
في المنظور السوسيولوجي:
التطبيع مع الطائفية أخطر من التطبيع مع إسرائيل
علاء اللامي
التطبيع مع الكيان الإبادي جريمة ولكن التطبيع مع الطائفية السياسية ونظام حكمها جريمة أخطر منها لماذا؟ لأن الحكم الطائفي في مجتمع متعدد الطوائف والمكونات لا يعني سوى هيمنة الطائفة الدينية الأكبر باسم انتخابات مزورة ومفوضية انتخابات طائفية وقانون انتخابات مفصل طائفيا لتكون النتيجة في النهاية هيمنة أحزاب وشخصيات هذه الطائفة على جميع الطوائف الأخرى وهذا أمر يجعل المواد المتفجرة والقابلة للاشتعال تتراكم حتى يقع المحذور وينفجر المِرْجَل ذات يوم فيتقاتل أبناء الوطن الواحد ويذبحون بعضهم تحت رايات الطوائف القذرة!
ولماذا يعد التطبيع مع الطائفية أطر وأكثر رجعية من التطبيع مع دولة العدو؟ لأت التطبيع مع دولة العدو بالرغم من خطورته لا يفتت المجتمع ولا يقسم الدولة إلى دويلات غير معترف بها ولا يشجع الفساد والإفساد ومَن يقف ضد التطبيع مع الكيان ينظر إليه شعبياً كبطل وإنسان شريف ولكن مع يطبع مع الطائفية يفعل كل تلك المساوئ والسلبيات وقد ينظر إليه كأسد الطائفة أو لبوة المذهب! ولكن ينبغي التأكيد على بضع مبادئ هنا لتوضيح المشهد مزيدا من التوضيح:
1-إنَّ المشاركة في طقوس وشعائر طائفتك الدينية الخالية من أي استفزاز للطوائف الأخرى ليس من الطائفية في شيء. ثم أن الدفاع عن تراث طائفتك الدينية الإيجابي ليس من الطائفية في شيء، ودفاعك من منطلق وطني عن ابن أو أبناء طائفتك الدينية إذا تعرضوا للتمييز والاضطهاد بسبب انتمائهم الطائفي ليست من الطائفية في شيء!
2-إن الطائفية والعشائرية والمدينية والجهوية والعرقية كلها انتماءات فرعية، وهي ليست سلبية بحد ذاتها بل بتوظيفها السياسي. فهي وإنْ كانت تغذي الهوية الرئيسة الوطنية بإيجابيات التنوع والاختلاف الإنساني، وإليها ينبغي أن يكون انتماء وولاء المواطنين الأحرار في عصرنا، ولكنها ستكون هدامة وسلبية إذا تم تسييسها وتقديسها وتحويلها إلى أمر واقع في الحكم والحياة اليومية للمجتمع. إنَّ تقديم الانتماء أو الولاء للهوية الفرعية للطائفة أو العشيرة أو المدينة أو الجهة أو العرق على الولاء للهوية الوطنية الجامعة الرئيسة هو أمر سلبي ورجعي ويشكل خطرا على وحدة وسلامة الوطن المجتمع بالتجربة وانظر حولك لترى آلاف الأدلة.
3-التطبيع مع الطائفية لغة يكون بالتساهل في استعمال التصنيفات الطائفية في الحديث والتحليل السياسي من منطلق أن هذا الانقسام الطائفي هو أمر واقع ويجب ان نعترف به. ولكن الاعتراف نوعان؛ اعتراف بهدف شرعنة الانقسام الطائفي وتحويله إلى طريقة حكم وهذا شيء سلبي ومتخلف، واعتراف به لنقده وفضح مضمونه الرجعي وكشف سلبياته ولصوصية القائمين عليه وتبعيتهم للأجنبي بهدف تفكيكه وإزالته لإقامة نظام حكم وطني استقلالي وهذا شيء مختلف وهو فعل ثوري وإنساني مطلوب!
4-الطائفية تظهر بأقبح صورها حين تهاجم تصرفات شخصيات وأحزاب ورموز الطوائف الأخرى إذا كانت فاسدة وتسكت دائما عن فساد شخصيات وأحزاب ورموز طائفتك أنت، أو رموز طائفة أو قومية حليفة لها (كأن تهاجم الفاسدين من الساسة العرب السُّنة مثلا وتسكت عن الفاسدين الشيعة والأكراد)!
