للذهاب الى صفحة الكاتب   

الرفض السياسي عند محمود امين العالم بين طريق الموروث المسدود

والوعي البرجوازي الزائف وبين نقد الحاضر وابداع المستقبل، مقاربة تنويرية

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

 

مقدمة

يُمثّل محمود أمين العالم (18 فبراير 1922 - 10 يناير 2009) واحداً من أكثر العقول جرأة في الساحة الثقافية المصرية والعربية التي أسهمت في تشكيل الوعي النقدي والسياسي في الفكر العربي المعاصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين. لم يكن فكره مجرد تأمل نظري منعزل، بل كان ممارسة متصلة بالنضال الثقافي والاجتماعي، تتأسس على رؤية ماركسية جدلية مفتوحة، ترفض الجمود العقائدي وتتمسك بالإنسان كقيمة مركزية. ينبع الرفض السياسي عنده من إدراك عميق للتناقضات التي تعيشها المجتمعات العربية، حيث يقف بين طريقين مسدودين: طريق التراث الذي يتحول إلى قيد يعوق التقدم، وطريق الوعي البرجوازي الزائف الذي يكرس التبعية والاستغلال تحت شعارات الحداثة أو الإصلاح السطحي. وفي المقابل، يفتح هذا الرفض أفقَين متكاملين: نقد الحاضر بكل تناقضاته، وإبداع مستقبل يستند إلى الوعي الحقيقي والفعل التاريخي الخلاق. هذه المقاربة، في جوهرها، تنويرية بامتياز، إذ تستلهم روح النقد العقلي والتحرر الإنساني، وتعيد بناءها في سياق عربي يجمع بين التراث والعصر، بين الخصوصية والكونية، دون أن يسقط في التوفيقية الساذجة أو العدمية. فمن هو محمود أمين العالم؟ ولماذا تميز بالرفض السياسي للإمبريالية والتأخر؟ وما موقفه من الموروث الثقافي؟ وهل تبنى نظرة تنويرية بناءة؟

 

محاور الرفض السياسي:

ينطلق الرفض السياسي عند العالم من تجربة شخصية وفكرية متجذرة في الواقع المصري والعربي. نشأ في بيئة شعبية متدينة في حي الدرب الأحمر، وتلقى تعليماً فلسفياً في جامعة فؤاد الأول، ثم انخرط في الحركة الشيوعية، ودفع ثمن مواقفه اعتقالاً وفصلاً ونفياً. هذا الانخراط لم يكن انتماءً أيديولوجياً مغلقاً، بل موقفاً وجودياً يرى في السياسة امتداداً للفلسفة، وفي الثقافة أداة للتغيير لا ترفاً نخبوياً. الرفض عنده ليس نفياً عدمياً، بل إثباتاً إيجابياً لإمكانية تجاوز الواقع القائم نحو واقع أكثر عدلاً وحرية. وهو رفض مزدوج: يرفض الاستبداد السياسي أياً كان مصدره، ويرفض في الوقت نفسه الاستلاب الفكري الذي يجعل الإنسان أسيراً لأوهام الماضي أو لخداع الحاضر. كما يظهر الرفض الأوضح لـ«طريق التراث المسدود» في تعامله النقدي مع الموروث الثقافي والديني والفلسفي. لم يكن العالم من دعاة القطيعة المطلقة مع التراث، ولا من أنصار الاستعادة الرومانسية له. التراث عنده ليس كياناً ميتافيزيقياً ثابتاً، ولا جوهراً أصيلاً يُستعاد كما هو، بل نتاج تاريخي اجتماعي يتفاعل مع الواقع ويتأثر به. طريق التراث المسدود هو ذلك الطريق الذي يحول التراث إلى سلطة مطلقة تُستخدم لتبرير الجمود والتخلف، أو يختزله في انتقائية تبريرية تخدم مصالح طبقية معينة. يرى العالم أن الأزمة الحقيقية ليست في التراث بحد ذاته، بل في كيفية توظيفه ضمن بنى اجتماعية تكرس التبعية والتفاوت. عندما يُقدَّم التراث بوصفه الحل الوحيد، أو يُرفع إلى مرتبة القداسة التي تمنع النقد، يصبح طريقاً مسدوداً يعيق الإبداع والتجدد. في مواقفه النقدية من التراث، يمارس العالم قراءة جدلية تضع النصوص التراثية في سياقها التاريخي والاجتماعي، وتكشف تناقضاتها الداخلية، وتستخلص منها العناصر الحية القابلة للتطوير. فهو يرفض كلاً من التقديس الأعمى والنبذ الجذري، ويدعو إلى «استلهام» نقدي يحوّل التراث من قيد إلى مورد. هذا الاستلهام لا يعني التوفيق بين القديم والجديد على طريقة الإصلاحية البرجوازية، بل يعني تجاوزاً جدلياً يحتفظ بما هو إنساني وعقلاني في التراث، ويطرحه في إطار مشروع تحرري معاصر. بذلك يصبح الرفض السياسي للتراث المسدود رفضاً للسلطوية الثقافية التي تستخدم الماضي لتأبيد الحاضر، ورفضاً لأي خطاب يحوّل الهوية إلى سجن بدلاً من أن يجعلها أفقاً مفتوحاً.

