
السابع من آب..
حين أصبح الدم الآشوري شهادة للتاريخ
يعكوب ابونا
هناك أيام تمر في حياة الشعوب فتُطوى مع السنين، وأيام أخرى تتحول إلى ذاكرة خالدة لا تمحوها الأزمنة. والسابع من آب هو أحد تلك الأيام التي لم تعد مجرد تاريخ على صفحات التقويم، بل أصبح رمزًا لمعاناة أمة، وعنوانًا لتضحيات شعب، وشاهدًا على واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في تاريخ العراق الحديث.
إن يوم الشهيد الآشوري لم يُقر لإحياء ذكرى مجزرة سميل وحدها، بل ليكون وقفة وفاء أمام جميع أبناء أمتنا الذين سقطوا منذ بدايات القرن العشرين وحتى يومنا هذا، دفاعًا عن حقهم في الحياة، وعن وجودهم التاريخي في أرض آبائهم وأجدادهم. ولهذا اعتمد الاتحاد الآشوري العالمي عام 1970 السابع من آب يومًا للشهيد الآشوري، ليبقى هذا التاريخ شاهدًا على أن دماء الأبرياء لا يجوز أن تُنسى، وأن العدالة لا تسقط بالتقادم.
لكي نفهم ما جرى في صيف عام 1933، لا بد من العودة إلى السنوات التي سبقت تلك الأحداث. فمع اندلاع الحرب العالمية الأولى، وجد الآشوريون أنفسهم أمام خيار صعب، بعد أن أصبحت مناطقهم التاريخية في حكاري وأورميا ساحة للعمليات العسكرية بين الدولة العثمانية وقوات الحلفاء. وقد اختار قادة الأمة الآشورية الوقوف إلى جانب بريطانيا وروسيا، استنادًا إلى الوعود التي قُدمت لهم بالحصول على الحماية والاعتراف بحقوقهم القومية بعد انتهاء الحرب.
غير أن تلك الوعود بقيت حبرًا على ورق. فبعد انتهاء الحرب، اجتمع الحلفاء لتقسيم تركة الدولة العثمانية، وعُقد مؤتمر سان ريمو سنة 1920، الذي أقر نظام الانتداب البريطاني على العراق وفلسطين وشرقي الأردن، والانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان. وجاء ذلك استكمالًا للتفاهمات التي نصت عليها اتفاقية سايكس – بيكو، والتي أعادت رسم خريطة المنطقة وفق مصالح الدول الكبرى، دون أن تضع في اعتبارها حقوق كثير من الشعوب التي شاركت في الحرب إلى جانبها.
وكان الآشوريون من أكثر المتضررين من تلك التسويات. فقد حُرموا من العودة إلى موطنهم التاريخي في هكاري بعد أن بقيت ضمن الحدود التركية، بينما استقر عشرات الآلاف منهم في العراق لاجئين بعد أن فقدوا قراهم وأرزاقهم، وهم ينتظرون تنفيذ الوعود الدولية التي لم تتحقق..
ثم جاءت قضية ولاية الموصل، التي أصبحت محورًا للنزاع بين تركيا وبريطانيا والعراق. وبعد مداولات طويلة، أقرت عصبة الأمم سنة 1925 بقاء الموصل ضمن الدولة العراقية، مع تثبيت الحدود وفق خط بروكسل. إلا أن هذا القرار أنهى النزاع السياسي بين الدول، ولم يقدم أي حل للقضية الآشورية، بل زادها تعقيدًا، بعدما أصبح الآشوريون مشتتين داخل دولة جديدة من دون ضمانات واضحة تكفل حقوقهم ومستقبلهم.
بالنظر إلى ما سبق، أخذت القضية الآشورية بعدًا جديدًا مع اقتراب العراق من نيل استقلاله والانضمام إلى عصبة الأمم سنة 1932. فقد رأت الحكومة العراقية أن أي حديث عن ضمانات خاصة للأقليات قد ينعكس على موقفها أمام المجتمع الدولي، بينما كان الآشوريون يرون أن الاستقلال يجب أن يترافق مع ضمانات قانونية تكفل أمنهم وحقوقهم بعد ما تعرضوا له من مآسٍ خلال الحرب العالمية الأولى.
