للذهاب الى صفحة الكاتب   

يوميات حسين الاعظمي (1481)

التجربة النسوية في غناء المقام العراقي/ 3

صدّيقة الملّاية المطربة الرائدة

(1900-1970)

 

من كتابي الثاني (المقام العراقي باصوات النساء) الصادر في كانون ثاني 2005.

***

 

 ان الاصوات الحالمة والأسىالذي يفرض نفسه، والاحزان جميعها تضاف إلى تجربة القيود الاجتماعية الصارمة التي عاشتها المرأة العراقية في العهود السابقة. وكل ذلك بمثابة الفحوى الأساسي لتعابيرها الاصيلة في هذه الحقبة من بدايات القرن العشرين. ان أغنية (الافندي) أو أغنية (للناصرية) وغيرها، تثير فينا هذه الخيالات والتأملات.

    لقد تمكنت صديقه الملايه، ليس فقط من وضع حجر الأساس، بل ومن تثبيته لعنصر المرأة في مشاركتها الرجل بغناء المقام العراقي. ووضع الخطوط العريضة لهذه الجذور، ومن ثم توالي الاجيال النسوية.

      ان الشيء المثير الذي يمكن للجمهور المستمع الحصول عليه من مقامات مثل مقام الحكيمي ومقام المحمودي ومقام البهيرزاوي أو أغاني مثل (الأفندي وللناصرية وياصياد السمج) أو غيرها. هو الشعور بالصوت الذاتي. التعبير الذاتي. للشعور بالأنا. الشعور بالخصوصية. كل ذلك يبرز بقوة كتعبير واقعي عن حقبة التحول التي اتسمت بالاتجاهات الجمالية الرومانسية الحالمة. وبالتالي اتاحة الفرصة للفرد للاعلان عن امكانياته الذاتية لاول مرة في تاريخه. ففي العديد من أغاني صدّيقة الملاية، تعبر فيها عن تجاربها، لتظهر شخصيتها بقوة وثقة كاملة بنفسها. تصاحبها لغة غنائية فنية جديدة يمكن وصفها بأنها جميلة جاءت بصوت أدهش الكثير بادىء الأمر. أهو جميل حقاً..!! انه صوتها. الذيكان وسيلة للتعبير عن غاياتها وأصالتها كعراقية، التي تصدر عن غناء وموسيقى العراق في كل عصوره التاريخية.

 

    اعتقد ان الكتابه عن المطربة القديرة صدّيقة الملاية، عملية لاتخلو من صعوبة. بحيث لايمكننا ذكر كل الدلائل التي تشير إلى كل حياتها وسيرتها الفنية. وان مايعرف عنها، انها مارست الاداء الديني في بدايتها في جمعٍمن المنشدات من اقرانها مكوّنة فرقة انشادية دينية لأقامة المناقب الحسينية (هامش1) والشعائر الاخرى من الافراح والاتراح وهي تقودهم، حيث توصف بالملّاية. ولطول الفترة التي قضتها في هذه الممارسات الادائية اضافة إلى الحفلات الليلية فيما بعد والايغال في اجهاد صوتها رغم صقله كما يبدو. فقد خشن هذا الصوت واصبح يقترب من غلاظة صوت الرجال كما مرَّ بنا. وقد كانت هذه التجارب التي مارستها صدّيقة الملاية وعلى الاخص الغنائية التي بدأتها عام 1918 في الملاهي وتوقفت عام 1926 حيث تفرغت لتسجيل الاغاني والمقامات في الاسطوانات،(هامش2) التي كانت تمثل اقتحاماً كبيراً لمسرح الغناء الذي كان يقتصر على الرجال من المؤدين في الاعم الاغلب. وفي الحقبة التي تمثلت ببدايات القرن العشرين واتساع تطور العلوم الصناعية(حقبة التحول). ورغم ان المستمع احياناً عندما يستمع إلى بعض أغاني صدّيقة الملاية يتملكه شعور بالدهشة عن سبب الضجة والشهرة التي احيطت بها..!! إلا أنه من العدل ان نتذكر. ان اقل مايمكن الحديث عن هذه المطربة القديرة. هو كونها أول مطربة. أو من المطربات الاوائل اللاتي ساهمن في فتح ابواب كانت موصدة أوشبه ذلك في وجه المرأة حتى هذه الحقبة من الزمن. ومن الطبيعي ان تكون هناك مطربات قبل الملاية يمتلكن مواصفات معهودة، ولكن اهمية الملايةتكمن في اصرارها على تحدي الذات وغنائها المقام العراقي وتحدي الواقع القاسي..! فاختارت الولوج في هذا المنحى الصعب ذو النفق المغلق كما يراه الجميع. وعليه فأن تجربة صدّيقة الملاية ومن عاصرنها كجيل أول ومن جئن بعدها كأجيال ثانية وثالثة. ساهمت بصورة كبيرة عن كشف الهوّة التي تفصل طموحاتنا الذوقية والجمالية والفكرية عن حدودنا الجمالية والفكرية هذه. التي اوجدتها ظروف ابتعادها وعدم مشاركتها الحياة مع الرجل. ولذلك نرى ان معظم نتاجات المؤدين من الرجال أو النساء في حقبة العشرينيات من القرن العشرين، تكشف لنا على ان هؤلاء قادرين على اكتشاف شخصياتهم الفنية الحقيقية. وقادرين بذلك على اكتشاف القوى الكامنة للبيئة وتعابيرها الخاصة. لذا فقد كانت نتاجات صدّيقة الملاية ومثيلاتها تفيض بأوصاف خيالية ومشاعر جياشة إلى حد الصدق المطلق وإلى حد الخصوصية التامة.

