للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 45

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

طوال الطريق بين الموصل وبغداد، كانت تتجلى أمام عينيّ صورٌ كثيرة، إلى جانب مشاعر الخيبة والخذلان، وتساؤلاتي عن كيفية مواجهة أهلي وناسي ومعارفي. كنت أشعر أن ما انتهيتُ إليه بعد سنتين دراسيتين لا يليق بي ولا بالمستوى الذي أستحقه. فلستُ من عائلة غير ملتزمة، ولا إخوتي وأخواتي من النوع اللامبالي بالدراسة، كما أننا لسنا عائلة مفككة الروابط. لذلك، لم تكن هناك أعذار أو مبررات تشفع لما حصل.

 

وصلتُ إلى البيت، الذي سبقني إليه خبر فصلي من الجامعة، فوجدتُ مأتماً حقيقياً ينقصه فقط سرادق المعزّين!

لم يكن مستغرباً أن يكون استقبال الإخوة باهتاً، لكن أكثر من تأثر كانت أختي الكبيرة (المقيمة حالياً في أميركا، وكانت تعمل مدرّسة إعدادية، ولها تاريخ مشرّف في كليتها ضمن اتحاد الطلبة العام في ستينيات القرن الماضي).

أما ما فاجأني حقاً، فكان موقف والديّ؛ فقد ذرفت والدتي – رحمها الله – الدموع كثيراً، ورغم احتقان والدي – رحمه الله – إلا أنهما صرّحا بالآتي:

(نحن لا نريد شهادة بلا مزاحم!)

انفرجت أسارير البيت قليلاً بعد هذا التصريح التاريخي، فسكت الجميع...

 

بعد يومين أو نحو ذلك، انفرد بي شقيقي الأكبر جانباً ليسألني:

"هل فكرت ماذا ستفعل، وقد بلغت العشرين من العمر وأنت بلا أي مستقبل؟"

فقلت:

"لديّ رغبة في إعادة فرصة الدراسة، ولكن بعد أن أنتهي من الإجراءات القانونية، والمتمثلة بأداء الخدمة العسكرية، لأن أسباب تأجيل سوقي قد زالت، وهي الأسباب الدراسية."

 

بعد مرور أسبوع أو أكثر، كان لابد أن أراجع دائرة التجنيد، إذ كان الانضباط العسكري يملأ الشوارع. وبدأت معاناة المراجعات في الدوائر الرسمية، والتي استمرت عدة أشهر بسبب خطأ في اسم الجد؛

فالصحيح هو (مال الله)، بينما المثبّت في السجلات هو (ما الله). ولم تنتهِ تلك المراجعات وتصحيح الاسم إلا بعد مراجعة محكمة الأحوال الشخصية بين دائرتي النفوس والتجنيد، حيث حسم القاضي الأمر باعتبار اسم (ما الله) كفراً ومخالفاً للشرع، لأنه ينفي وجود الله.

 

كنت حراً طوال الأشهر الماضية، وقد خفّت حدة الاحتقان داخل البيت، وتعايشت عائلتي مع الواقع. وكنت أقضي جلّ وقتي بمتابعة جريدة "طريق الشعب" اليومية، ومجلة "الفكر الجديد" الأسبوعية، العلنيتين آنذاك.

 

طلبتُ من ابن خالتي عدي أن يبلّغ سلامي إلى الرفاق في الموصل، وأن يرسلوا ترحيلي إلى بغداد قبل التحاقي بالخدمة العسكرية، لكن – للأسف – لم يرسلوا ترحيلي!

(يتبع)