
يوميات حسين الاعظمي (1479)
التجربة النسوية في غناء المقام العراقي/ 1
من كتابي الثاني (المقام العراقي باصوات النساء) الصادر في كانون ثاني 2005.
***
تضمن فن تراثنا الغناسيقي (المقام العراقي) مطلع القرن العشرين، أفاقا أساسية تبلورت من خلال الظروف التي مر بها الغناء المقامي العراقي في القرن التاسع عشر وفي نصفه الثاني على وجه التحديد. وإذا استثنينا مطرب القرن التاسع عشر احمد الزيدان(1832-1912) وكذلك المطرب الكبير رشيد القندرجي(1886-1945) فسوف نرى ان فن الغناء المقامي العراقي في هذه الحقبة، لم يكن متفوقا في نواحيه الفنية..! ولكنه كان قد وصل إلى درجة معينة تبدو مقنعة من حيث الشكل يرضى به جمهوره آنئذ. غير ان اذواق الجمهور وجمالياته المتنوعة، ليس لها استقرارا وليس لها ثباتاً وهذه طبيعة تغيُّرات وتطورات الحياة وكما يقال (وللناس ما يعشقون مذاهب). فكان ان لجأ المبدعون كما اسلفنا في كتابات سابقة الى التجويد الديني والدنيوي والتعبير بالاداء والاجتهاد في تلمس منفذا يواكب التطور الحاصل. ولم تكن هناك قصور من قبل الاتجاهات الجمالية، سواء في الاتجاه الكلاسيكي او الرومانسي او الواقعي او غيرها في الغناء المقامي. فظل اسيراً للتقليد المتوارث، بالرغم من ان الايام تسارعت وهي حبلى بالتطورات والتقدم التقني والأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية. الا ان موسيقى وغناء المقام العراقي مع كل ذلك، بقي موضوع اهتمام كبير من لدن الجماهير. كما ان بوادر التطور السريع قد بانت في الافق، خاصة بعدما وصل الغناء المقامي العراقي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الى ذروته في التعبير. لذا تململ المبدعون من المجددين صوب التعبير الجمالي وهيكلة الغناء بطبيعة الامر. حقا كانت اللغة الادائية للمقام العراقي قد وصلت الى ذروتها في الصدق والتعبير عن الحقبة او الحقب التي مرَّ بها العراق ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا. ولكن لم يحاول المؤدون المقاميون بصورة عامة. تحسّس طريقهم للوصول الى مقومات فنية متطورة لغنائهم المقامي الحقيقي. فن خاص بهم. فن يحسّون انه فنُّهم وشخصيتُهم. ولم يتمكنوا من الوصول الا الى مستوى بسيط من الفن والعلمية. فاعتمدوا على الفطرة والخبرة التي يمتلكونها..!
على اية حال، ان فن هذا الغناء الذي تطور وبرز في القرن العشرين، يدين بالفضل للحقب التي سبقته في القرن التاسع عشر. لان اصول هذا الغناء عميقة في احاسيس ومشاعر المغنين والموسيقيين وابناء البلد جميعا. مما يدلل لنا عن وجود الاصالة الفكرية والاصالة الغناسيقية المتاصلة الجذور.
ان هذه الاسطر، مجرد توضيح بسيط يتخلل السكون الذي كان منذرا بتغييرات وتطورات جديدة ظهرت بصورة اوضح مطلع القرن العشرين. منذرا بكشف الغموض الذي يكتنف الوجود الغنائي المقامي النسائي الهارب من الحياة. وعليه فان احد الاستحواذات الرئيسة في هذه الاوضاع الفنية، بدأ بالظهور عند التطور التكنولوجي الآخذ بالسرعة بصورة مستمرة ومتزايدة. وفي الصراع الذي احتدم بين الطرق الغنائية المقامية وخاصة طريقة رشيد القندرجي (الطريقة القندرجية) وطريقة محمد القبانجي (الطريقة القبانجية) وكذلك ظهور المرأة لأول مرّة على مسرح الاحداث كظاهرة جديدة. اذ يبدو ان تاثير صديقة الملاية وسليمة مراد وسلطانة يوسف وزهور حسين ومائدة نزهت ولميعة توفيق وهناء وانوار عبد الوهاب وانيسة وفريدة محمد علي ورند دريد وسحر طه وغيرهن. بارز في فن الغناء المقامي العراقي كتجربة نسوية رائدة طيلة القرن العشرين. وكذلك يجب ان نتذكر،ان مواهب هؤلاء النسوة المغنيات. وامتلاكهن مقاليد التطور المتواصل عبر جيل كل مغنية منهن. ومن ثم مقاليد وناصية التاثير في الاتجاهات الجمالية عموما. اصبح امراً مفروغاً منه، بعد ان اقتنع المجتمع بأن النسوة من الفنانات المغنيات قادرات على الوقوف بثقة وعلى التقدم والتأثير بعد ان اجتزن مرحلة التاثر.
ونحن نتواصل في حديثنا عن ابرز المغنيات المقاميات العراقيات، يصل بنا المطاف الآن الى مطربة من الاجيال الاولى، هي صديقة الملاية. لنتحدث عنها في الحلقة القادمة وعن اهم نتاجاتها الغنائية المقامية العراقية.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.

صورة واحدة / فرقة انغام الرافدين. طه غريب وصباح هاشم وستار ناجي ومحمد خليل و ...... ؟
