للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 56

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

بدأتُ أحسبُ الأيام ساعةً ساعةً حتى تنتهي مدةُ الأشهر الثلاثة، وفعلاً صدق الرجل (مدير التجنيد العام)، وجاءت برقية التسريح. وكنتُ أولَ جنديٍّ مُكلَّفٍ يُسرَّح من مديرية تجنيد الكرخ. وحسب ذاكرتي، فقد كانت الساعةُ العاشرة صباحًا يوم 2 /12 /1978، إذ كانت جميع الإجراءات سهلةً وجاهزة، فكلُّ الضباط والمراتب يعرفونني ويُكنّون لي المودة.

 

انطلقتُ من بناية مديرية تجنيد الكرخ، الكائنة في العلاوي، بعد أن ودّعني منتسبو تجنيد أبو غريب وداعًا يليق بالمحبين، وكان في مقدمتهم المقدم حسين. تركتُ البناية وأنا أكسر أولَ أغلالي، منطلقًا نحو فضاءٍ بلا قيود الدولة.

 

في الجانب الآخر، لم تكن لديّ أي معلومات مباشرة من مصدر حزبي عن الساحة السياسية، لكنني كنتُ على درايةٍ بما يجري. ومن ذلك الأخبار السيئة بشأن العلاقة (الجبهوية!!)، إذ قام النظام بإغلاق جريدة "طريق الشعب" بحجةٍ واهية، وفبركت وزارة إعلام البعث ادعاءاتٍ كاذبة بحق الحزب، ثم ملأوا الأسواق بكتاب "أضواء على تأريخ الحركة الشيوعية في العراق" لمؤلفه (!!) سمير عبد الكريم، وهو مجموعة من الأحاديث والقصص و"اعترافات" الشيوعيين تحت التعذيب الفاشي. ثم شنت جريدة "الراصد"، عميلة المخابرات العراقية، هجومًا وقحًا على الحزب.

 

كانت كل هذه مؤشراتٍ لكل الشيوعيين وأصدقائهم على تفاقم الأوضاع باتجاه المخطط الإجرامي الذي رسمه البعث ضد الحزب الشيوعي العراقي.

 

حاولتُ، بمختلف الوسائل، أن أجد صلةً مع الرفاق، ولكن دون جدوى، فقد اشتدت حملات الأمن والمخابرات وأعضاء الحزب الحاكم ضد كل شيوعيةٍ وشيوعي، وضد عائلاتهم وأصدقائهم. وتفرّق عقد الرفاق، ولم يعد أحدٌ يتصل بالآخر إلا في حالاتٍ نادرة، أو ممن تمكن من الاختفاء، أو من استطاع إيجاد صلة مع القيادة المتبقية.

أما إخوتي، فلم أسمعهم يتحدثون عن شيء، سوى كلماتٍ متفرقة هنا وهناك يلعنون فيها الجبهة.

 

كانت كل الأخبار تشير إلى أن البعثيين، بقيادة المجرم صدام، يشنّون حملة إبادة جماعية ضد الحزب الشيوعي، لإتمام ما بدأوه في 8 شباط 1963.

وفعلاً، فقد حققوا ما سعوا إليه باستخدام السلطة والقوة، وكل إمكانيات الدولة، من أجل بلوغ هذا الهدف، متوهمين أن الحزب الشيوعي العراقي سينتهي.

(يتبع)