
من رحم النضال/ 49
د. مزاحم مبارك مال الله
حينما ظهرت قوائم توزيع الجنود، وتمت إعادتها أربع مرات (وذلك بسبب عدم الاتفاق بين الضباط على أسماء جنود محددين عن طريق الوساطات)، إلا أن اسمي بقي ثابتًا، وذلك بتنسيبي إلى مديرية تجنيد الكرخ والواقعة في العلاوي / محلة الذهب. وهي نفس الدائرة العسكرية التي أنجزت معاملة تسويقي فيها إلى الخدمة العسكرية بعد فصلي من الجامعة، وتحديدًا دائرة تجنيد الكرخ / الخامسة.
كانت واسطتي قوية جدًا، وهو آمر الكلية العسكرية، وهو صديق خالي.
لم أصدق نفسي، فالدوام هنا كدوام الموظفين المدنيين، فقد تخلصت من النهوض المبكر والعودة المتأخرة والإرهاق والإجهاد... إلخ.
التحقت إلى مكان خدمتي الجديد، والذي سرعان ما تطبعت عليه وأتقنت العمل، وبدأ نائب الضابط عيسى (رجل طيب من أهالي الخالص، وكان متعاطفًا معي كوني طالبًا جامعيًا مفصولًا)، وعلّمني على الآلة الكاتبة، وأصبح يعتمد عليّ هو وبعض ضباط التجنيد الآخرين (الكرخ الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة). وكان هناك جندي آخر مثلي أيضًا، خريج إعدادية بمعدل واطئ في السادس الإعدادي لم يؤهله للدخول إلى الجامعة، تم تنسيبه إلى التجنيد بالواسطة، واسمه محمد مهدي موسى، أخو الصيدلي عدنان صاحب صيدلية عدنان في شارع الكفاح.
هكذا انتظمت حياتي العسكرية الجديدة، دون التخلي عن الأمل في العودة إلى مقاعد الدراسة.
أغلب الأوقات كنا نعيش لوحدنا أنا ووالدتي، رحمها الله وطيّب ذكرها دائمًا، نقضي الوقت بعد الغداء والاستراحة في سرد القصص واستذكار أحاديث الزمن الجميل والمتعب، حيث كان والدي يخرج صباحًا ويعود في نهاية النهار من العمل. أما أنا فكنت أغادر البيت الساعة 7:15 صباحًا وأعود الساعة 2:45 بعد الظهر. بيتنا في القادسية والدائرة في العلاوي، والمواصلات سهلة والحياة آمنة.
في تلك الفترة صدر قرار من مديرية التجنيد العامة بافتتاح دائرة تجنيد جديدة باسم (دائرة تجنيد أبو غريب)، وكان الأمر الصادر عن مديرية تجنيد الكرخ أن نُنسب إلى هذه الدائرة الجديدة أنا و محمد مهدي، كوننا خريجي إعدادية، والدائرة الجديدة بحاجة إلى (جنود قلم) أكفاء.
تم فصل الدائرة الجديدة (دائرة أبو غريب) عن دائرة تجنيد الكاظمية (وتحديدًا دائرة تجنيد الكاظمية الثانية) والواقعة في مدينة الكاظمية. وكانت مهمتنا أنا ومحمد أن نستنسخ يدويًا سجلات الدائرة الجديدة من سجلات دائرة تجنيد الكاظمية الثانية، وكانت المشكلة أن الأسماء بالآلاف، مما اضطرنا إلى الدوام في الكاظمية بدلًا من العلاوي (أي أن الفرحة والراحة لم تكتمل)، علمًا أن بيت محمد كان أقرب إلى الدائرة من بيتنا، إذ كان يسكن في الحارثية.
كنا نقوم بمهمة الاستنساخ بجهود استثنائية، اعتمادًا على قوائم بأسماء المكلفين التي تم إعدادها مسبقًا.
وبقي حلم الدراسة يراودني ليل نهار...
(يتبع)
