
"الحركة الوطنيه اللاعراقيه" والفشل التاريخي الفاضح/ 2
عبد الامير الركابي
مع منتصف الخمسينات قامت "جبهة الاتحاد الوطني" في غمرة حراك وانتفاضات توالت منذ 1948، فبدت بمثابه اكتمال لاجمالي المنحى التاسيسي الحزبي المستمر بعد العشرينات، وتحديدا بعد الثلاينات، واتسمت بالتركيز على ازاله النفوذ الاستعماري البريطاني، والحكم القائم باسمه كمهمه مركزية من دون مشروع بديل محدد الملامح، ماعدا العموميات المتعلقة بالتحرر الوطني العام، الامر الذي ظهرت دلالات غيابه مباشرة بعد ثورة 14 تموز 1958 التي تحولت الى بدء عملية احتراب بين الاحزاب المذكورة خارجة عن ارادتها، ظلت تؤكد فقدانها لايه رؤية "وطنيه" خارج الشعاراتيه، مع الافتقار للوسائل ماعدا الميل للعنف ونفي الاخر.
لم يعرف العراق من العشرينات والثلاثينات الى اللحظة الراهنه اي مشروع يمكن ان يطلق عليه اسم "الوطني" الموصول بالتاريخ والخاصيات وحكم اللحظة التاريخيه، ومازال العراق غائبا لم يولد بعد وان وجد. مسالة ولادته تبقى التحدي الاكبر على مر التاريخ واليوم، برغم الادعائية "الحداثية/ العصرية" الاسقاطية لتتكرس في اللحظة الراهنه حقيقة تجاوز الكينونه "الوطن كونيه" لهذا الموضع الكوني للقدرات والطاقة العقلية المتاحة.
وكمثال وظاهرة متعارف عليها، فان الاحزاب المذكورة تتغنى كثيرا ب "التضحيات" التي قدمتها خلال تاريخها من دون ان نعلم لماذا، ولاجل ماذا؟ ومالذي امكن تحقيقه مقابل تلك التضحيات وصعود المشانق ببطولة، في حين اضطر احد ابرزها "الحزب الوطني الديمقراطي" ممثل الليبرالية الشعبوية الى حل نفسه طوعا مع الستينات، دلالة على انتفاء الضرورة التاريخيه، وانتهى حزب البعث الى حزب "ريعي/ قرابي" مهمته تصفية مصدر الديناميالت المجتمعية الوطنيه، ليصل هو الاخر اليوم الى مايقارب الزوال في حين يتبقى شبح يحمل متبقيات اسم "الحزب الشيوعي" معتاشا على التاريخ التاسيسي الغابر، وقد تحول الى دكانه مرتهنه لاشتراطات الاحتلال الامريكي وفقدان الذاتيه الوطنيه، في حين صارت مالوفه الكتابات من النوع النقدي التي تقول بضرورة اعادة البناء كشكل من اشكال الانحطاطيه الفكريه الملازمه اصلا لعموم الظاهرة مدار البحث، هذا في حين ان اي نظر عادي للمجمل من تاريخ ومالات هذه الظاهرة، صار يستوجب بالحد الادنى اعلانا لنهاية هذه التجربة، وفتحا لباب ظل مغلقا ياخذ الى وثبه كبرى تليق بالمكان وتاريخه، ونوع ولزومية حضوره الراهن المطابق لحقيقتة كبؤرة "وطن/ كونيه" عظمى، ان الاوان لان يزاح النقاب عن مكنوناتها ومنطوياتها الكبرى الملحة عالميا، تمهيدا لحضورها الذي لااكتمال للمجتمعية ولا للكائن البشري من دونه.
ولن يخطر ببال احد ممن نتحدث عنهم او ممن مازالوا يقراون الحاضر كتاريخ حداثي على المنوال الاوربي، ان يكون موضعا مثل العراق هو الذي ينطوي وليس اوربا، على الاليه المطابقة للحقيقة التحولية الانقلابيه اللاحقة على الطور اليدوي، والذي مايزال الى اليوم لم تكتمل عمليه الخروج منه الى مابعده، بناء للقراءة والمنظور مابعد الاحادي الارضوي المستمر الى اليوم، مايجعل من مسالة العراق و"ولادته" ضرورة تاريخيه شاملة واساس لامجرد قضية التحاقية بالاخر الاوربي المعتبر قمه ونهاية المقصود والممكن، ووقتها نقترب من حجم ومدى خطورة المهمه الملقاة على عاتق ارض مابين النهرين، اصل التبلور المجتمعي التي عاشت تاريخها بانتظار اللحظة الراهنه، كي تحقق ماهي موكولة به، ومتطابقه معه تكوينا وبنية، وظلت غير قادرة على بلوغه والتحقق واقعا من مقتضياته على مدى التاريخ السالف بانتظار الدورة الثالثة الراهنه المواكبه للانتقال (الالي/ التكنولوجي)، مع توفر الاسباب والموجبات المادية والاعقالية الضرورية لتحقق ماقد امتنع عند المنطلق ومع البدايات اللاارضوية الاولى، يوم انتصرت الانتاجية اليدوية وصيغة المجتمعية المواكبه لها جسديا ارضويا احاديا وظلت غالبه ومكرسة على مدى القرون المنصرمه، الى القرن السادس عشر لحظة بدء الدورة الثالثة الازدواجية التحولية العظمى، وبدء الانتقال من "الجسدية" الى "العقلية"، الغرض والهدف الاعظم المضمر في الظاهرة المجتمعية وفي الحقيقة الوجودية البشرية لتلقى كما العادة نفس الاغفال والنكران الكلي.
