
من رحم النضال/ 52
د. مزاحم مبارك مال الله
الأيام تمضي ببطءٍ ثقيل، مؤلمةٍ ومزعجة.. السماء ملبّدة بغيومٍ ممطرة بالغضب البعثي الحاقد على كل وطنيٍّ وديمقراطيٍّ وشيوعي. وبالحقيقة، فإن البعثيين، بعودتهم الثانية، إنما جاؤوا لإتمام ما بدأوه عام 1963؛ هذه المرة جاؤوا ليس بقطارٍ أميركي، وإنما على ظهور الدبابات الأميركية– البريطانية الصهيونية مجتمعة.
الهواء مسمومٌ بـ"الريح الصفراء"، متمثّلةً بالمطاردات والاعتقالات واختفاء أثر الرفاق والأصدقاء.. وكان ذلك بالجملة. فقد ابتلع الحزب الشيوعي العراقي الطُعم الذي رماه حزب البعث المجرم الحاكم، فانكشفت التنظيمات، وشُخِّصت الكوادر، ورُصدت التحركات، يقابل ذلك عدم وجود خطة للانسحاب أو الاختباء، وشاع القول: (دبّر حالك، رفيق!!).
حاولنا أن نكون – وخصوصًا أنا – بمنأى عن أي رصد، فصارت حياتنا أقرب ما تكون إلى الروتين؛ بلا علاقات أو زيارات أو صداقات.. حركة قليلة، حتى استخدام الهاتف كان محدودًا جدًا (وكان الهاتف أرضيًا، وكان لدينا خط في البيت).
كنت أذهب إلى الدائرة (دائرة التجنيد) وأعود. وكان ضابط دائرتي هو المقدم حسين علي عبد الله، وهو من أهالي الديوانية، ثقيل السمع بسبب انفجار لغم في حرب 1973. وقد اعتمد عليّ اعتمادًا كليًا في إدارة شؤون الدائرة، التي انتقلت إلى بنايتها الجديدة مقابل علاوي الحلة، في الطابق الخامس ضمن مديرية تجنيد الكرخ
(وقد صارت البناية لاحقًا– بعد السقوط- مقرّ اتحاد الشبيبة الديمقراطي واتحاد الطلبة العام ورابطة المرأة العراقية).
كان المقدم حسين، في الحق، رجلًا طيبًا جدًا، وتعاطف معي حين عرف أنني مفصول من الجامعة، فاختلقتُ له قصةً عن سبب فصلي (ملخصه اني تركت الدراسة لرعاية والديّ العاجزين). المهم أن الرجل سلّمني كل الصلاحيات عدا مفتاح القاصة؛ حتى الختم كان بين يدي. وجاء اعتماده عليّ بناءً على ثقته بي، حتى في فتح البريد السري الذي يصل. وقد ساعدني خطّي الجيد في تلبية ما يطلبه مني. وانتشر خبر خطي الجيد في الدائرة، كما أنني أجيد الرسم أيضًا (هكذا أشيع عني في دائرة التجنيد).
كان رجال جهاز المخابرات في الوحدات العسكرية – سيّئي الصيت – يطلبون "معلومات" عن كل مكلّف أو متطوع يُساق إلى الخدمة، وهم بالمئات. وكان طلب المعلومات يتم عبر الفرق الحزبية المنتشرة، بحسب العناوين المثبتة، أما استلام الإجابات فكان عبر البريد السري. ولما كان المقدم قد منحني الصلاحية، كنت أفتح هذا البريد في غرفتي التي خصصها لي.
كنت أقرأ الكتب السرية (وهذا ما يخص دائرتي فقط) التي ترد من الجهات الحزبية عن هؤلاء المكلفين والمتطوعين – وبطبيعة الحال كان المكلفون أكثر. وكانت المعلومات متنوعة؛ منها ما هو أخلاقي غير لائق، ومنها ما يُكتب فيه: (مع الحزب والثورة)، ومنها: (إن المكلف الفلاني من عائلة شيوعية، أو من عائلة متدينة، أو من حزب الدعوة... إلخ). وهنا كانت الطامة الكبرى.
(يتبع)
