للذهاب الى صفحة الكاتب   

"الحركة الوطنيه اللاعراقيه" والفشل التاريخي الفاضح*

عبد الامير الركابي

 

 

  من اهم مكملات حالة الانهيار والفشل التاريخي الحال على ما يسمى ب "الحركة الوطنيه العراقية"، الانتفاء الكلي المطلق لاي مراجعه او توقف استعادي تحليلي لحالة وظاهرة صارت تمثل عبئا غير عادي على اجمالي الحياة العامه، اهم تمثلاتها العيش في الفترة اللاحقة على 2003 من دون اي بحث من اي نوع كان عن "البديل" خارج المتداول المتهالك، مع اتباع حالة من التماهي المكمل  والمبرر للقائم باسم انتقاده بلا افق اخر، او محاولة نظر في جوهر الوضع ودلالاته التاريخيه المحمله اولا وقبل كل شي بالتساؤل الاساس عن التجربة  المسماة ب "الوطنيه" على مدى القرن العشرين، وما قد انتهت اليه، واخذت البلاد الى انحطاطيته الحالية المقفله والممنوعه على اي تسمية او تعيين نموذجي، او اي من اشكال التنظيم الاجتماعي بمقاييس الماضي او الحاضر بمافي ذلك كمثال "القبليه" التي هي اليوم ادنى بما لايقاس مقارنه بالقبلية العراقية التاريخية وبنيتها ومنجزها، او الدينيه بمقابل التاريخ الابداعي في هذا المجال، والحديث منه منذ ان قامت دولة اللادولة النجفية الحديثة "الانتظارية" ونموذجيتها الاستثنائية كدولة بلا تميز سلطوي، وقيادة بلا احتكار سلاح.

 

  وما نحن بصدد النظر فيه هو بالاصل حركة عمليه وجدت في الاصل خاليه من الفعالية النظرية، اهم وجوهها "الحزبيه" العملية، و"بيانها" تظل مؤطرة بمحفوظات مستعاره، فلم تحاول على هذا الصعيد اصلا وضع سردية للعراق الحديث، تاكيدا لمبررات وجودها التاريخي، وقبلت من دون اي نقاش السردية الاجنبيه الاحتلاليه كما وضعها الضابط الانكليزي "فليب ويرلند"، على اعتبار انها مروية "العراق الحديث" الموصول بالنظام الراسمالي العالمي، بلا خصوصية، ومن دون تميز، وبما يوافق الميل الاستعماري الانكليزي الى "خلق عراق مطابق للمصالح الاستعمارية" من ثلاث ولايات تركية تجلى واقعا في الدولة المقامه من خارج النصاب المجتمعي والتاريخي، برانيا عام 1921.

 

  هذا في واقع ما كان يجوز لممثلين مفترضين عنه ان يغادروا لاي سبب مهما كان خاصيات وجودهم الشاخصة في مكان امبراطوري كوني، خصوصيته فوق الكيانيه صارخه، يحمل اليوم تساؤلا داهما وقد انتقل من قياده عالمية، الى تابع يراد له ان يكون ومن نفس الموضع "بغداد" عاصمة العالم قبل اقل من سبعة قرون، ولمدة خمسة قرون، مجرد رقم ضمن مفردات الامبراطورية التي لاتغيب عن ممالكها الشمس، هذا والامر لهذه الجهه ليس  مجرد طور او حالة، فالموضع المشار اليه عرف قبل بغداد القرون الوسطى، "بابل" عاصمة العالم الاولى ضمن مشهد "حضاري" تاسيسي بدئي  شامل على مستوى المعمورة، ومنه انطلقت الرؤية الكونية اللاارضوية الاولى "الابراهيميه" الباقية حاضرة في قلب بريطانيا واوربا وغالبيه الكرة الارضية، وهذا كله كان لابد ان يستوجب من قبل اولئك الذين قبلوا عراق ويرلند ومنظوره لديناميات التاريخ، شيئا ما من التلبث الجدير باي مدع يريد "قيادة" بلاده ومجتمعة بصفته وريث موضع ما كان اهله ينتظرون منجزا من احد ليتبعوه، بل ظلوا حتى من دون وعيهم لذاتهم، يجترحون ماهو مستجد ولازم لهم وللعالم بما يجعلهم بوضع  البؤرة  الديناميه التاريخيه.

