للذهاب الى صفحة الكاتب   

من حارس البوابة إلى حارس الوعي

يونس متي

 

 

لم يعرف الإنسان في تاريخه الحديث زمناً أصبحت فيه الأفكار والمعلومات متاحة بهذا الاتساع غير المسبوق. فقد أصبح نشر فكرة أو رأي أو معلومة متاحاً لكل من يمتلك وسيلة للوصول إلى الجمهور، بعد أن كان هذا المجال، إلى حد كبير، محصوراً بالمؤسسات الإعلامية والثقافية. ولا شك أن هذا التحول يمثل مكسباً مهماً، لأنه أتاح لأصوات كثيرة أن تعبر عن نفسها بعد أن كانت بعيدة عن وسائل النشر التقليدية.

 

لكن هذا الانفتاح نقلنا إلى تحدي جديد. فلم تعد المشكلة الأساسية هي الوصول إلى المعلومات، بل القدرة على التمييز بينها. ولم تعد القضية، من يستطيع أن يكتب؟ بل أصبحت، كيف نعرف ما يستحق أن نقرأه، ونمنحه وقتنا وثقتنا؟

 

طوال عقود، اضطلعت المؤسسات الإعلامية والثقافية بدور الوسيط بين الكاتب والقارئ. فلم تكن تكتفي بإتاحة النشر، بل كانت تمارس أيضاً وظيفة الاختيار والمراجعة والتحرير، وفق معايير مهنية أو فكرية تختلف من مؤسسة إلى أخرى. وقد أسهم هذا الدور في رفع مستوى كثير من المواد المنشورة، لكنه منح تلك المؤسسات، في الوقت نفسه، قدرة كبيرة على التأثير في ما يصل إلى الجمهور، وأحياناً في ما يُحجب عنه.

 

أما اليوم فقد انتهى احتكار النشر، وأصبح الوصول إلى الجمهور متاحاً على نطاق غير مسبوق. ولم تعد قلة من المؤسسات وحدها تضطلع بمهمة اختيار ما يصل إلى الجمهور وما لا يصل إليه. لكن هذا التحول لم يلغي الحاجة إلى المعايير، بل نقل جانباً مهماً من مسؤولية التمييز إلى القارئ نفسه.

 

فعندما كان (حارس البوابة) هو المؤسسة، كانت مسؤولية الاختيار تقع عليها. أما اليوم، وبعد أن أصبحت البوابة مفتوحة أمام الجميع، فقد أصبح وعي القارئ هو الحارس الأخير للمعرفة.

 

لم يعد القارئ مجرد متلقي ينتظر ما تختاره له المؤسسات، بل أصبح فاعلاً أساسياً في تشكيل المجال المعرفي. فهو الذي يختار ما يقرأ، ويقرر ما يمنحه وقته وثقته، وما يستحق أن ينتشر أو ما يُهمل. ومن هنا لم تعد القراءة فعلاً سلبياً، بل ممارسة عقلية تقوم على التمييز والنقد والمقارنة. فليس كل ما يُنشر يتحول إلى معرفة، وليس كل ما ينتشر يكتسب قيمة.

 

وهنا تعود مسألة قديمة في تاريخ الفكر الإنساني، وهي العلاقة بين النقل والعقل. فالمعلومات يمكن أن تنتقل من شخص إلى آخر، أما المعرفة فلا تكتمل بمجرد وصول النص إلى الإنسان، بل تُبنى عندما يتفاعل العقل مع ذلك النص فيفهمه، ويسائله، ويقارنه بغيره، ويضعه في سياقه، ويختبر منطقه وأدلته.

 

ولعل الجدل القديم بين النقل والعقل لم يكن في جوهره دعوة إلى إلغاء أحدهما لصالح الآخر، بقدر ما كان بحثاً عن مكانة الإنسان في عملية المعرفة. فالنقل بلا شك، يورث الخبرة ويختزن التجربة، لكن العقل هو الذي يفهمها، ويفسرها، ويختبرها، ويعيد إنتاجها أو تجاوزها في ضوء الواقع المتغير.

 

وفي عصر الانفتاح المعرفي، تعود هذه القضية بصيغة جديدة، فلم يعد التحدي هو العثور على ما نقرأ، بل في معرفة ما يضيف إلى وعينا، وما يكتفي بتكرار ما نعرفه أو تأكيد ما نؤمن به.

 

فالقراءة ليست عملية استقبال سلبي، بل هي فعل من أفعال العقل. والقارئ الذي يمارس القراءة النقدية لا يكتفي بسؤال: ماذا يقول النص؟ بل يسأل أيضاً: لماذا يقول ذلك؟ وما الذي يستند إليه؟ وما الذي يغفله؟

 

إن الخطر في عصرنا ليس فقط في كثرة النصوص، بل في أن يتحول الإنسان إلى مستهلك للمحتوى بدل أن يكون شريكاً في إنتاج المعرفة. فوفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الوعي، كما أن سهولة الوصول إلى الأفكار لا تعني دائماً القدرة على فهمها أو الحكم عليها.

 

ولهذا فإن بناء القارئ الواعي أصبح قضية ثقافية لا تقل أهمية عن بناء الكاتب الجيد أو المؤسسة المهنية. فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى من يكتب، بل إلى قاريء يمتلك أدوات الحكم والاختيار.

 

ولأن القارئ هو الذي يقرر ما يمنحه وقته وثقته، فإنه لا يشكل وعيه الشخصي فحسب، بل يسهم أيضاً في تشكيل المجال المعرفي كله. فالأفكار لا تبقى حية لأنها نُشرت، بل لأنها وجدت قراء رأوا فيها ما يستحق النقاش والتداول والبقاء.

 

في زمن أصبح فيه الجميع قادرين على النشر، لم تعد قيمة النص تُحدد فقط بمكان ظهوره، بل بقدرته على أن يجد قارئاً يكتشف قيمته. فهناك نصوص كثيرة تولد وتموت في لحظة، وهناك نصوص أخرى تجد قارئاً يمنحها أجنحتها فتحلق في فضاء المعرفة.

 

فالقارئ ليس نهاية رحلة الكتابة، بل شريك في اكتمال معناها، لأنه هو الذي يمنح النص فرصة أن يتحول من كلمات منشورة إلى معرفة حية.

 

لقد انتقلنا من زمن كانت فيه قوة النشر بيد مؤسسات محددة، إلى زمن أصبحت فيه القدرة على التمييز مسؤولية كل قارئ.

 

وهنا تكمن مسؤولية الإنسان المعاصر في أن يتحرر ليس فقط من احتكار المعرفة، بل أيضاً من الاستسلام لها دون تفكير.

فحرية التعبير لا تكتمل بحرية الكتابة وحدها، بل بحرية العقل الذي يقرأ، ويميز، ويحكم.