للذهاب الى صفحة الكاتب   

حصر السلاح بيد من؟ وجرف الصخر… عقدة الدولة العراقية

ناظم ختاري

 

 

منذ تولّي علي الزيدي رئاسة الوزراء قبل أشهر، أعلن عن خطوات جوهرية تتوافق مع تطلعات العراقيين، خصوصاً في ملفي الفساد ونزع سلاح الميليشيات. ورغم الترابط البنيوي بين القضيتين، تبقى مسألة السلاح خارج الدولة الأكثر حساسية، لأنها ترتبط بجذور إقليمية ودولية معقدة، وتتطلب معالجة شجاعة وحكمة وقدرة على مواجهة نفوذ متشعب.

 

ورغم أن ظاهرة الميليشيات موجودة في دول عديدة تعاني اضطرابات سياسية وضعفاً في مؤسساتها الأمنية، إلا أن الحالة العراقية تختلف كثيراً. فكل جهة مسلّحة تبرر امتلاكها للسلاح بأنه "سلاح وجودي" يحمي طائفتها أو قوميتها من الإبادة أو التهميش التاريخي، وكأن الدولة غير قادرة على توفير هذا الحماية.

 

تبرز في الخطاب السياسي والإعلامي الشيعي ثلاثة مصادر يُنسب إليها السلاح، وكلها تُقصي الدولة العراقية عن حقها القانوني في احتكار القوة.

1- سلاح الله، صرّح الكندي في إحدى المقابلات التلفزيونية بأن هذا السلاح "سلاح الله"، وبالتالي لا يمكن تسليمه للدولة لأنها ليست طرفاً فيه. المفارقة أن الفصائل – وفق هذا المنطق – مستعدة لتسليم السلاح إذا جاءها "طلب إلهي" عبر رسالة بريدية أو مقابلة تلفزيونية موثقة!

 

2- سلاح المهدي، يذهب بعض قادة الإطار التنسيقي ومحلليه إلى أن السلاح يعود للإمام المهدي، ولا يُسلّم إلا عند ظهوره وموافقته. هذا المنطق امتد حتى إلى الأموال، إذ صرّحت عالية نصيف في التحقيقات، حسب بعض التسريبات، أن الأموال التي وُجدت في دارها هي "حصة الإمام". فضلا عن عدد كبير من قادة الشيعة في الصف الأول يؤكدون إنه وفقا للقانون تصرف رواتب شهرية للإمام الغائب.

 

3- السلاح الإيراني، في زيارة إسماعيل قاآني الأخيرة إلى بغداد، قال بوضوح إن هذا السلاح "إيراني". ولا يمكن للفصائل تسليمة للحكومة العراقية، وهنا تتكشف مفارقة أكبر، إذا كان السلاح "سلاح الله أو المهدي"، فكيف يصبح إيرانياً؟ وإذا كان إيرانياً، فلماذا يُستخدم في ضرب منشآت داخل العراق وكردستان والجوار؟ هذا يعني أن إيران تصرّ على إبقاء الميليشيات وسلاحها لحماية النظام السياسي الموالي لها، وإبقاء العراق في حالة اختناق دائم داخل "عنق زجاجة الجعفري".وتعطيل خروج المارد من القمقم إلى ما لانهاية.

 

جرف الصخر… الأرض التي لا يعود أهلها

لمن لا يعرف جرف الصخر، فهي ناحية عراقية في قضاء المسيب بمحافظة بابل، تمتد على مساحة تقارب 650كم²، وكان يسكنها نحو 140ألف نسمة أغلبهم من قبيلة الجنابين، ويعتمدون على الزراعة بحكم وقوعها على نهر الفرات.

بعد 2003، تحولت المنطقة إلى ساحة اضطرابات، ثم سيطر عليها تنظيم القاعدة، ولاحقاً داعش في 2014، قبل أن تستعيدها القوات العراقية والحشد الشعبي في عملية عاشوراء.

 

ورغم إعلان حكومة بابل أن المنطقة ستُفتح بعد ثمانية أشهر لإعادة الإعمار وعودة الأهالي، بقيت مغلقة حتى اليوم، وتحولت إلى مقرات ومعسكرات وسجون ومخازن سلاح تابعة لكتائب حزب الله.

 

والقصف الأخير… يكشف ما هو مخفي، ففي شباط وآذار 2026، تعرضت جرف الصخر لقصف أمريكي– إسرائيلي ضمن الهجمات على إيران، وأسفر عن قتلى من الحشد. تكرار الضربات كشف حجم النشاط العسكري في المنطقة، وأعاد السؤال، لماذا تُدار هذه الأرض كأنها "دولة داخل الدولة"؟

 

الزيدي يقترب من العقدة… وقاآني يصل بغداد

وفق تقارير إعلامية، يستعد رئيس الوزراء علي الزيدي لإرسال قوات من جهاز مكافحة الإرهاب إلى جرف الصخر، وهو ما أثار قلق الفصائل المسلحة، ودفع قاآني إلى زيارة بغداد بشكل عاجل لعقد اجتماعات مع قادة الإطار التنسيقي لمنع أي صدام محتمل، وفي نفس الوقت منع تسليم السلاح إلى الدولة .

هذه التطورات تأتي في ظل إصرار الزيدي على حصر السلاح بيد الدولة بعد انتهاء المهلة الحكومية، ما يجعل جرف الصخر نقطة اختبار حقيقية لقدرته على تنفيذ وعوده.

 

ما الذي تعنيه جرف الصخر لمستقبل العراق؟

أولاً – احتلال غير معلن، كما كان العراق محتلاً عام 2003 من قبل الولايات المتحدة، فإنه اليوم يقع تحت احتلال مبين من إيران، التي تمتلك من الأرض العراقية ما يكفي للتحكم بالقرار السياسي والأمني، عبر سياسيين و فصائل عراقية فقدت بوصلتها الوطنية.

 

ثانياً – الحكومات السابقة كانت جزءاً من المشكلة، فعدم اقتراب الحكومات الإطارية السابقة من ملف جرف الصخر أو سلاح الميليشيات يؤكد ولاءها المطلق للنظام الإيراني، لا للعراق كوطن نهائي لها.

 

وأخيرا إن حصر السلاح بيد الدولة ليس شعاراً سياسياً، بل شرط وجودي لبقاء العراق دولة لا ساحة نفوذ. وجرف الصخر ليست مجرد منطقة مغلقة، بل رمز للصراع على القرار العراقي. وإذا لم ينجح الزيدي في فتح هذا الملف حتى نهايته، فإن السلاح لن يغادر يد الميليشيات لأطول فترة ممكنة، ويبقى العراق في دائرة هشاشة لا تُبشّر بمستقبل آمن أو مستقر.