5-الطائفية المقززة تظهر حين تسخر وتهاجم تصرفات وطقوس ورموز شعائر أبناء الطوائف الأخرى وتسكت عن تصرفات ورموز وطقوس وشعائر طائفتك أنت! وحين تشتم رموز الطائفة الأخرى وتغضب حين يذكر أحدهم بسوء رموز طائفتك لأنك مسلح والآخرون عُزَّل من السلاح! ألم يكن الكاهن الوثني الأكدي أكثر إنسانية وتسامحا منك حين كتب بالخط المسماري قبل أكثر أربعة آلاف عام: "لا تشتم إلهاً يعبده غيرك"!
6-لا تنسى أن الطائفية مخاتلة وخبيثة تتخفى ويمكن أن تتبرقع بالحذلقة الحداثوية والمصطلحات التقدمية فتهاجم طائفية الطرف سين وتتهمه من منطلقات علمانية أو ملحدة بالرجعي وتسكت على طرف صاد مع انه أكثر رجعية واستبدادية وتبعية للغرب الإمبريالي! حتى على مستوى الأديان ترى بعض العلمانيين الليبراليين واليساريين القشريين يهاجمون الإسلام والإسلام فقط، ويتخصصون في شتمه والإساءة إليه بعيدا عن أية منهجية علمية ويسكتون ولا يجرؤون على فعل ذلك مع الأديان الأخرى سيما المسيحية واليهودية. وهذه طائفية إلحادية ولا علمية من نوع خاص وجبانة!
7-بأمثلة أكثر ملموسية؛ فأنت أيها الطائفي قد تدافع عن إيران والحزب اللبناني لأنهما عندك "شيعيان" وليس لأنهما يناهضان ويقاومان عدوانية الولايات المتحدة والكيان ويدافعان عن فلسطين وشعبها! والطريف وشر البلية ما يضحك أن بعض الطائفيين في العراق زايدوا حتى على الإيرانيين في طائفيتهم فإذا كان الإيرانيين يلهجون بإسلاميتهم ليل نهار ولا يشيرون إلى شيعيتهم فإن بعض الطائفيين العراقيين لا يضيعون فرصة لتذكير الإيراني بأنه شيعي ويهتفون في أذنيه بعصبية (علي وياك علي)!
8-قد تهاجم أنت أيها الطائفي إيران والحزب اللبناني لأنهما عندك "شيعيان"، ولا تأخذ بنظر الاعتبار أنهما يقاومان الولايات المتحدة والكيان دفاعاً عن قضاياك العربية وفي مقدمتها فلسطين وهذا يفسره دورك الوظيفي كمدافع عن دول التطبيع والتواطؤ مع الكيان!
9-إن التطبيع مع الطائفية نظاماً يعني الدفاع عنها كنظام حكم سياسي قائم على التفتيت المجتمعي والمحاصصة في الحكم وتوزيع المناصب والثروات. وعادة ما يكون هذا النظام كما هي الحال في العراق وسوريا ولبنان محكوما بالتحالف مع قوة أجنبية حامية وضامنة لبقاء هذا الحكم. إنَّ الدفاع عن نظام حكم رجعي وخطر كهذا أمر سلبي بالضرورة والتجربة لأنه يعني الدفاع عن الموت السريري للدولة، وتعميم الفساد والإفساد ليفترس الحكام الطائفيون خيرات المجتمع والدولة ويتركون الغالبية الساحقة معدمة تعيش على رواتب ومساعدات الدولة والحصة التموينية المجانية.
10-الطائفية تعني وتتمظهر في الدفاع عن شخصيات طائفية ربما لا تكون لها علاقة بالحكم، بل لأنها على علاقة ما بخلفيته الدينية أو الثقافية أو الإعلامية أو رياضية. لا ننسى أن بعض هذه الشخصيات تزعم معارضة النظام القائم ولكنها في الواقع العملي أكثر طائفية منه وتصرح علنا بأن مهمتها هي (الدفاع عن الطائفة والمذهب) وربما تدعو إلى الإصلاح وتعديل الدستور لتأتي بدستور أكثر رجعية ومركزية مفرطة وخصوصا عندما يثور الشعب أو قسما مهما منه ضد واقع الحال السيئ فتساهم هي في قمع وقتل المنتفضين وقد حدث ذلك فعلا في العراق سنة 2019.
زبدة القول؛ إن الشعوب الحية والحرة، وبالنتيجة الإنسان الحر حي الضمير والعقل، يجب أن يكون بطبيعته الإنسانية مناهضاً للطائفية لأن الطائفية شرٌّ مطلق ولا يصح معها بيت الشاعر القتيل: حنانيك إنَّ بعض الشر أهون من بعض...
فقد دفع طرفةُ بن العبد حياتَهُ ثمنَ قوله هذا لاحقا!
