
"الحركة الوطنيه اللاعراقية" والفشل التاريخي الفاضح /5
عبد الامير الركابي
ليس ماظل يمنع العقل من مقاربة الذاتيه الرافدينه الازدواجية المجتمعية اللاارضوية بالامر العادي، او مجرد الصعب وحسب، فالنموذجية المقصودة هنا هي "آخر" على مستوى الاعقال والنوع الشامل لاجمالي الحياة وديناميات الوجود ومن ثم على مستوى نوع الادراكيه، واهم ماياخذنا الى المجال المطلوب التعرف عليه بهذا الخصوص، استلهام طريقة نظر غير التاريخانيه الارضوية المتعارف عليها، ومما لايدخل في باب الاركولوجيا المعتادة، مع ما يحمله ذلك من سمات المجازفة التفكيرية الذاهبة الى كسر قواعد اساسية تصل حد المقدسات والثوابت التي لا تقارب، باعتبارها ابعد ما وصل اليه الكائن البشري الارضوي الاحادي من اسس ومرتكزات في النظر لوجوده والعالم.
هذا مع العلم ان مقاربات الكائن البشري من هذا النوع تتباين وتتبدل بحسب الاطوار الاساسيه الفاصلة، خصوصا مابين يدوية بدئية وماقد حصل بعد ظهور الاله، فالغرب انتقل من الرؤى الاولى والفلسفات التاسيسيه الاغريقية الى "النشوء والترقي" الداروني ومدلوله الفاصل، كما عرف اليوم "اخر العلوم" المعروف ب "علم الاجتماع"، وحضرت ايضا "الطبقات وصراعها" ومن ثم نظريتها في التاريخ والياته وحتميات مساره، ليحل "العصر" والعقلانيه والحداثة، وهي قفزة لا سبب يوجبها او يفسرها غير الانقلاب الالي واثره في الديناميات المجتمعية والعقلية.
والانتقال الالي هو انتقال نوعي مجتمعيا اذا اخذنا بالمنظور الاخر المبعد، كون المجتمعات تنشا لاارضوية متعذرة التحقق واقعا لنقص وانتفاء العناصر الاساسية الضرورية في حينه، ولغلبه الانتاجوية اليدوية الجسدية الحاجاتيه التي لا مكان لها، ولن تعود ممكنه او قابله للاستمرار مع حلول الزمن الالي الذي هو بالاحرى لحظة توفر اسباب الانتقال الى اللاارضوية العقلية مكان الجسدية التي انتهى طورها، بعدما ادت المطلوب منها وهيات بمسارها وتفاعليتها ومسار الياتها، اسس المطلوب والضروري لمغادرة نوع من المجتمعية الانتقالية الضرورية موضوعيا، وللحاجة.
وتبدو قوة الدفع الالي فوق المعتاد على الصعد المختلفة الحياتيه، فتنقلب الحياة المجتمعية الارضوية الاليه لدرجه تكاد تحسم بخصوص الحاصل ومدياته ونوعه كلحظة انقلاب وتطور هائله متجاوزة لقدرة الكائن البشري على المحاكمه او الفحص، مما يمنح الغرب ومنجزه في حينه موضعا تغلبيا فاصلا تفكرا ونموذجا حياتيا، من غير الوارد عدم قبوله والرضوخ لحكم موضوعاته، بالذات في البلدان التي لم تعرف بعد الانقلابيه الاليه، في وقت يبدو فيه وكان اللحظة التاريخيه قد اوصدت وانتهى مايخصها، فلا احد كان يمكن مثلا ان يرى بان موضوعات واشكال منجز اوربا بهذا الصدد هي مقدمه، وان هنالك ما يمكن انتظاره استكمالا قبل ان يصبح الانقلاب الالي مكتملا بالفعل.
وتحضر هنا بقوة استثنائية مسالة القصور العقلي لا الطبقي ولا بما خص الظاهرة المجتمعية او النشوئية الترقوية، بل ماهو اخطر بكثير مما ظل مغفلا وخارج النظر البشري على مر التاريخ، فيسقط كليا من الاعتبار او النظر الازدواج المجتمعي والمجتمعية الثنائية "اللاارضوية/ الارضوية"، برغم تعبيرية الاولى الشاخصة والماثلة في كينونه وبين تضاعيف المجتمعية الارضوية، باعتماد نوع الغاء وطرد اعتباطي جهول من نوع الاقصائية "الدينيه" الماورائية لظاهرة معاشة يوميه وحياتيه وجودية شامله ملموسه، من غير المعقول ان لا تحضر اليوم مع الانقلاب النوعي الكلي المجتمعي، وقوة الاحتمال الذي يضع المتغير المستجد في خدمة حضورها التاريخي التحققي، مع زوال اسباب استمرار الهيمنه الارضوية.
