للذهاب الى صفحة الكاتب   

"الحركة الوطنيه اللاعراقية" والفشل التاريخي الفاضح/ 3

عبد الامير الركابي

 

اكتسبت مرحله ظهور الاله، بداهة  وقصورا، تسمية الانقلاب الالي قياسا على  اليدوي الذي كان سائدا، وهي تسمية متوقعه ولا يمكن تصور غيرها بحسب الممكن ارضويا احاديا، بما قد وضع ماهو حاصل في غير محله، وخارج دلالته التاريخيه اذا مااعتمد مفهوم الازدواج التاريخي ومساراته الذاهبة من اللاارضوية الى اللاارضوية، ما يوجب عندها اطلاق تسمية "البدء الالي للانتقال اللاارضوي"، مع وبمحاولة اعتماد الاليات التاريخيه الازدواجية الغائبة المطموسه، لا الارضوية الاحادية اليدوية الغالبه.

 

  فاذا ذهبنا الى محاولة وضع لوحة تاريخية ازدواجية  للتحول المقصود، فاننا سنرجع ولابد الى الدورة الازدواجية مابين النهرينيه الثانية العباسية القرمطية الانتظارية المنتهية عام 1258، والتي هيأت اسباب الانتقال من الطور اليدوي بتحفيز اسبابها الاولى مع النهوض الاقتصادي العالمي التجاري الريعي الذي واكب تلك الدورة فشمل موقع الازدواجية الطبقي الاوربي، مطلقا التراكمية التجارية هناك، الامر المنوط الى الدور التحولي التاريخي للمكان الازدواجي الباحث عن التحقق بعد دورة اولى سومرية بابلية ابراهيميه، وجدت كتعبيريه شامله كونية بديلا عن التحقق غير الممكن في حينه مع غياب الوسيلة المادية الضرورية، وممكنات الاعقال القاصرة مجتمعيا، وهو ماقد منح المجتمعات الاحادية المتبلورة امبراطوريا من الغرب والشرق وانصبابها في الموضع الشرق متوسطي، مع روما وفارس اللتان ماهما بحاجة له من الازدواج  بعد اختراقهما المضاد من قبل الموضع اللاارضوي الكوني تعبيرا، ليتحولان الى ماهما عليه طبيعة لا اشتراطات وحكم ظروف، كالانتاجية اليدوية فتتغير الاحادية من يومها ولا تعود مطلقه وان ظلت غالبه تنتظر التحقق اللاارضوي النهائي.

 

   وبعد الانقطاع التاريخي الملازم كخاصية لتاريخ الازدواج الرافديني، والانبعاث في الدورة الثانيه، وتكرار استحالة التحقق مع الخروج من الدائرة المحليه ايام صراع بابل وارض سومر في الدورة الاولى، الى نوع اخر مختلف من العالمية وماعرفه الاقتصاد عالميا من ديناميه ممتدة من الصين الى غرب اوربا، حين حلت لحظة مابعد اليدوية انتاجيا وماعادت قابله لمواكبة اشتراطات العملية الانتاجيه ضخامة ونوعا، ماقد فتح الباب امام ضرورة غير موعاة، ومن غير الوارد ادراك منطوياتها بانتظار نطق الواقع نفسه عن الضرورة الحاله عليه، ومع توفر كل الاسباب للانتقال الالي افتراضا في بغداد كما تساءل  المفكر الطيب تيزيني في التفاته ارضوية مميزه، غير ان هذه القفزة لم تحدث، في حين انتهت تطلعات اللاارضوية وتجلياتها التعبيرية ـ التي لم تكن وقتها لتتجاوز الابراهيمية الحدسية ـ الى "الانتظار المهدوي" مابعد النبوي، اي الاحاله الى دورة وزمن آخر دلاله عن العودة الى الياس من امكانية الانتقال التحولي المنتظر، وفي مثل هذه الاشتراطات عاش العالم من يومها، وبينما ولدت في موضع الازدواج الطبقي اليات الانتقالية مابعد اليدوية مستندة الى الفعالية الاصطراعية الطبقية، فلقد انهارت مجددا وذهبت الى الانقطاع، البنيه الازدواجية الاصل فكان الازدواج بصيغته المجتمعية هنا سببا في عدم حصول الانتقال الالي، فالجانب او المجتمعية البغدادية الارضوية الارضوية تبقى غير منشطرة، ولا ديناميات اصطراعية خاصة تحركها، بينما هي في حال اصطراع مع بنية مجتمع اللاارضوية القائم في ارض السواد، ارض القرمطية والانتظارية ومختلف اشكال التعبيرية، من الاعتزال الى اخوان الصفا وحتى الحلاجية والاسماعيليه والخوارجيه، واما البنيه بكليتها كارضوية/ لاارضوية كونيه، فهي اصطراعية لايمكن ان تكون مغلقه او مسدودة  النهاية بلا حل، او تصل الى مثل هذا الحال ضمن اصطراعيتها كما يمكن ان يحصل للاصطراع الطبقي، الذي قد يحبس كما حصل ابان الاصطراعية الاقطاعية البرجوازية، وتوقفها اصطراعيا بلا مابعد، او مخرج من دون طرف ثالث مادي من خارج الاصطراعية الثنائية كما حصل اخيرا بظهور الالة، في حين ان الاصطراع المجتمعي الرافديني في دورته الثانيه الكبرى، وجد المخرج من احتداميته الاصطراعية وانغلاق الافق، بالانهيار والدخول الدال على عدم التلازمية المجتمعية، في الانقطاع التاريخي الختام المرافق للدورات في هذا الموضع من العالم.

