للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 47

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

كانت لديّ معضلة في اقتناء إصدارات الحزب الكثيفة، فقد حصل انعطاف هائل في الشارع العراقي باتجاه الحزب، وتحديدًا بعد قيام الجبهة. وهذا ما أكد قناعتي بأن الشيوعيين وجدوا طريقهم للنضال تحت الشمس، لا في الجحور ولا في الظل.

لم يكن الحذر في أعلى درجاته تحسبًا من غدر أزلام النظام، وربما يعود السبب في ذلك إلى الأجواء السياسية العامة، وكذلك إلى فوضى خبرة البعثيين الأوباش في الملاحقات آنذاك؛ تلك الخبرة التي تطورتبإنتظام لديهم بسرعة البرق لاحقًا بفضل دعم أجهزة المخابرات العالمية.

أما معضلة الحصول على أدبيات الحزب وإصداراته، مثل طريق الشعب والفكر الجديد والثقافة الجديدة، فقد تم حلها عن طريق زملاء الأمس، وكذلك عن طريق إخوتي، إضافة إلى جهدي الشخصي حينما أعود إلى البيت، فأستبدل ملابسي وأخرج إلى السوق، وأحيانًا أذهب مع الزملاء إلى وسط بغداد.

 

أسعدني يومًا زميلي الحبيب (محمد)، حين زارني في البيت بعد أن سمع بأخباري غير المريحة. لكنه، في الحقيقة، منحني جرعة أمل كبيرة، وشجعني على المضي في تحقيق طموح الدراسة، الذي أسميته بـ(الطموح المنكسر).

 

بدأت أبحث في تفكيري عن سبيل إعادة ارتباطي بالحزب، إذ لم أستوعب واقع ابتعادي عن التنظيم، خاصة وأنه لم يصلني شيء من رفاق الموصل بخصوص ترحيلي. وعلمت لاحقًا أن المنظمة في الموصل كانت قد تعرضت لضربة قوية .

 

كان من بين رفاق منطقة البياع الأخوان (س وح)، وهما من أقارب الرفيق صاحب الحميري. ولاحقًا، بعد سقوط النظام، عرفت أن الرفيق الدكتور صالح ياسر (أبو سعد)، عضو اللجنة المركزية، يعرفهم تمامًا. كانت عائلة بأكملها شيوعية.

طلبت من الرفيق س، الذي أصبح كادرًا عماليًا بعد أن ترك الدراسة واتجه إلى العمل في المعامل، أن يؤمّن لي صلة بالحزب.

بعد أسبوع عاد إليّ بالجواب:

"الرفاق يبلغونك التحايا... اكتب رسالة تفصيلية، وسنقدمها أنا وأنت إلى مقر اللجنة في منطقة الكرادة خارج، مع الحذر الشديد كونك عسكريًا."

طبعًا، لا أعرف من هو صاحب هذا التوجيه "غير الملتزم" بإجراءات الحيطة. المهم، كتبت رسالة تفصيلية بالأسماء والتواريخ، وذهبنا أنا والرفيق س إلى المقر في الكرادة.

دخلنا، وتم الترحيب بنا. ثم اختلى بي أحد الرفاق مستفسرًا عن سبب حضوري، فأجبته باقتضاب. قال: "انتظر". بعد دقائق، جاء رفيق طويل، تبدو عليه الهيبة والشخصية المتميزة، وتحمل ملامحه سمات الشيوعي السمح.

لاحقًا، بعد زوال النظام، عادت بي الذاكرة لتتطابق صورة ذلك الرفيق في مقر الكرادة مع صورة الرفيق عبد الرزاق الصافي... وربما كان هو، لكنني لا أستطيع الجزم.

قال لي: "أعطني الرسالة، وسيصلك الرد... عنوانك واضح. والآن، اخرج أنت ورفيقك وابتعدا عن المنطقة بسرعة."

خرجنا أنا وس، وبعد ساعة التقينا تحت نصب الحرية. شرحت له ما حصل، فقال:

"انتهى الأمر... أكيد سيتصلون بك."

(يتبع)