 

الكشف عن زيف الوعي

أما نقد «الوعي البرجوازي الزائف» فيشكل الوجه الآخر لهذا الرفض. الوعي الزائف، في المنظور الذي يتبناه العالم مستلهماً التراث الماركسي النقدي، هو ذلك الوعي الذي يُنتجه النظام الاجتماعي السائد ليخفي التناقضات الحقيقية ويقدمها على أنها طبيعية أو أبدية. يُعدّ كشف الوعي الزائف ونقده من أبرز المحاور التي اشتغل عليها محمود أمين العالم ، خاصة في كتابه الشهير «الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر» (صدر حوالي 1986-1988)، الذي يُعتبر امتدادًا لكتابه السابق «معارك فكرية». انطلق العالم من المنهج المادي الجدلي والتاريخي الماركسي ليُحلل كيف يتشكل الوعي في المجتمعات العربية والمصرية المعاصرة، وكيف يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الواقع القائم بدلًا من تغييره. فالوعي الزائف عنده ليس مجرد جهل أو خطأ معرفي عابر، بل هو وعيٌ خاص تُعبّر من خلاله السلطة عن مصالحها الطبقية، وهو الوسيلة النظرية الأساسية التي تنعكس فيها هذه المصالح وتُموَّه بها الحقائق. يتشكل هذا الوعي عبر سيرورات مادية وأيديولوجية ومؤسساتية (إعلامية وثقافية وسياسية) تضلل الجماهير، وخاصة الطبقات الشعبية، فتجعل الظلم يبدو عدلاً، والتبعية تقدمًا، والانغلاق أصالة، والتخلف خصوصية حضارية.

 

في هذا الإطار، وجه العالم نقده إلى ظواهر متعددة في الفكر العربي المعاصر: التوفيقية السطحية بين التراث والحداثة، والغزو الثقافي الإمبريالي والصهيوني، والتعامل الانتقائي مع التراث، والنزعات اللاهوتية أو الانعزالية التي تعيق التقدم العلمي والاجتماعي. كان يرى أن الخلل لا يكمن في المعرفة ذاتها بقدر ما يكمن في البنية الاجتماعية والسياسية التي تمنح هذه المعرفة معناها وتوظفها لمصلحة الطبقة المهيمنة. لذا سعى إلى فضح آليات تزييف الوعي بغرض السيطرة والهيمنة، داعيًا إلى وعي نقدي حقيقي يرتبط بالشروط المادية والتاريخية، ويهدف إلى تحرير الإنسان العربي من الأوهام الأيديولوجية، وتمكينه من مواجهة قضايا العلم والحرية والاشتراكية بفعالية، تمهيدًا لأي نهضة حقيقية وتغيير اجتماعي جذري.

 