 

 دخل العالم طور نهاية الانتاجية اليدوية مع الامبراطورية العباسية في ارض الرافيدين، وهناك بدا تاريخ الانقلاب التحولي اللااضوي، ومرة اخرى كان هذا الموضع الكوني قاعدة وبؤرة ديناميه اليها يعود الصنف الاول من الانتاجية  بدئيا، مع مختلف الاضافات اللاحقة وفي مقدمها كما اسلفنا، التبلورات الامبراطورية الاحادية الشرقية والغربية الصابه في الشرق المتوسطي بحثا عما ينقصها كينونه وطبيعة، وكل هذا بالطبع مما لم يسبق ان خطر على بال، وظل مطويا خارج الرؤية البشرية لصالح النظرات الارضوية الاحادية التبسيطية والانيه الراهنيه، من نوع تلك التي ترى الانقلاب الالي ابن ساعته وبلا تاريخ وتبلورية سابقه، مثلما ترهن الانقلاب المذكور ساعة حدوثة بلحظته، من دون افاق مطوية وذاهبة نحو غرضية مضمرة في الكينونه والوجود المجتمعي البشري.

 

 وفي سياقات قصورية كهذه ومسارات تاريخيه متشعبه وغزيرة تظل تتحدى العقل، لايمكن وضع الانبعاث الثالث والدورة الراهنه التي بدات اليوم في ارض سومر مع القرن السادس عشر باي شكل كان، ومن اي مدخل، ضمن احتمالية من نوع اكتمال الانتقال المجتمعي البشري الى العقلية، بعد تعدي الفترة الانتقالية الاخيرة للتحول الالي، وتوالي اشكاله بالاصطراعية المجتمعية الارضوية، وانتقال العالم الذي وجدت فيه الاله الى تكنولوجية انتاجية مابعد مصنعية على يد مجتمعية الفكرة المفقسة خارج رحم التاريخ، وبلا تاريخ مجتمعي يدوي، تعتاش بالاستعارة النموذجية على "الابراهيمية" بدءا وتاسيسا(1)، و" الليبرالية الغربية" المنتهية الصلاحية، بعد انتهاء فعل الكينونه المجتمعية للدول والكيانات، ورضوخها للعولمه المتعدية للذاتيه الكيانيه انتاجا  مافوق "محلي"، مع الرضوخ لقيادة المجتمعية اللامجتمعية، بعد كل التخبطات والفضاعات وصولا الى "الفوضى" كما قال بريجنسكي في كتابه المسمى "الفوضى (2) مع ملايين الضحايا، لا فقط في الغرب الاوربي وحروبه التي لاتنقطع، بل وباسم العقائد الموهومه ومشاريع الاشتراكيات بلا اساس غير التخيلات الارضوية.

 

  في كل هذا وبه تتجلى عظمة وخطورة المهمه الكونية الموكوله لموضع ظل كذلك على مر التاريخ، علما بانه ليس مطلوبا منه اكثر من ان ينطق عن ذاتيته المغفله تاريخيا بحكم خروجها وتعديها نطاق المتاح للعقل من الادراكية حتى الساعه، بانتظار قفزه العقل بالاختبار والتجربة المديده، وقرب تبلور الاسباب المادية الضرورية للتحقق العقلي اللاارضوي، وهنا ومع بدء او امكان مباشرة هذه المهمه المغيبه، تبدا "ولادة" العراق ارض مابين النهرين الكينونه "الوطن كونيه" المنطوية على الحقيقة المجتمعية الكبرى المغيبة، والتي بها ومعها تصبح المجتمعات والعالم على موعد مع الحقيقة الكبرى، والغرضية  التحولية المضمرة في الظاهرة المجتمعية البشرية.

  ـ يتبع ـ