاطع للازدواج المجتمعي، كما الذاتي البشري، فالمجتمعات احادية حكما، والكائن البشري احاديته جسدية العقل "عضو" ملحق بها، ويتبدى هنا اصرار قاطع واقرب الى التجاوز الفاضح على المعطيات، كما الحال مع واحده من اكبر واخطر الظواهر هي التعبيرية اللاارضوية الاولى الابراهيمه المطرودة بلا اي محاولة توقف نحو عالم الماوراء، هربا من الحقيقة الازدواجية القابعه بين تضاعيف المجتمعات، والمقترنه بدينامية تطورية غربيه شرقية تمثلت في الاتصبابات الامبراطورية الرومانيه والفارسية من الشرق والغرب كمحطة اولى لاجل اكتساب الازدواج وتعميميه بالاختراق الابراهيمي وتعبيرية اللاارضوية الشرق متوسطية مابين النهرينيه، وهو ماقد ظل مستمرا حتى اليوم وبعد الادعات المواكبه للانقلاب الالي ودعاءات ظهور "اخر العلوم"، علم الاجتماع و"الصراع الطبقي" وماترتب عليه من بناء نظري عن التاريخ المجتمعي باعتباره "ماهو الاصراع طبقات".
هذا ونحن بالاحرى امام تعبيرية مجتمعية لمجتمعية اخرى ممنوعه من التحقق الآني، فالظاهرة المجتمعية البشرية تولد وتتبلور في موضع البدء الشرق متوسطي النهري في ارض مابين النهرين ضمن اشتراطات وظروف مجافية، بمقدمها فعل النهرين المدمرين العاتيين وفيضانهما المعاكس للدورة الزراعية، بالاضافة الى نقص الوسائل المادية الضرورية للتحقق كنوع، بينما تتوفر كل الاسباب لتغلب صنف المجتمعية الارضية ونمطها النموذج الابتداء بصيغته المثال المصرية حيث حكم الانتاجية الارضية اليدوية الحاجاتيه، والاشتراطات الانتاجية الملائمه، وبمقدمها دور النيل الذي يفيض باتفاق مع الدورة الزراعية اضافة للحماية الطبيعية المكرسه للكيانيه شرقا وغربا وشمالا بالصحارى والبحر، تماما بعكس اشتراطات الانتاجيه الرافدينية الطاردة والتدميرية المجافية، وانفتاح الجهات والحدود شرقا وغربا وشمالا امام السيول البشرية الارضية الهابطة للاسفل نحو ارض سومر، والراغبة بالهيمنه المستحيله على نوع المجتمعية الاخرى المتشكله اصلا بفعل نوع الاصطراع مع الطبيعة التي تحول العملية الانتاجية الى احتراب وعيش على حافة الفناء، تتضاعف وطاته قسوة مع الاصطراعية المجتمعية الاتية من الحدود المفتوحة، وكل هذالاياتي عن عبث، ولا عن الصدفه العابرة، بل هو اصل ونتاج كينونة وديناميات فعل مقررة ومصصمه لكي تجعل المجتمعات عموما ظاهرة ذاهبة الى اللاارضوية بعد تاريخ من التفاعلية الشامله، هدفها الحصول على الوسائل المادية الضرورية للانتقال من الارضوية، وهو مايتحقق ابتداء بالانتقال من الانتاجية اليدوية الى الاليه المصنعية، المحطة الاولى الذاهبة الى التكنولوجيا العقلية.
ومع استحالة تحقق اللاارضوية الابتداء الاانها تظل رغم ذلك قائمه شاخصة بقوة، وشامله، بغض النظر عن الغلبه الارضية وليدة الانتاجية اليدوية الجسدية، فاذا ابعدت كليا او جرى اخراجها من نطاق الحقيقة المجتمعية، فان ما يكون حاصلا وقتها والى اليوم، هو فعل القصورية الكبرى الارضوية بظل عدم تحقق اللاارضوية في حينه، وينعكس على نوعها وبنيتها حضورا بحسب الممكن بما يجعل منها تعبيرية حدسية متناسبه بنية مع الظرف الابتداء المانع كليا لاحتمالية التحقق والحضور.
غير ان هذا لايمنع فعاليتها ضمن الديناميات المجتمعية وفي الاحداث الكبرى الفاصلة، فالذميون ظلوا يعتقدون بان الامبراطورية الرومانيه سقطت بسبب المسيحية، ومن يمتعون بصله الى الفرس مازالوا يحقدون على العرب الحفاة الذين انهوا احاديتهم الامبراطورية الى الابد، منكرين كون ذلك لم يحث بسبب الاحتراب لوحده، وفي العصر الحديث وضع "ماكس فيبر" احد من يعتبرون من اهم علماء الا جتماع كتابا شهيرا عن "الاخلاق البروتستانتيه وروح الراسمالية" وكل هذا يضمر دلالات عن ظاهرة الازدواج الاشمل والاعلى المرتهنه لدينامياتها، مع وجود ظواهر ازدواج دنيا مثل " الطبقية" الاوربية التي اعتقد ماركس انها شامله، والتي تمنح الموضع الاوربي ديناميات هي الاعلى ضمن صنفه الارضوي كانت ضرورية لكي تنبجس فيها الالة.
ومثل هذه الحالة والظاهرة الكبرى غير المدركه، ولم يستطع البشر التعرف عليها على حقيقتها، يستحيل حكما التصور، ناهيك عن الاعتقاد بانتسابها لمحركات وديناميات ناظمة للعملية المجتمعية التاريخية كما سبق على سبيل المثال لماركس ان فعل بعد االاكتشاف المتاخر للغاية ل "الصراع الطبقي"، وعلى وجه الخصوص ماقد ارساه من منظور فاصل في منجزه "المادية التاريخيه"، وهو مالم يكن واردا، على ماينطوي عليه من توهميه من قبل خلال الطور والفترة المنصرمه السابقة على الاليه، فكيف يمكن للاارضوية كما قد يتوقع ان تنتقل هي الى "العليّة/ السببيه" المطابقه لطبيعتها كينونة وتعبيرا، بناء لفعل الانقلاب الشامل الطاريء على وسيلة الانتاج ومايترتب عليها وترتب حتى الان، اي الى التعبيريه الثانيه اللاارضوية الواجبه مابعد الابراهيمه، بدل الحدسية الالهامية النبوية التي انتهى دورها، و"ختمت"، بعدما انجزت المطلوب الختامي مابين القرنين السابع والثالث عشر مع انهيار بغداد، بينما هي ماتزال حتى اليوم تحت طائلة ومفاعيل الطور اليدوي، مع اختلاف الشروط ونوع المحركات والممكنات عن الاوربيه المقابله.
ـ يتبع ـ
