
صباحات على ثلاث جبهات
صالح مهدي محمد
كنا نلتقي سابقاً أكثر مما نلتقي الآن؛ كان صديقي يزورني، أو نجلس في المقهى كما اعتدنا. أما اليوم، فقد تغير كل شيء، ولم يعد يملك وقتاً لزيارة أو جلسة قهوة طويلة. وكلما عاتبته، ابتسم وقال:
— الأولاد كبروا، والمسؤولية اتسعت.
أضحك:
— وهل كبر الأولاد إلى هذه الدرجة؟
فيجيب:
— نعم، وأنت تعرف ماذا يعني أن يكون عندك ثلاثة أولاد؛ لكل واحد موعد ومكان واتجاه!
كنت أثقل عليه بالعتاب، إلى أن بدأ يروي لي تفاصيل صباحه؛ عندها اكتشفت أن صديقي لا يبدأ يومه، بل يدخل في سباق قبل أن يفتح عينيه جيداً.
كما روى لي، تبدأ الحكاية في السادسة صباحاً؛ يستيقظ على حركة البيت، بينما يستعد أولاده الثلاثة: الأكبر إلى الكلية، والبنت إلى الإعدادية، والصغير إلى المتوسطة. ثلاثة مواعيد، وثلاثة اتجاهات، وأب عليه أن يتكفل بذهابهم وعودتهم!
تبدأ الصرخات:
— أمي! أين قميصي؟
ثم:
— أبي، تأخرت!
— أبي، السيارة جاهزة؟
يخرج صديقي وهو لا يزال يحاول ترتيب شعره:
— واحداً واحداً!
لكن لا أحد يسمع.
الأكبر يريد الوصول إلى الكلية قبل بدء المحاضرة، والبنت أمام المرآة تضبط شعرها وكأن مستقبلها الدراسي معلق بخصلة، والصغير يقف بحقيبته الكبيرة، وكأنه يتمنى لو يعود الجميع إلى النوم.
يصعدون إلى السيارة، وهنا يبدأ السباق:
— أبي، أوصلني أولاً إلى الكلية.
— لا، مدرستي أقرب!
— وأنا؟!
يلتفت إلى المرآة:
— سنصل جميعاً.
ينطلق... وبعد دقائق:
— أبي، أسرع!
— أبي، انتبه!
— أبي، لماذا الطريق مزدحم؟
— لأن الناس تريد أن تصل.
يأتيه الرد من الخلف:
— ونحن أيضاً!
يصمت؛ فبعض الإجابات لا تستحق أن نخسر من أجلها ما تبقى من هدوء الصباح.
يصل إلى الكلية، فينزل الابن الأكبر:
— شكراً أبي.
— الله يوفقك.
يغلق الباب وينطلق؛ لا وقت للوداع، فالمرجلة الثانية تنتظره.
في الطريق إلى الإعدادية، يسأل ابنه:
— أتدرسين؟
— نعم.
ينظر في المرآة، فيجدها منشغلة بهاتفها:
— هذا درس؟
تجيبه بثقة:
— درس في الحياة.
يصمت؛ لا يريد نقاشاً فلسفياً قبل الثامنة صباحاً.
تصل إلى المدرسة، فتنزل:
— أبي، لا تنس أن تأتي لتأخذني.
— لن أنسى.
يغلق الباب... يتنفس... بقي الصغير.
الطريق إلى المتوسطة قصير، لكن الصغير يملك قدرة عجيبة على جعله يبدو أطول من سفر بين محافظتين:
— وصلنا؟
— بعد قليل.
بعد دقيقة:
— الآن؟
— لا.
— أشعر أن الطريق اليوم أطول.
— الطريق نفسه كل يوم.
— إذن السيارة بطيئة!
يكتفي صديقي بالنظر إلى الأمام؛ فالصمت أحياناً أفضل من الإجابة.
يصلان، وقبل أن ينزل الصغير:
— أبي، عندنا اليوم درس الرياضيات، ونسيت الدفتر!
ينظر الأب إليه... ينظر الصغير إليه.
يغمض صديقي عينيه لحظة، كأنه يبحث عن بقية صبره، ثم يقول:
— ادخل إلى المدرسة، وسأعود لأحضره لك.
يغلق الباب... تتحرك السيارة.
فجأة أصبح المقعد الخلفي فارغاً.
لا أحد يقول: «أسرع»، لا أحد يسأل: «وصلنا؟»، لا أحد يبحث عن قميص، ولا أحد يتذكر شيئاً في اللحظة الأخيرة.
يبتسم... ولأول مرة منذ السادسة، يسمع صوت نفسه.
يمد يده إلى كوب القهوة الذي حمله معه منذ الصباح، ينظر إليه، فيكتشف أنه بقي في مكانه حتى برد تماماً... يقول:
— حتى أنت كبرت علي!
يرن الهاتف... زوجته:
— أين أنت؟
— في الطريق.
— أخذت الأولاد؟
— أخذتهم وسلمتهم.
— وأنت؟
يصمت لحظة، ثم يضحك:
— أنا؟! أحاول الآن أن أتذكر إلى أين كنت ذاهباً أصلاً!
هكذا، كما روى لي صديقي، يبدأ صباحه.
لا قهوة هادئة، ولا تأمل، ولا موسيقى صباحية كما يقول أصحاب النصائح الجميلة.
ثلاثة اتجاهات، وعشرات الأسئلة، وقليل من الصبر.
يوصل الجميع إلى مدارسهم وكلياتهم، ثم يعود إلى طريقه، مكتشفاً أن أصعب رحلة في الصباح ليست طريق الأبناء... إنها رحلة الأب في البحث عن نفسه قبل أن يبدأ يومه!