 

 ومن البديهي ان يؤخذ بالاعتبار حال التردي والانقطاعية التاريخيه النموذجية الحالة على هذا الموضع من المعمورة منذ 1258 مع انتهاء الدورة التاريخية الكونية الرافدينيه الثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، وتحول عاصمة الامبراطورية المنهارة الى "مركز براني" تتعاقب علية الدول واشباه الامبراطوريات من هولاكو الى الاحتلال الانكليزي، حين تغير شكل البرانيه اليدوية واخرها العثماني، وليس هذا الجانب الهام هو الوحيد الواجب اخذه بالاعتبار لاجل تفسير العجز الاعقالي الذي لازم ردة الفعل على التطورات المتاخرة ابتداء من الاصداء الاولى المتولده عما عرف بالنهوض الاوربي، وصولا لاقامة ماعرف ب (الدولة البرانيه بالخلفية الاليه عام 1021)، فهذا الموضع من المعمورة وجد بالاصل ومنذ التبلور الاول للمجتمعية البشرية، باعتباره حالة تحد تتجاوز الممكنات البشرية الاعقالية، ولما متاح ومتوفر للكائن البشري حتى اليوم من قدرة على ادراك الحقيقة المجتمعية، الامر الذي ظل عاما وشاملا للحال البشري بالعموم كما انتبه لذلك الغرب متاخرا جدا في القرن التاسع عشر، وكارهاصات قاربت المسالة الاجتماعية والطبقية، من قبيل طرق البوابة المقفله على مر التاريخ كقصورية عقلية كبرى، واساس تكويني لااكتمال للوجود من دون تجاوزها.

 

 هذا مع العلم ان ارض الرافدين كانت اليوم بالذات عند نقطة الفصل التاريخي التحولي الكبرى، وبالذات وتحديدا حين يتعلق الامر بالانقلابيه الاليه الحاصلة في الغرب الاوربي والمعتبرة لحظة تحول عالمي كبرى، الموضع الذي ظهرت فيه الالة هي محوره وقيادته، الامر الموافق لطبيعة الاعقال الممكنه اوربيا  ضمن مجتمع من نوع بعينه، ارضوي مايزال يدويا ادراكا، بما يجعل من استحالة الاستحالات على سبيل المثال، مجرد الاعتقاد الافتراضي بان الحاصل على صعيد الانقلابيه الاليه هو تحول لاارضوي، اساسة ومنبعثه الاول تاريخيا ارض سومر التي عادت اليوم وانبعثت مع القرن السادس عشر، تاريخ الانقلاب الالي اللاارضوي السابق على ظهور الالة وانبجاسها اوربيا،  بانتظار طور لازم من التاريخ التحولي الابتدائي  الاوربي الارضوي الانتقالي. وهو ما لايمكن الى الساعه طبعا التفكير به او مقاربته بايه صيغة كانت.

 

  ولنتصور حينها في الثلاثينات، لو ان كامل الجادرجي ويوسف سلمان يوسف "فهد"، وفؤاد الركابي نظروا الى "اتحاد قبائل المنتفك" المشكل عام 1530 في ارض سومر التاريخية وارادوا، أوخطر لهم اعتباره بداية انبعاثية تشكلية غير تلك الاعتباطية الويرلندية البرانيه، بحكم كونهم ابناء موضع يعتبرون انفسهم ممثلين له ولحركة تاريخه اليوم، خارج وقبل النظام الراسمالي العالمي، بما يجعل من الراسمالية اصلا في غير موضعها الغالب كظاهرة توهمية مؤقته، لا تتطابق مع الحقيقة التحولية الاليه التكنولوجية الحالة على العالم، والتي هي لحظة انقلاب تاريخي لاارضوي، بؤرته التحققية رافدينيه سومرية ماتزال في بداياتها وعند محطاتها الاولى.

 

 اي عبء هائل نسقطه على الثلاثة من الاميين تاريخيا، الملتحقين موضوعيا بالغالب الاوربي مدعي التحوليه الجضارية الكبرى، العاجز عن بلوغ المطلوب من بين عنصرين اسايين لا انتقال آلي من دونهما هما معا، "الالة" و"الادراكية المجتمعية الازدواجية" الغائبة، والخارجة تاريخيا عن الطاقة الادراكية المتاحة للعقل في انبثاقته الاولى، علما بان الالة من بين العنصرين المنوه عنهما هي حالة "موضوعية" و"ضرورة" تحكمها اشتراطات مادية، مقارنه بالعنصر الاساس العقلي هدف وغاية التحول المجتمعي البشري الحالة والتي غدت  حاضرة اليوم والمنتظرة الانبجاس في ارضها ارض التعبيرية اللاارضوية الاولى ماقبل التحققية التي ختمت مع القرن السابع وماتبعه من دورة ازدواج رافديني عباسي قرمطي انتظاري انتهت للانقطاع عام 1258.

 ـ يتبع ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نتوقف للضرورة عن مواصلة نشر الاجزاء الباقية من "بيان الازدواج المجتمعي ومالاته" على ان نعود لنشر بقية الاجزاء لاحقا.