
الأوطان التي تنسى مبدعيها: الفنان فاروق هلال مثالا
د. عامر ملوكا
لم يكن المشهد الأكثر إيلاما في رحيل الفنان الكبير فاروق هلال أنه غادر الحياة عن عمر ناهز التاسعة والثمانين، فالموت قدر لا يرده أحد، وإنما كان المشهد الذي أعقب رحيله هو الأكثر قسوة؛ أن يمضي رجل قضى ما يقارب سبعة عقود في صناعة الوجدان العراقي إلى مثواه الأخير في وداع لم يرق إلى مكانته الفنية، وكأن العراق الذي عاش في وجدانه حتى آخر لحظة لم يجد متسعا ليقول له: شكرا.
إن الأمم تعرف، ليس فقط بطريقة احتفائها بمبدعيها وهم أحياء، بل أيضا بكيفية وداعهم بعد الرحيل. فالجنازات ليست مراسم بروتوكولية فحسب، بل هي امتحان لذاكرة الشعوب، واختبار لوفاء الأوطان.
ولعل أكثر ما أثار الأسى أن تطرح تفسيرات ترجع هذا الفتور إلى أنه "لحن للنظام السابق".
وهنا يتوقف العقل قبل العاطفة، لأن السؤال لا يتعلق بفاروق هلال وحده، وإنما بمنهج كامل في قراءة التاريخ.
هل يجوز أن يختزل عمر إنسان في موقف سياسي أو مرحلة من حياته؟ وهل يصبح الإبداع رهينة تبدل الأنظمة؟ وهل يحق للدولة أن تصادر ذاكرة وطن بأكمله لأنها تختلف مع مرحلة من تاريخه؟
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الأمم بنفسها هو أن تنظر إلى تاريخها بعين السياسة وحدها، فالسياسة متغيرة بطبيعتها، أما الثقافة فهي ذاكرة الشعوب، والذاكرة لا تبنى بالانتقاء.
ولو أردنا أن نحاكم كل فنان، وكل شاعر، وكل كاتب، وكل أستاذ جامعة، وكل موظف عاش في ظل نظام سياسي معين، فلن يبقى في سجل العراق أحد. فالدول تتغير، والأنظمة تسقط، لكن الوطن يبقى، ويبقى معه أبناؤه الذين صنعوا ثقافته، وفنه، ومدارسه، وموسيقاه.
لقد ارتبط اسم فاروق هلال، في نظر كثيرين، بمرحلة سياسية معينة، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أنه لحن أيضا للعراق، وغنى للعراق، وأسهم في تربية أجيال من الفنانين العراقيين. وتشير شهادات عديدة إلى أنه كان قريبا، في مراحل من حياته، من الفكر الوطني والتقدمي، وأنه دفع ثمنا لبعض مواقفه السياسية في ستينيات القرن الماضي. كما يرى كثيرون أنه لم يكن بعثيا بالمعنى التنظيمي الذي يحاول البعض إلصاقه به. والأهم من كل ذلك أنه ظل، حتى آخر أيامه، يردد اسم العراق أكثر مما يردد اسم أي سلطة حكمته.
وتروى عنه كذلك مواقف تشير إلى أنه فضل العودة إلى العراق في سنواته الأخيرة، رغم ما أتيح له من فرص للإقامة في الخارج، ليقضي ما تبقى من عمره على أرض وطنه، ويدفن في ترابه. وكأن أغنيته الأخيرة "خاف أموت وما أشوفك يا عراق" لم تكن مجرد أغنية، بل وصية رجل لم يعرف وطنا غير العراق.
وأمام هذه الحادثة، أتذكر موقفا شخصيا ما زال يرافقني كلما دار الحديث عن معنى الوطن.
عام 1999، وأثناء عملي التدريسي في ليبيا، جمعتني جلسة بعميد كلية الهندسة في جامعة صبراتة، وهو رجل مسلم، بينما أنا مسيحي. كان بيننا من المشتركات ما جعلني أشعر أننا ننتمي إلى فضاء حضاري واحد. ثم انضم إلينا أستاذ من إحدى الدول الإفريقية، مسيحي مثلي، يتحدث الإنجليزية. يومها أدركت أن رابطة الوطن والهوية والثقافة المشتركة قد تكون أقوى من أي رابطة أخرى، وأن الإنسان قد يشعر بالقرب ممن يشاركه الوطن والتاريخ أكثر ممن يشاركه العقيدة وحدها.
ولهذا، فإن العراقي في الغربة، حين يلتقي عراقيا آخر، مهما اختلف معه مذهبا أو دينا أو توجها سياسيا، يشعر غالبا بأنه وجد جزءا من نفسه. فهو أقرب إليه من أي شخص آخر يشاركه العقيدة فقط، لأن رابطة الوطن ليست رابطة سياسية، بل رابطة ذاكرة، ولغة، وأرض، وطفولة، وأغان، ولهجة، وتاريخ مشترك.
وفي هذا السياق، أتوقف عند ما نقل عن المثقف العراقي غالب الشاهبندر عندما سئل عن موقف الفصائل المسلحة إذا اندلعت حرب بين العراق وإيران، فأجاب بأنها ستقف إلى جانب إيران. وبغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذا الرأي، فإنه يعكس هاجسا وطنيا مشروعا لدى كثير من العراقيين، ويثير تساؤلات عميقة حول مفهوم الولاء الوطني وأثر الانقسامات السياسية في ترسيخ الانتماء للدولة.
وكم يشعر العراقي الأصيل بالألم عندما يرى مثل هذه القضايا تتحول إلى مصدر انقسام، لأن مثل هذه الظواهر تلحق ضررا بالغا بالانتماء الوطني، وتضعف الإحساس بكيان الدولة واستقلالها.
ولذلك، فإن الله سبحانه وتعالى جعل الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا، وجعل لكل أمة أرضها وتاريخها وهويتها، ولم يجعل الانتماء للوطن نقيضا للانتماءات الأخرى، بل إطارا يحتضنها جميعا.
إن الوطن ليس حكومة، وليس حزبا، وليس نظاما سياسيا، وليس مرحلة تاريخية عابرة.
الوطن هو ما يبقى عندما يسقط الجميع.
والدولة الحكيمة لا تطلب من الناس أن يحبوا الحكومات، وإنما تحرص على ألا يفقدوا ثقتهم بالوطن نفسه.
ومن هنا، فإن تكريم المبدعين بعد رحيلهم ليس مكافأة شخصية، بل رسالة أخلاقية للأجيال القادمة، تقول إن هذا الوطن لا ينسى أبناءه مهما اختلف معهم، وأن الإبداع أكبر من السياسة، وأن التاريخ يقرأ كاملا، لا بصفحات منتقاة.
إن الأمم الواثقة من نفسها لا تخشى ذاكرتها، ولا تعاقب موتاها، ولا تنتقي من تاريخها ما يناسب حاضرها. أما الأمم التي تجعل الخصومة السياسية معيارا للوفاء، فإنها لا تظلم الأفراد فحسب، بل تظلم نفسها، لأنها تقطع الصلة بين حاضرها وماضيها.
رحم الله الفنان الكبير فاروق هلال.
وربما لم يكن الرجل بحاجة إلى جنازة كبيرة بقدر ما كان العراق بحاجة إليها.
فالجنازات لا تكرم الموتى وحدهم...
بل تكشف أيضا مقدار وفاء الأحياء لوطنهم، ولمن صنعوا ذاكرته الجميلة.
