
من رحم النضال/ 60
د. مزاحم مبارك مال الله
غادرت أختي وزوجها على متن الخطوط الجوية العراقية إلى بغداد، وأخذت معها روحي إلى العراق وأهلي.
نزلتُ إلى الصالة الكبرى التي تتوسط بناية المطار لإتمام ما كنتُ قد رتبتُه لذلك اليوم، وهو أن أذهب إلى القسم العربي في راديو براغ، وكان العنوان عندي من بغداد، لكنني رتبتُه بطريقة الشفرة التي علّمني إياها رفاقنا الأنصار في بيبان.
وبينما أهمّ بالخروج من الباب الرئيسي للصالة، إذا بشخص يمسك ذراعي ويقول بصيغة السؤال:
"الأخ عراقي؟"
• نعم.
سألته بصيغة الحذر من أزلام النظام المرتزقة:
"تفضل، آمر خدمة؟"
فقال:
"لا شيء، عرفتك عراقياً من وجهك، فلربما تحتاج إلى مساعدة.. هل وصلت الآن؟ ولمن ذاهب؟"
فقلت:
"لا، شكراً.. فأنا في إجازة لزيارة صديقي المقيم هنا."
• هل صديقك طالب؟ وفي أي جامعة يدرس؟ وما هو اختصاصه؟
• عزيزي، شنو؟ حضرتك جاي تحقق وياي؟ أعتذر، ما أريد أتأخر، فصديقي ينتظرني بسيارته في البارك.
(طبعاً لا يوجد صديق ولا سيارة). ثم ان الغبي لم ينتبه الى اني لا احمل او اسحب اية حقائب سفر كبيرة او متوسطة..! فكل الذي معي حقيبة سامسونايت والأخرى يدوية صغيرة.
المهم، بطلوع الروح خلصتُ منه، ومنذ البداية شممتُ فيه رائحة المخابرات، علماً أنه شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر.
تركته عائداً إلى الصالة بحثاً عن دورة المياه.
مضى من الوقت ربع ساعة بعد أن تركتُ هذا العميل. خرجتُ من بناية الصالة، وعبرتُ الرصيف، وأوقفتُ سيارة أجرة. وعلى عجل اندفعتُ إلى داخل السيارة، ولكوني مرتبكاً مما حصل مع مرتزق المخابرات العراقية، أعطيتُ السائق الورقة المكتوب فيها العنوان... لكنه لم يفهم ما كُتب فيها. رأيتُ أن السائق يضع قلمجاف أمام الزجاجة الأمامية، فطلبتُ منه بالإشارات أن يناولني القلم، وعدّلتُ العنوان بالطريقة التي يفهمها، على شكل رسومات مبسطة. هزّ الرجل رأسه دليلاً على أنه فهم المطلوب.
عند الإشارة الضوئية توقفت السيارة، وإذا بهذا (الكلب المخابراتي) المرتزق، ومن وراء مسافة ــ لكنها كانت قريبة ــ يطلّ من شباك سيارته ويقول:
"ها أخوية، هذا صديقك؟ والله إنتو الشيوعيين ما تكعدون راحة، بس ما تخلصون من عدنا!!"
تجاهلتُه وتعاملتُ معه كأنني لم أسمعه، ولا كأنه قد وجّه كلامه إليّ.
وصلنا إلى المبنى المقصود وكان الجو ممطراً. أجواء براغ رائعة، وتختلف عن أجواء كل أوروبا. نقدتُ السائق أجرته، التي لم أعرف كم كانت، فقد أعطيته مجرد ورقة نقدية من المبلغ الذي أعطتنيه أختي وزوجها، فأعاد لي الباقي.
ترجلتُ من السيارة، وبقيتُ واقفاً في مكاني متلفتاً تحسباً لمتابعة ذلك المرتزق.
ودلفتُ إلى داخل البناية.
(يتبع)
