للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 54

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

في دائرة تجنيد الكرخ كان هناك عريف يُدعى صلاح، موهوب في الرسم والخط، ولديه ستوديو في منطقة أبو غريب للخط والرسم والتصوير. وقد سمع أن خطي جيد.

 

في أحد الأيام، وبينما كنت غارقًا في أزمة التفكير عمّا قد تخبئه الأيام من اعترافات رفاق الموصل، إذا بمراسل ضابط التوجيه السياسي يأتي بعد أن خرج من عند المقدم حسين ليقول:

"النقيب يريدك!"

 

شعرتُ وكأن الدورة الدموية قد هبطت فجأة؛ فالجميع يعرف أن هذا النقيب من أسوأ الأنواع، بعثي حاقد، واسمه (النقيب توما). قصير القامة، مجرم، ويسعى إلى قتل الأبرياء من الوطنيين واليساريين.

خطرت ببالي فكرة مجنونة: أن أقول للمراسل "سآتي حالاً"، وأتجه إلى دورة المياه ثم أهرب... لكنني تراجعت فورًا. ربما هناك أمر آخر، فلماذا أضع نفسي في موضع الشبهة – كما يقولون؟

 

خمسة سلالم تفصلني عن غرفة هذا المجرم، لكن النزول إليها كان يحتاج إلى ساقين قادرتين على حملي. وصلتُ أخيرًا، وقد فقدت نصف، بل ثلاثة أرباع، عافيتي.

أديتُ التحية، وكان عريف صلاح جالسًا على كرسي في زاوية الغرفة. قال النقيب بصوت جاف:

   تعال يا مزاحم، تعرف عريف صلاح؟ (مشيرًا إليه)

   نعم سيدي.

ثم قال:

   حدثني عنك هو والمقدم حسين... أنت تعرف أنه بعد يومين لازم نسوي احتفال بمناسبة عيد الثورة (يقصد 17 تموز). اليوم تبقون بالدائرة حتى تكملون اللوحات الجدارية.

تبعثرت الكلمات في فمي، وكان حلقي يابسًا تمامًا، وبلعومي كأنه مشلول... لكن في اللحظة نفسها شعرت بعودة أنفاسي تدريجيًا.

قال بلهجة آمرة:

   انصرفا.

أدّينا التحية، ولا أعلم كيف فعلت ذلك، وخرجنا أنا وعريف صلاح، الذي حاول أن يطمئنني:

   ولا يهمك مزاحم، أنت خوش زلمة... نكمل بسرعة ونروح لبيوتنا.

 

كان هذا من أصعب المواقف التي مرّت عليّ. شريطٌ كامل من رفيقات ورفاق الموصل مرّ أمام عيني. قبل دخولي إلى غرفة ذلك المجرم، كنت أفكر: كيف سيكون مصيري؟ ماذا سيحدث لأمي وأهلي؟ هل سيبقون أحياء بعد إعدامي؟

وصلتُ البيت عند الغروب، وكانت والدتي قلقة عليّ. دخلتُ الحمام فورًا، فقد كانت ملابسي مبتلة بالعرق الذي غمرني خلال تلك المواجهة. لم أتناول شيئًا، وخلدتُ إلى النوم.

 

مرّت هذه المحنة، لكنها زادت من إصراري على إيجاد وسيلة للتخلص من الجيش، خصوصًا بعد أن ارتكب نظام البعث جريمته بإعدام 31 عسكريًا من عائلات شيوعية وأصدقائهم في أيار 1978.

(يتبع)