ولهذا توجه البطريرك مار شمعون إيشاي إلى جنيف، مقر عصبة الأمم، حاملاً قضية شعبه، مطالبًا بضمانات تحفظ وجود الآشوريين داخل الدولة العراقية، إلا أن المصالح الدولية كانت أقوى من أصوات الشعوب الصغيرة. فقد أُقر استقلال العراق، وأغلقت القضية دون معالجة حقيقية لمطالب الآشوريين، ليجدوا أنفسهم مرة أخرى أمام واقع سياسي جديد، دون حماية دولية أو اعتراف بحقوقهم .
وفي الداخل العراقي، كانت البلاد تعيش اضطرابات سياسية متلاحقة. فقد أثارت معاهدة عام 1930 بين العراق وبريطانيا موجة واسعة من الاعتراضات، وواجهت الحكومات المتعاقبة أزمات داخلية وصراعًا بين القوى السياسية. وفي خضم تلك الظروف، تحولت القضية الآشورية إلى ملف سياسي حساس، وأصبح من السهل تصوير المطالب الآشورية على أنها تهديد لسيادة الدولة، بدل النظر إليها باعتبارها مطالب مشروعة لشعب قدم تضحيات جسيمة خلال الحرب .
وفي العاشر من أيار سنة 1933، استُدعي البطريرك مار شمعون إلى بغداد، حيث طُلب منه التخلي عن زعامته الزمنية والتوقيع على تعهدات تقيد دوره في تمثيل الآشوريين، لكنه رفض ذلك، ففرضت عليه الإقامة الجبرية، ثم اعتُقل، لتدخل القضية مرحلة أكثر تعقيدًا .
وفي الوقت نفسه، بدأت القوات العسكرية العراقية بقيادة بكر صدقي بالتحرك في شمال العراق، بينما تصاعدت الحملة الإعلامية التي صورت الآشوريين وكأنهم يخططون للتمرد على الدولة. وقد أسهمت الصحف والخطب السياسية في تأجيج الرأي العام، حتى أصبحت الكراهية وسيلة لتبرير استخدام القوة .
وعندما غادر عدد من الزعماء الآشوريين إلى الأراضي السورية، طالبين الحماية الفرنسية، أعيدوا لاحقًا إلى العراق بعد تجريدهم من السلاح، لتتخذ الحكومة ذلك ذريعة لإطلاق عمليات عسكرية واسعة في المناطق الآشورية. ولم تقتصر تلك العمليات على مواجهة مسلحة، بل امتدت إلى القرى الآمنة، حيث تعرض المدنيون للقتل والنهب والتشريد .
وفي الأيام الأولى من آب 1933، أخذت القوات العراقية تتقدم في مناطق دهوك والعمادية وشيخان والموصل، فيما انتشرت أخبار تحرض السكان على الآشوريين، وتدعو إلى القضاء على ما سُمي آنذاك بـ"الخطر الآشوري". وبدل أن تعمل الدولة على احتواء الأزمة، تحولت لغة التحريض إلى أداة لتبرير العنف، فانخرطت مجموعات مسلحة وأفراد في أعمال السلب والاعتداء على القرى، وسط غياب أي حماية للمدنيين.
ومع تصاعد الأحداث، أُبلغ سكان سميل بأن بإمكانهم التجمع في البلدة حيث سيكونون في مأمن. فاستجاب كثير من العائلات لذلك، ظنًا منهم أن السلطات ستوفر لهم الحماية.
ولكن بدل تامين الحماية دخلت القوات المسلحة إلى البلدة سميل ، وفي مركز الشرطة الذي كانوا محتجزين به ابناء شعبنا ، وأطلقت النار على المدنيين من رجال ونساء وأطفال، وتلت ذلك أعمال قتل ونهب وتدمير، بينما امتدت المجازر إلى عشرات القرى الآشورية الأخرى.
ووثقت شهادات معاصرة حجم الكارثة. فقد نقلت التقارير البريطانية عن أحد شهود العيان قوله:
"لقد رأيت وسمعت الكثير من الأحداث المروعة التي وقعت خلال الحرب العالمية الأولى، ولكن ما رأيته في سميل بعيد عن تصور الإنسان " .
كما وصف عدد من الباحثين والموظفين البريطانيين، ومنهم ستيفن لونكريك، ما رافق تلك الأحداث من قتل ونهب وتشريد، في حين أورد باحثون عراقيون، منهم عبد المجيد القيسي ونبيل دمان، شهادات عن المجازر التي طالت القرى الآشورية، وما خلفته من آثار إنسانية عميقة.