ومن التبسيط غير المقبول ولا اللائق، تصور اكتمال عملية انتقال نوعية تاريخيه مجتمعية كهذه بمجرد ظهور الاداة والوسيلة الانتاجية الرئيسية، اي العنصر المادي في البنيه المجتمعية من دون الادراك الموافق عقليا رؤية وتصورا، تاكيدا للدور الاساس للعقل في العملية التاريخيه المجتمعية والترقوية بصورة عامه، وهو ماظل الحاصل اليوم في الموضع الاوربي خارج الاكتمال، ينتظر اللحظة المناسبه كما كان عليه الحال بالنسبه لماقبلة اي للمجتمعية اليدوية الجسدية، ومنظورها الارضوي الاحادي المواكب للحاصل الانقلابي واشتراطاته الادراكية، مايتطلب كالعادة وبحكم طريقة عمل العقل الاستيعابيه فترة ليست بالقصيرة من الانتقال من الادراكية الموروثة الارضوية بقصوريتها الاحادية، الى الازدواجية اللااارضوية الموافقة للحقيقة المستجده الاليه ومسارها التحولي وتدرجاتها كينونة، من المصنعية الاولى الابتداء، الى التكنولوجية الانتاجية الحالية، ذهابا الى التكنولوجيا العقلية، مايقتضي زخما واحتداميه هائلة، وغزارة في الظواهر والاحداث الكبرى سببها التناقض بين طبيعة المجتمعية الغالبه ماتزال نوعا، والوسيله المادية المستجده المناقضة لها والموجوده لانتاج مجتمعية اخرى مغايره نوعا، قبل ان يلوح في الافق مايمكن ان يستدل به ويقصد، املا في اكتمال المسير المتاخر الانقلابي الاعظم المنطوي في الانتقالية الاليه الابتداء.
ومع ان ما ندل عليه لم يسبق اطلاقا ان جرى الانتباه له من بين الاحتدامات الكبرى، الا ان مسالة التصادم الغربي التوهمي ونموذجيته المعممة على العالم ومجمل تفكره، لم تعرف ماهو اشد وطاة وانطواء على المغزى والمعنى المفضي الى النتيجه، كما هو الحال الحاصل بين الغرب وانعكاساته على ارض الرافدين الازدواجية الكونيه تاريخيا، والمنطوية على النمطية المجتمعية المغفلة المتطابقه مع الوسيلة الانقلابيه بصيغتها الموجودة اصلا لكي تبلغها، حين تصبح الاله المصنعية الاقرب الى عالم اليدوية وسيلة مافوق جسدية، واعلى من نطاق المجتمعية الارضية لاتتفاعل الا مع الجانب الاساس في البنية البشرية الارتقائية، ومع متطلبات الحقيقة التاريخيه العقلية بعد الجسدية، وفي الموضع الذي كانت تعبيريته المجتمعية اللاارضوية الكونية الاولى المطابقة لكينونته الابراهيمه النبوية بصيغتهاالحدسية، وقد صارت الصيغة المفضية لاكتمال عملية التحول العظمى اخيرا هي اللاارضوية الثانيه مابعد النبوية وقد حل زمنها وحضورها بعد التاريخ المجتمعي على طوله، من الانبثاق الاول اللاارضوي غير القابل للتحقق لغياب الوسائل الضرورية والادراكية اللازمه، الى اللحظة الراهنه مع قرب اكتمال الاسباب وانتفاء صلاحية المجتمعية اليدوية التي ظلت تاريخيا هي الغالبه حتى اللحظة الراهنه.
"الوطنيه" او بالاحرى "الوطن كونيه العراقية الثانيه" الراهنه مابعد اليدوية، والتي تاتي الاليه التكنولوجية العقلية لكي تؤمن اسباب حضورها تحققا مكان المجتمعية الارضوية الجسدية اليدوية، هي "وطنية" ارض مابين النهرين والعالم المنتظرة منذ الاف السنين، لا توهميات الغرب الانتقالية العابرة.
ـ يتبع ـ
