
من رحم النضال/ 51
د. مزاحم مبارك مال الله
اشتدّت الحملة الهمجية البعثية ضد الحزب، وبالحقيقة حينما تستعيد قراءة التاريخ تجد أن البعث كان يخطّط ويرتّب الأفخاخ ضد الحزب بعيدًا عن الوطنية والديمقراطية، وليس له علاقة بالمصلحة الوطنية على الإطلاق، بل إن كل همّه وانشغاله هو إتمام ما بدأه في 8 شباط 1963. لكن المبادئ الوطنية التي تميّز بها الحزب الشيوعي العراقي قد غلبت مواقفه الأخرى، بما فيها الحذر والتحسّب لغدر البعثيين.
في أمسيةٍ، كنّا جالسين في هول البيت، وإذا بجرس البيت يرنّ. كنّا متحسبين، فقلنا للوالد أن يخرج ويرى من الطارق. كنّا قد عرفناهم، فهم أزلام النظام. طلبوا من الوالد أولاده، فقال لهم إنهم غير موجودين، واستفسر منهم: من أنتم وماذا تريدون؟ فأجابوا: «بلّغ أولادك أن يراجعونا في الفرقة الحزبية المجاورة للمدرسة». لم نذهب ولم نعر الأمر أهمية.
بعد يومين، جاؤوا مرة أخرى مساءً، ولكن هذه المرة كانوا مسلّحين بمسدساتهم، وكانت سيارة بيك– آب واقفة عند الباب. دخلوا مباشرة إلى البيت، وكنا أنا وأخواي الأصغر والأكبر مني ووالدتنا فقط.
بعد حديثٍ كله تهديد ووعيد، قالوا: «ليس لدينا تهمة ضدكم، ولكنكم غير مسجّلين لدينا أنكم بعثيون». حاورناهم، ولكن بلا استجابة. فقالوا: «طيب، إذا أنتم لا تحبّون السياسة وليس لكم أي علاقة، فوقعوا على إقرار، وهو أنكم حينما ترغبون بالعمل في السياسة لا تعملوا إلا مع حزب البعث». وأعتقد أن هذا كان القرار رقم 200 إن لم أكن مخطئًا.
وقّعنا نحن الثلاثة، ومن حسن حظنا أنهم لم يتعمّقوا في الأسئلة، وخاصةً المتعلقة بالعمل والوظيفة.
خرج الأوباش منتشين بنشوة الانتصار، وقد أخذوا هذا الإقرار الباطل الذي جاء تحت التهديد والوعيد.
هكذا إذن وصلتنا الريح الصفراء وهباب ما يحرقه البعث المجرم، وقد جاءت هذه الإجراءات بعد مسرحية أبو طبر.
وعلى العموم، وعن طريق خطة محكمة، أوصلتُ خبر هذا الإقرار إلى الحزب (عن طريق الرفيق ح).
بدأت تظهر على الشارع العراقي انعكاسات نكث البعث للوعود، ضاربًا عرض الحائط كل القيم والاتفاقات والمبادئ.
لم أعد ألتقي أيًّا من أصدقائي إلا القلّة القليلة، عدا الذين عرّفني بهم الرفيق هامبو، وهم ماك وأوهان وصديقهم عماد.
كانت هذه العلاقات مهمة، على الأقل بالنسبة لي، لتبعد أي شبهات. ولكن ما جرى خلال الأيام القادمة كان كافيًا لأن يصفني البعض بالمجنون.
(يتبع)
