
من رحم النضال/ 59
د. مزاحم مبارك مال الله
في محطة قطار بلغراد، المتجه إلى براغ، ودّعني وفي متمنياً لي التوفيق، ودسَّ في جيبي مبلغاً من المال. اعتذرتُ عن قبوله، كما زوّدني برقمَي هاتف لشيوعيَّين من أصدقاء إخوته. لم أُعر الأمر أهمية، لأن الأوضاع العامة لا تساعد على منح الثقة، ولم أمنح ثقتي لوَفي إلا بعد حين وتراكم الكثير من الاختبارات.
غادر القطار السريع باتجاه براغ، واستمرت الرحلة يومين بسبب صعوبة الظروف الجوية وتراكم الثلوج. أذكر أني تَضَوَّرتُ جوعاً خلال الطريق، إذ لم أحسب حساب مدة السفر، ولم أتمكن من العثور على مطعم القطار.
وصلتُ إلى محطة قطار براغ، وتوقف القطار في الرصيف الذي وصفته لي أختي، فوجدتها وزوجها بانتظاري. كان لقاءً حميماً. وما إن وصلنا إلى شقتهما المستأجرة حتى اتصلت أختي بأهلنا لتطمئنهم، ثم هرعنا لتناول الطعام.
صدمتني أختي بخبر أن باسل في بغداد، وأنه منشغل بإجراءات السفر إلى أمريكا، حيث تكفلت عماته باستقدامه إلى الولايات المتحدة لغرض الدراسة. بمعنى أنه لن يعود إلى يوغسلافيا. وأضافت: "سيتصل بك."
كان خبراً صادماً حقاً، إذ هدم أحد أركان مشواري الدراسي. كنت مصمماً على الاستفادة من تجربة الموصل، وعلى استعادة نفسي إلى وضعي الطبيعي، لكن خبر عدم عودة باسل جعل رؤيتي للمستقبل أكثر صعوبة وسوداوية، كوني لا أحتمل خوض تجارب جديدة بمفردي.
كانت مدة بقائي مع أختي وزوجها قصيرة، لم تتجاوز اياماً معدودات، قضيناها في أجمل مناطق وأشهر مطاعم براغ. فبراغ تحفة معمارية لا تتكرر في عواصم أخرى، بل يمكن القول إنها أكبر متحف مفتوح في العالم.
حاولت أختي وزوجها إقناعي بالعودة معهما، لكني رفضت، وأصريت على البقاء في أي دولة بحثاً عن مقعد دراسي، لأستعيد مكاني الذي فقدته بسبب أخطائي في الموصل وعدم اهتمامي بالدراسة. إلا أن هاجس أهلي ظل حاضراً: من يضمن ألا تتكرر تجربة الضياع مرة أخرى؟
كانت الشقة التي استأجرتها أختي وزوجها في وسط العاصمة براغ، وتتكون من ثلاث غرف وصالة جلوس ومطبخ صغير. تعود لامرأة تشيكية تسكن مع ابنها الشاب في إحدى الغرف، وتؤجر الغرفتين الأخريين للسياح وفق نظام التأجير المتبع لديهم. ويبدو أن الوضع المعيشي في تشيكوسلوفاكيا آنذاك لم يكن سهلاً، ما يدفع الناس إلى مثل هذا الأسلوب لمواجهة صعوبات الحياة وتحقيق مستوى معيشي أفضل.
بعد انتهاء مدة إجازتهما، ودّعت شقيقتي وزوجها، حيث غادرا جواً إلى بغداد، وعدتُ أنا إلى الشقة لأكمل ما تبقى من أيام الإيجار.
وهنا حصلت المفاجأة...
(يتبع)