 في السياق العربي، يتجلى هذا الوعي في أشكال متعددة: في الخطاب الليبرالي الذي يختزل الحرية في حرية السوق، وفي الخطاب القومي الذي يفصل التحرر الوطني عن التحرر الاجتماعي، وفي الخطاب التوفيقي الذي يحاول الجمع بين التراث والمعاصرة دون المساس بالبنى الطبقية. الوعي البرجوازي الزائف يُظهر التخلف وكأنه ناتج عن «أزمة حضارية» أو «أزمة تراث»، بينما الحقيقة أن التخلف نتاج تبعية بنيوية للرأسمالية العالمية، ونتيجة لهيمنة طبقات وفئات تستفيد من هذه التبعية. ينتقد امين العالم هذا الوعي لأنه ينتج أشكالاً من «التوفيقية» الزائفة التي تبدو تقدمية على السطح، لكنها في العمق تكرس الهيمنة. التوفيقية البرجوازية ليست مجرد خطأ فكري، بل تعبير عن مصالح طبقية ترفض الثورة الجذرية وتفضل الإصلاحات الجزئية التي لا تمس جوهر الاستغلال. في مواجهة ذلك، يدعو العالم إلى وعي حقيقي يرتكز على التحليل المادي للتاريخ، ويربط بين الثقافي والاقتصادي والسياسي، ويكشف كيف أن الأفكار السائدة هي أفكار الطبقة السائدة. هذا النقد يمتد إلى نقد بعض التيارات الماركسية الأوروبية الحديثة التي يراها قد انحرفت عن مركزية الطبقة العاملة، كما في نقده لهربرت ماركوز الذي رأى فيه فلسفة طريق مسدود لأنها تتخلى عن الإمكانات الثورية المنظمة لصالح احتجاجات هامشية.

 

نقد محمود أمين العالم لهربرت ماركوز

 يتمثل أساساً في كتابه «هربرت ماركيوز أو فلسفة الطريق المسدود»، وهو أحد أبرز إسهاماته في نقد الماركسية الأوروبية المحدثة (أو ما يُسمى أحياناً بالماركسية الغربية أو مدرسة فرانكفورت في بعض جوانبها).لقد رأى العالم أن فلسفة ماركوز، خاصة بعد انتشارها في الستينيات والسبعينيات وتأثيرها في حركات اليسار الجديد والاحتجاجات الطلابية، قد تشكل مبرراً فكرياً للتقاعس والانتظار لدى المثقف العربي، بدلاً من المشاركة الفعالة في النضال. لذا تصدى لها نقداً جذرياً، معتبراً إياها طريقاً مسدوداً لا يؤدي إلى تغيير حقيقي. انتقد العالم تخلي ماركوز عن مركزية الطبقة العاملة (البروليتاريا) كقوة ثورية أساسية، وعن دور الحزب والتنظيم السياسي. يرى العالم أن ماركوز مال إلى الدفاع عن «البروليتاريا الرثة» والفئات المهمشة والمستبعدة (مثل الطلاب وبعض الجماعات الهامشية) بوصفها القوى المؤهلة للثورة. هذا التحول، في نظر العالم، يبتعد عن التحليل الماركسي الكلاسيكي الذي يربط الثورة بالبنية الطبقية الإنتاجية والتنظيم الواعي. اعتبر أمين العالم أن نقد ماركوز للمجتمع الصناعي المتقدم (كما في «الإنسان ذو البعد الواحد») عميق في تشخيص الاغتراب والاستهلاك وتخدير الوعي، لكنه يظل نقداً ثقافياً وفلسفياً يفتقر إلى الأفق التنظيمي والسياسي العملي. يؤدي هذا إلى طريق مسدود: نقد حاد للواقع دون أدوات فعالة لتغييره، مما قد ينتهي إلى اليأس أو الاحتجاج الهامشي غير المنظم. لقد شدد العالم على أن تحليل ماركوز مرتبط بمجتمعات رأسمالية متقدمة ذات رفاه استهلاكي، ولا ينطبق بالضرورة على المجتمعات العربية أو العالم الثالث التي تعاني من التبعية والاستعمار الجديد والتخلف البنيوي. نقل هذه الفلسفة دون نقد قد يؤدي إلى تغييب خصوصية الصراع الطبقي والوطني في السياق العربي.

 

