
أسباب أخرى للموت
عماد أبو زيد
تاريخ حياة المصريين منذ القدم مليء بالكفاح.. ومعظم أهالينا في ريف مصر لا يعتدون بالتوجهات الخاصة بتنظيم الأسرة.. ولا يعرفون إليها سبيلا.. وإذا عرفوها.. ضلوا الطريق عنها عن قناعة. وهذا يعزو لميراث طويل من القهر عاشه المصري في ظل حقبات استعمارية طويلة.. وأنظمة استبدادية.. عانى فيها المصري من الظلم والفقر.. فلم يجد أمامه من مناص وسلوى.. سوى إنجاب عدد كبير من الأطفال.. والاحتفاء بإنجاب الذكور خاصة.. فالمصري يجد في إنجاب الأولاد (عزوة).. وسند له.. يعينه على مقاومة قسوة الحياة.. بدلا من أن يواجهها وحده وحيدا.. وتفعل به الأفاعيل.. ومن ثم يجد في كثرة الإنجاب الأمان الذي يضمن له أن يحيا حياة كريمة. إذا ما مسه ضر.. وعجز عن العمل.. أو إذا كان الدخل ضيقا.. فالأبناء.. وخاصة الذكور منهم سيتكاتفون معه.. ويقومون بالعمل. وبناء على ما سبق.. يكون وجود الأولاد هو الضمانة الوحيدة للبقاء في الحياة.
والأسرة المصرية بلا شك تحرص في الوقت الراهن على تعليم أبنائها.. إلا أن قسوة الحياة قد تحول دون ذلك.. فدخل الأب الضيق لايتيح "رفاهية التعليم!".. مع زيادة التضخم.. وانخفاض القوة الشرائية للجنيه.
أوقن أن التعليم ليس رفاهية.. بل ضرورة من الضرورات مع الصحة والعلاج.. إلا أنه قد يكون في نظر بعض الأسر رفاهية.. فإنخفاض دخل الأسرة يقلل بلا شك من حظوظ الأبناء في التعليم.
ولذا حين تلوح مواسم جمع محاصيل الفراولة أو الموز أو العنب أو البرتقال أو المانجو.. تدفع معظم الأسر في الريف المصري أبناءها إلى مزارع التحرير والسادات والنوبارية والإسماعيلية والمنيا على سبيل المثال.. وليس الحصر.
وإذا افترضنا لدينا أسرة مكونة من أب وأم وثلاث أبناء.. يمضي الأبناء ومعهم الأم إلى إحدى المزارع عبر وسيط.. أو مقاول أنفار.. يتفق مع المزرعة.. ويوفر وسيلة النقل.. قد تكون سيارة ربع أو نصف نقل أو ميكروباص أو باص.. وعند عصر اليوم.. تعود الأم ومعها الأبناء الثلاث وفي يدهم ربعمائة جنيه.. هذا بالإضافة إلى دخل الأب من عمله.. وقد لاحظنا أن مائة جنيه دخل الفرد الواحد على أقل تقدير.. قد لا تشكل قيمة مالية كبيرة.. إلا أنها في حالة تكاتف الأسرة تتحول إلى رقم مهم في معيشتهم.
وهكذا يولد الأطفال من بطون أمهاتهم رجالا في بر مصر.. يعرفون قيمة العمل.. ومعاني الجهد والتعب والشقاء. ليس ثمة وقت للعب واللهو إذن.
ويمضون إلى المدارس حين تشرع أبوابها.. ومعهم مصاريف السنة الدراسية.. وكل ما يلزم للمدرسة من أدوات دراسية.. وفوق ذلك متطلبات الدروس الخصوصية.. والكتب التعليمية الخاصة الخارجية.. ولا ننسى فطورهم قبل مغادرة البيت صباحا ومعهم مصروفهم وساندوتشات.. وأجرة المواصلات.
ليس المطلوب إذن أن نعيد النظر في قانون الطفل.. وتجريم عمالة الأطفال.
وليس المطلوب أن نشدد الرقابة على الطرق وتغليظ العقوبات على سائقي سيارات الربع والنصف نقل لمخالفتها لضوابط المرور.. واستخدامها في حمل ونقل الأفراد. وليس المطلوب تمهيد الطرق وإعادة رصفها.
كل ماسبق ذكره مهم في تقليل نسبة حوادث السير والطرق.. وعدد قتلى الطرق.. لكن لا بد للنظر في أسباب أخرى ذكرتها في ثنايا السطور تؤدي إلى الموت.