على العكس من مثل هذا الافتراض تذهب الالية الارضوية الى المزيد من محاولة الغاء لابل سحق كل اثر للمنظور اللاارضوي الابراهيمي، مع تكريس نزعة "العلموية" و"العقلانيه" وكاننا اصبحنا امام حالة اجهاز نهائي وكلي على ظاهرة كانت موجوده لاسباب راها اصحاب المنظورات العقلانيه مرهونه بالتخلف وسيادة مفاهيم الزمن اليدوي الغابر، من دون ان يخطر لهم احتمال ان تكون لها طبعة اخرى مواكبه للتغير النوعي الحاصل بالالة، وهنا يتكرس ملمح من اهم ملامح منظورات الارضوية الالية بالمتبقيات اليدوية، وهو ماقد ظل حاكما لمنظور الغرب لاجمالي الانقلاب الالي في الموضع الازدواجي الادنى الطبقي والاعلى ديناميات ضمن صنفه المجتمعي، بما قد منع اكتمال الانقلابيه الاليه، وجعلها محكومه بالمرور بمرحله هامه انتقالية تعيش المعمورة ابانها وماتزال ما يمكن ان نطلق عليه اسم "الانقلاب الالي بالمنظور اليدوي ومتبقاياته".
ومع ماقد حصل في فترات متاخرة قريبه من اشكال نظر قلبت المنظور الموروث عن الكائن البشري بالاخص مع نظرية دارون النشوئية الترقوية، الا ان الاثر الارضوي لم يتوقف عن الحضورهنا بقوة فاصله، وظلت النشوئية موكولة الى اكتمال الجسدية بالعقل باعتباره عضوا من بين اعضاء، وجوده غاية ومنتهى بغض النظر عن واقعة توقف الجسد واعضائة عن التطور، بمقابل استمرار العقل على تطوره مع الذهاب لايقاف وانهاء عملية الترقي عند نقطة ظهور العقل بصيغته الابتدائية، وبلا اي احتساب لاحتماليات عقلية قد تكون مستمرة بحيث يكون ظهور العقل ليس نهاية النشوئية عقليا، مع انها تصل وقتها نهايتها جسديا مع انتصاب الكائن البشري على قائمتين واستعماله ليديه، لندخل من يومها الطور النشوئي العقلي الذاهب الى حيث تكتمل اسبا ب حضوره وفعاليته الكلية المقصوده بعد المرور بالفتره المجتمعية الانتقالية الارضوية المنتهية الصلاحيه من هنا فصاعدا.
هنا يصير ماقد عاشه الكائن البشري الى اليوم هو الطور الثاني المجتمعي من التطور العقلي الارتقائي، لا التاريخ الانساني كما هو معتمد لاسباب قصورية متوقعه، فالانسان لم يوجد بعد، لانه مرهون بالعقل وحضوره المتعدي للجسدية ومتبقيات الحيوانيه التي ماتزال عالقة به، ووقتها تنتهي "الانسايوانيه" الانتقالية الحالية: بعد ان يدخل عالمنا صيغته اللاارضوية المرهونه لبلوغ التاريخ الارضوي نهايته، بعد الظهور الاول الافتتاحي الراهن الابتدائي للعقل بصيغته الجسدية اليدوية الحاجاتيه، وهذا ما يتطابق عند النظر مع منطويات الازدواجية المجتمعية ما بين النهرينيه الابتداء المغفل، والمتعدي للمتاح للعقل من قدرة على الادراك.
فهل مثل هذا الانقلاب وارد وممكن؟ وهل بالامكان تصور حضور منظور ورؤية اخرى مكمله، لابل هي المقصود المضمر من عملية الانتقال الى الالة، وان تكن الاله لم تولد الا في موضع بعينه هو الازدواج الجزئي الطبقي المقابل على الطرف الاخر المتوسطي لموضع الازدواج المجتمعي، والتعبيري الفلسفي الاغريقي مقابل التعبيريه اللاارضوية قوة الازدواج المجتمعي الشرق متوسطية الابراهيميه، التي كانت السبب في اطلاق شرارة التحول الاوربي الاقتصادي الطبقي الذي افضى لظهور الاله، ويجدر السؤال هنا ياترى هل ثمة اصلا من وجود باق للاارضوية في موضعها مايزال، لنجد امامنا الانبعاثية الثالثة السومرية الحديثة مع القرن السادس عشر، قبل الانبثاق الالي الاوربي مع ظهور "اتحاد قبائل المنتفك" عام 1530 القبلي، ثم الثاني الانتظاري النجفي، وصولا في الطور الاستعماري التغلبي ونموذجه الافنائي الى "الشيوعية اللاارضوية" 1934 / 1958 بفعالية وقوة الاستبدال اللاارضوي للمقارب والقابل للفعل في لحظته، لتظل الى الساعة تداعيات ومساراضطرابي لايهدأ مكمل بصيغ مستحدثة لحالة "العيش على حافة الفناء"، التي بلغت اليوم درجه من الغلبه الطاحنه والاحتدام التدميري القريب من التدميري الافنائي الشامل. ما يعني وجود واستمرار اللاارضوية بقوانينها ودينامياتها المغفله كما كانت دائما، اي وجودها النوعي الفاعل واقعا وان يكن منكرا وعيا.
فماذا ننتظر وماذا يتوقع لنا ان نشهد غدا "وطن كونيا" عراقيا.. مما ينتظره العالم والوجود وكان على موعد معه منذ اليوم الاول للحياة على كوكب الارض؟
ـ يتبع ـ