    يمكن للمتلقي سماع بعض مقامات وأغاني صدّيقة الملاية ليكتشف الخزين الموجود في تعابيرها الجميلة. إلا أن الامر يستدعي أيضاً الانتباه والملاحظة والتفكير ليكتشف من خلال تعابيرها الادائية هذه، بغدادية وعراقية هذه التعابير..!

    لقد ساهمت صدّيقة الملاية في معالجة هموم المجتمع من خلال نتاجاتها الغنائية بصورة متكافئة.متنقلةبين الغزل والحنين والعتب والحزن والنجوى والالم والامل والتفاؤل .. و ...الخ.في محاولة اشباع عموم المجتمع اشباعاً نفسياً ومعنوياً. وفي كل النواحي تشير الدلائل إلى أنها ابنة هذا المحيط وهذه الثقافة وهذا المجتمع بكل محتوياته.

  لقد تم التأكيد على التكافؤ والانسجامفي العديد من أغاني صدّيقة الملاية. وعلى طابع الالحان التي تبدو لنا جميعاً انها تواءمت مع جميع كلمات الاغاني والمقامات العراقية التي أدّتها. أو بالاحرى هي التي استطاعت مواءمة ألحانها الموضوعة من قبل ملحني حقبتها، مع كلمات هذه الاغاني الموضوعة من قبل الشعراء المعاصرين. وعلينا ان نلاحظ في أغنية(الافندي) التي يغلب على طابعها اللحني والشعري، الحب والغزل في حب(الافندي صبري) الحبيب المنشود. تعبير غزلي لتلك الحقبة التي سمحت بهكذا مضامين من تعابير الغزل.

 

هكذا نرى الامر في اغنية اخرى مثل اغنية(للناصرية) التي يبرز فيها تذلل الحبيب لحبيبه والتوسل والحب المفعم بالمشاعر الصادقة. وعندما تستمع إلى أغنية(ياصياد السمج)نلاحظ فيها محاكاة البيئة ومميزاتها والعتب على الحبيب إذ تتهمه بالتمييز الاجتماعي.

هكذا نتتبع مساهمة صدّيقة الملاية المغنية، وملحنيها وشعرائها، في معالجة بعض ظواهر الحياة المعاشة ومشاكلها الاجتماعية.

    ان كل منحى من تعابير ومقاصد هذه الاغاني وهذه المقامات العراقية. يعد انجازاً جيداً للمطربة صدّيقة الملاية نسبة لحقبتها الزمنية. ويوحي كل نتاج من نتاجاتها بالتطور عن الحقبة السابقة لها. التي تقودنا بالتالي إلى الأمل والتفاؤل.

 

والى حلقة الجزء الثالث عن صديقة الملاية ان شاء الله.

 

 

هوامش

هامش1: العلاف، عبد الكريم، قيان بغداد، ط أولى، بغداد، ص216.

هامش2: نفس المصدر السابق ،ص 217.

 

 

صورة 1 / لوحة الجالغي البغدادي للرسام التشكيلي الكبير نبيل العزاوي

 

 

صورة 2 / حسين الاعظمي في زي من ازياء افندية بغداد.