للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 53

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

لما كنتُ أقرأ مثل هذه المعلومات، وخصوصاً ما يتعلق بكون المساق إلى الخدمة من عائلة شيوعية أو من حزب الدعوة، لم أكن أُدخلها في الوارد، بل كنتُ أفتحها وأضعها على رأسي تحت البيرية، لأخرج بها من الدائرة بعد انتهاء الدوام، وأصل إلى البيت كي أحرقها في تنور الوالدة دون أن يعلم أحد.

والآن، حين أعود بذاكرتي، أتساءل: أيُّ جنونٍ هذا؟ وأيُّ مجازفةٍ تلك التي كنتُ أُقدم عليها، حين أخفي معلومات أمنية تُشكّل خطراً حقيقياً على المكلّف أو المتطوّع المعني؟ ولِمَ لم يكن هناك تنظيم حزبي لإيصال المعلومات العاجلة؟ فالناس كانوا تحت مطرقة البعث المخابراتي اللعين.

 

وفي واحدةٍ من أخطر المجازفات، وضعتُ إحدى تلك الكتب المعلوماتية على رأسي تحت البيرية، ونزلنا من الطابق الخامس إلى الطابق الأرضي، حيث يُسمح لنا بالانصراف إلى البيوت بعد مغادرة مدير التجنيد. لكن في تلك المرة تأخر في الخروج؛ كانت الأبواب مشرعة والريح شديدة، فخشيتُ أن تطير البيرية وينكشف أمري. عندها قمتُ بحركة تمثيلية، كأنني أرتّب قيافتي، وضغطتُ البيرية على رأسي بكل قوة.

في كل مرة كنتُ أستأجر سيارة أجرة إلى بيتنا في القادسية، استعجالاً للتخلّص من المصيبة التي فوق رأسي.

 

ومع مرور الأيام والأسابيع، كانت تصل تأكيدات بطلب تلك المعلومات، وغالباً ما كانت تخص الأسماء التي وردت في الكتب التي أحرقها. أي أن هناك طلبات لم يتم الرد عليها. وفي كل مرة، كان المقدم حسين يطلب مني التأكد من البريد الوارد، لكنني لم أكن قد سجلت تلك الكتب أصلاً، لذلك لم يكن هناك ما يُثبت استلامها.

 

وبسبب تكرار الحالة، عمد قسم الذاتية في المديرية إلى استحداث ما سُمّي بـ"سجل ذمة البريد"، يوقّع عليه المسلِّم والمستلم، وبذلك ضاقت عليّ دائرة إنقاذ بعض الشباب الذين كانت ترد بحقهم معلومات أمنية قد تودي بحياتهم.

 

كان ابن خالتي عدي والرفيق هامبو يطلعانني على كل الأخبار السيئة التي تحصل للزملاء والرفاق في الموصل، وكان ذلك يعني أن البعثيين ماضون في تهديم كل شيء وفق مقتضيات الفخ اللعين.

 

لقد أقلقني الأمر كثيراً، خاصةً بعدما اعترف بعض رفاق الموصل على رفاقهم. كانت الهجمة هناك شرسة جداً، وظهرت نتائجها المدمّرة، لا سيما أن تنظيمات الحزب في الموصل كانت واسعة وكبيرة إلى حدّ أنهك القوى الأمنية والمخابراتية البعثية. فغادر عدد من رفيقاتنا ورفاقنا الموصل وتركوا مقاعد الدراسة إلى جهات غير معلومة، فيما أُلقي القبض على آخرين، وهكذا تشتتوا.

كنتُ أخشى أن يذكر أحدهم اسمي، فحينها لا بد أن يصل الأمر إلى بغداد... وكان ذلك هو اليوم العصيب.

(يتبع)