
من رحم النضال/ 58
د. مزاحم مبارك مال الله
في اليومين التاليين بدأتُ أتردد على الساحة القريبة من الفندق، والتي تُسمّى أيضًا ساحة موسكوفا. كنتُ أقضي الساعات متأملاً العمارة الفاخرة والتطور الحاصل في هذا البلد ذي الخصوصية في بناء الاشتراكية.
(كنا متأثرين حدَّ النخاع بالتجربة السوفيتية، ومتأثرين بالتثقيف المنحاز تماماً إلى الحزب الشيوعي السوفيتي، لذلك حينما نشأنا وتقدم بنا العمر، تقدم معنا أيضًا عشق الاتحاد السوفيتي وحزبه الشيوعي، لكنه كان عشقًا عاطفيًا ليس أكثر، وعلى قدر معرفتنا السطحية بالسياسة).
بقيتُ على هذه الحال لمدة أسبوعين، إلى أن جاءني، وأنا جالس على إحدى المصاطب، شابٌ حنطيّ البشرة، متوسط الطول. ومن لهجته عرفتُ أنه إما نجفي أو كربلائي. ألقى السلام والتحية، ثم سألني:
"هل أنت من أقارب باسل بشير؟"
انفرجت أساريري وشعرتُ بارتياح شديد. قلتُ له: أهلاً وسهلاً.
قال:
"اسمي وفي، وأنا صديق باسل. وباسل مسافر الآن، وأنا أستطيع أن أقدم لك أي خدمة إلى أن يعود. أين تسكن؟"
اصطحبني معه إلى شقته على أمل أن أنتقل في اليوم التالي إلى غرفة باسل التي استأجراها هو وصديقه شاكر في شقة رجل يوغسلافي يعمل في مسلك الشرطة، وهو سيتكفل بالتفاهم مع صاحب الشقة.
وفعلاً، في اليوم التالي انتقلتُ إلى غرفة باسل (طبعًا لم تكن شقة بالمعنى الكامل، بل غرفة ضمن شقة)، وسكنتُ فيها لحين عودته.
توثقت علاقتي بصديقي الجديد "وفي"، الذي جمعَتْنا أمواج الغربة. كان اسمًا على مسمّى. تعمقت علاقتنا حتى اطمأنّ لي واطمأننتُ له. فتح لي قلبه وأخبرني أنهم تسعة إخوة ذكور. والده رجل معمّم معروف في مدينة النجف، لكن جميع إخوته شيوعيون، باستثنائه هو، إذ ينتمي إلى حزب الدعوة.
لا يعرف شيئًا عن إخوته بعد هجوم البعث المجرم على الحزب الشيوعي وحزب الدعوة. أما والده فقد هرب إلى إيران رغم تقدمه في العمر، وهو كذلك هرب إلى إيران ومنها إلى يوغسلافيا.
سألني عن نفسي، فحدثته ببعض المقتطفات، دون أن أعطي أي معلومات سياسية، واكتفيت بالقول إننا لسنا بعثيين ولا نحبهم.
أكد لي مرة أخرى إن كنتُ بحاجة إلى شيء.
قلت: نعم، أريد أن أتصل بأهلي.
ذهبنا إلى البريد، وأكد عليّ أن لا أشير إلى أي شيء، فالتلفونات مراقبة.
اتصلتُ بأهلي، فاطمأنوا عليّ واطمأننتُ عليهم. وأخبروني أن أختي الكبيرة وزوجها موجودان في براغ للسياحة الآن، فإما أن أذهب إليهما أو يأتيا إليّ. وأعطوني رقم هاتفهما.
رجعنا أنا ووفي، وكنتُ منتشيًا قليلًا، وقد نسيتُ غياب باسل. وبعد يومين اتصلتُ بأختي، وكانت في غاية الفرح والسعادة. واتفقنا أن نلتقي في براغ، وأرسلا لي العنوان، رغم أنهما أكدا أنهما سينتظراني في محطة القطار.
(يتبع)