ولم تقتصر آثار مجزرة سميل على عدد الضحايا أو القرى التي دمرت، بل تركت جرحًا عميقًا في الوجدان الآشوري، وأصبحت نقطة تحول في تاريخ أمة دفعت ثمنًا باهظًا لأنها طالبت بالأمان والاعتراف بحقوقها. فقد امتدت أعمال القتل والنهب إلى أكثر من ستين قرية آشورية في مناطق دهوك والعمادية وشيخان والموصل، وتشتت آلاف العائلات، بينما فقد كثيرون بيوتهم ومزارعهم وكل ما يملكون ..
وفي تلك الأيام العصيبة، برزت مواقف إنسانية لن ينساها التاريخ. فقد احتضنت ألقوش مئات العائلات الآشورية الهاربة من المجازر، وفتحت بيوت أهلها أبوابها للناجين، دون تمييز أو خوف، في موقف يعكس عمق الروابط التاريخية والإنسانية بين أبناء المنطقة. ويروي الراحل توما توماس في مذكراته كيف استقبلت ألقوش النازحين، حتى إن بعض البيوت ضمت عشرات الأشخاص، وتقاسم الأهالي معهم ما يملكون من طعام ومأوى، في صورة مشرقة وسط ظلام المأساة .
وتشير بعض الروايات التاريخية إلى أن القصف الذي كان يهدد ألقوش لم ينفذ، بعد تدخلات سياسية ودينية حالت دون امتداد المجازر إليها، وهو ما أسهم في إنقاذ أعداد كبيرة من المدنيين الذين لجأوا إليها طلبًا للأمان.
أما البطريرك مار شمعون إيشاي، الذي كان قد وضع قيد الإقامة الجبرية قبل الأحداث، فقد صدر قرار بنفيه خارج العراق في الخامس عشر من آب سنة 1933، ليغادر إلى قبرص، ثم تبدأ مرحلة جديدة من المنفى الطويل، بعيدًا عن شعبه وأرضه. ولم يكن نفيه مجرد إجراء سياسي، بل كان إعلانًا بانتهاء مرحلة كاملة من تاريخ القيادة الآشورية داخل العراق .
ورغم مرور السنوات، لم تكن سميل آخر فصول المعاناة. فقد شهدت العقود التالية أحداثًا مؤلمة أخرى، من بينها مجزرة صوريا عام 1969، ثم حملات التهجير والتغيير الديموغرافي التي طالت قرى وبلدات شعبنا في فترات مختلفة. وفي عام 2014، أعادت جرائم تنظيم داعش إلى الأذهان مشاهد النزوح والقتل والتهجير، عندما أُفرغت مدن وبلدات سهل نينوى من سكانها، ودُمرت الكنائس والأديرة، واختُطف الأبرياء، في تكرار مؤلم لمآسٍ ظن العالم أنها أصبحت جزءًا من الماضي .
ومع كل هذه المحطات، بقي الشعب الكلداني السرياني الآشوري متمسكًا بأرضه ولغته وتراثه، مؤمنًا بأن الوجود لا يُقاس بعدد السكان، بل بقدرة الأمة على الحفاظ على هويتها ونقلها من جيل إلى آخر. فالحضارة التي أنجبت أولى المدن، وأولى المكتبات، وأولى الشرائع، لم تكن يومًا حضارة عابرة، بل إرثًا إنسانيًا ما زال حيًا رغم كل ما تعرض له من محاولات الإقصاء والتهميش والتهجير.
إن استذكار السابع من آب لا يعني استحضار الألم وحده، بل هو أيضًا دعوة إلى حفظ الحقيقة، وتوثيقها، والدفاع عنها في مواجهة النسيان. فالمصالحة مع التاريخ لا تقوم على إنكار المآسي، وإنما على الاعتراف بها، واحترام ضحاياها، والعمل على ألا تتكرر مع أي شعب مستقبلاً ..
إن السابع من آب سيبقى يومًا للوفاء، لا للانتقام؛ يومًا لتكريم الشهداء، لا لإحياء الكراهية؛ ويومًا لتجديد العهد بأن تبقى الحقيقة حيّة، وأن تبقى دماء الأبرياء شاهدًا على أن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تفقد مشروعيتها .
الرحمة لجميع الأبرياء الذين سقطوا في سميل، وصوريا، وسهل نينوى، وفي كل بقعة من أرض الآباء والأجداد.
ولتكن ذكرى السابع من آب عهدًا متجددًا على التمسك بالهوية، وصون الذاكرة، والعمل من أجل مستقبل يسوده العدل والكرامة والسلام
المجد والخلود لشهداء أمتنا الاشورية
يعكوب ابونا............. 7 /8 /2026
