للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 48

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

تختلف ملامح س عن ملامح شقيقه ح؛ ف(س) أسمر، عابس الوجه، تبدو عليه ملامح الحزم والجد، على عكس ح الذي كان أبيض البشرة، يميل وجهه إلى الحمرة، مدورًا، وتغلب عليه مسحة لطيفة تكاد تكون أنثوية، إضافة إلى روحه المرحة وانشراحه الدائم.

 

بعد نحو شهر أو شهر ونصف من زيارتي إلى مقر اللجنة المركزية، سمعت طرقًا على الباب الخارجي. كنت وحدي في البيت، إذ كان والدي في العمل، ولم تكن معي سوى والدتي التي تعاني من آلام في المفاصل. نظرت من وراء الشباك العريض، فرأيت امرأة ترتدي عباءة تقف عند الباب. طلبت من والدتي أن تخرج لها، لكنها اعتذرت بسبب ألمها، فاضطررت أنا للذهاب، معتقدًا أنها متسولة.

لكن المفاجأة كانت كبيرة ومذهلة، لم تخطر ببالي مطلقًا.

ما إن اقتربت من الباب لأرحب بالمرأة، حتى اكتشفت أنه ح، شقيق الرفيق س، متنكّرًا بعباءة! ابتسم وطلب مني أن يدخل. أدخلته بسرعة، وأنا لا أزال تحت وقع الصدمة. ومن حسن الحظ أن بيتنا كان يحتوي على عدة أبواب داخلية، فلم تلاحظ والدتي دخوله.

رحبت به، لكنه قال على الفور:

"ماكو وقت… نفّذ ما أخبرك به. الرفاق استلموا قرار ترحيلك من الموصل. الحذر، الحذر… اتصالك بالحزب يكون من خلالي. ربما نلتقي بعد أشهر عديدة. لن آتيك إلى هنا مرة أخرى. سيكون الاتصال عبر لقاء مركب حفاظًا عليك. الرفاق يقولون إن مجيئك إلى المقر كان خطأً كبيرًا…ما كان يجب أن تأتي. المطلوب الآن أن تتوقف عن أي نشاط مهما كان. البعثيون هذه الأيام فاتحين عيونهم، ويبدو أنهم ناوين نيّة كشرة…"

ثم أردف وكأنه يحدث نفسه: "نعلى على رب الجبهة!"

 

لم يمكث الرفيق ح سوى دقائق معدودة. سلّمني بعض الأدبيات وغادر بسرعة.

لم ألتقِ به بعد ذلك إلا بعد تسعة أشهر. وخلال تلك الفترة، حاولت قدر الإمكان تطوير قدراتي الثقافية، من خلال قراءة الكتب الماركسية، والاستماع إلى راديو موسكو، ومتابعة الجريدة.

 

في العسكرية، أنهينا فترة التدريب الأساسية التي استمرت ثلاثة أشهر، وكان لا بد بعدها من توزيعنا على الوحدات الدائمية المنتشرة في عموم العراق.

 

اجتهدت والدتي وبقية أفراد العائلة للتواصل مع ابن خالها، الذي كنا نناديه "خالو"، وهو بشير الشيخ عنيسي (أبو باسل)، ليتوسط لي لدى المراجع العسكرية العليا، أملاً في ضمان تنسيبي في مكان مناسب. كان خالي أبو باسل صائغًا معروفًا وواسع العلاقات، خصوصًا مع كبار قادة الجيش العراقي، بدءًا من رئيس أركان الجيش.

(يتبع)