وقف أمين العالم إلى جانب «النظام والتنظيم»، بشرط أن يكون تنظيماً جدلياً يتطور مع تغير الظروف، ويرتبط بدولة جديدة وعلاقات اجتماعية بديلة. ظل متمسكاً بمركزية الطبقة العاملة والتنظيم الحزبي كأدوات ضرورية للثورة، مع انفتاح على التجديد دون التخلي عن الأسس المادية الجدلية. باختصار، يرى العالم أن فلسفة ماركوز، رغم أهميتها النقدية، تنتهي إلى طريق مسدود لأنها تفصل النقد عن الفعل المنظم والطبقة الثورية الأساسية، وتحول الثورة إلى أمل ثقافي أو احتجاجي غير محدد المعالم. هذا النقد يندرج ضمن مشروعه الأوسع في الدفاع عن ماركسية حية وفاعلة، ترفض الجمود العقائدي كما ترفض الانحرافات المثالية أو الهامشية. بين هذين الرفضيْن، التراث المسدود والوعي الزائف، ينفتح أفق «نقد الحاضر وإبداع المستقبل». نقد الحاضر عند العالم ليس تشريحاً سلبياً، بل ممارسة فاعلة تكشف الإمكانات الكامنة داخل التناقضات. الحاضر العربي، في نظره، حاضر مأزوم: يعاني من التبعية الاقتصادية والسياسية، ومن الاستبداد، ومن تشوهات الوعي، ومن عجز المشاريع النهضوية السابقة عن تحقيق تحرر شامل. لكن هذا الحاضر ليس قدراً محتوماً. النقد الحقيقي يفتح الطريق أمام الإبداع، لأن الإبداع ليس خيالاً مجرداً، بل قدرة على تحويل الإمكانات التاريخية إلى واقع جديد.

 

ان نقد محمود أمين العالم لليسار الجديد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنقده لهربرت ماركوز وللتيارات الماركسية الأوروبية المحدثة، ويظهر بوضوح في كتابه «هربرت ماركيوز أو فلسفة الطريق المسدود». لم يخصص العالم كتاباً مستقلاً بعنوان «نقد اليسار الجديد»، لكن موقفه منه يندرج ضمن رفضه للانحرافات التي اعتبرها تبتعد عن جوهر الماركسية الثورية المنظمة. لقد اليسار الجديد ظهر في الستينيات خاصة في أوروبا وأمريكا، وارتبط بحركات الطلاب والاحتجاجات المضادة للحرب والثقافة المضادة. تأثر كثيراً بماركوزه ومدرسة فرانكفورت، وركز على النقد الثقافي، والتحرر الشخصي، والفئات المهمشة (الطلاب، الأقليات، «البروليتاريا الرثة»)، بدلاً من التركيز التقليدي على الطبقة العاملة المنظمة والحزب الثوري. لقد رأى العالم أن اليسار الجديد، متأثراً بماركوز، يقلل من دور البروليتاريا الصناعية كقوة ثورية أساسية، ويستبدلها بفئات هامشية أو احتجاجية غير منظمة. هذا التحول يضعف القدرة على بناء قوة تغيير حقيقية ومستدامة. كما انتقد التركيز المفرط على النقد الثقافي والاغتراب والاستهلاك (كما في «الإنسان ذو البعد الواحد»)، دون ربطه باستراتيجية سياسية وتنظيمية واضحة. اعتبر أن هذا يؤدي إلى «طريق مسدود»: نقد حاد وراديكالي في الخطاب، لكنه ينتهي إلى اليأس أو الاحتجاج العفوي المؤقت الذي لا يغير البنى الأساسية. لقد حذر العالم من أن تبني أفكار اليسار الجديد في العالم العربي قد يبرر الانتظار والتقاعس لدى المثقفين، بدلاً من الانخراط في نضال منظم يرتبط بالواقع المحلي (التحرر الوطني والاجتماعي معاً). فالتحليل المستورد من مجتمعات الرفاه الرأسمالي المتقدم لا ينطبق مباشرة على مجتمعات التبعية والتخلف.

 

موقفه الايجابي من اليسار العربي الإسلامي

موقف محمود أمين العالم من اليسار الإسلامي كان منفتحاً وإيجابياً نسبياً، ضمن رؤيته الواسعة لمفهوم «اليسار» نفسه. في أحد حواراته، أكد العالم صراحة أن اليسار لا يقتصر على الماركسية وحدها، بل هو طريقة تفكير موجودة في اتجاهات مختلفة. وقال إن «في التيار الديني مثلاً، نجد يساراً إسلامياً — أو ما شابه ذلك — على مختلف المراحل»، مشيراً إلى نماذج تاريخية ومعاصرة مثل: القاضي عبد الجبار (المعتزلي الذي يفسر الأمور بموضوعية وعقلانية). محمد عبده. خالد محمد خالد. الشيخ علي عبد الرازق. حسن حنفي. نصر حامد أبو زيد (الذي اعتبره العالم خلاصة التراث الديني وأكثر من استوعبه).

 

رأى في هذه التيارات فكراً دينياً عقلانياً وموضوعياً يتعامل مع الواقع برؤية نقدية وتقدمية، ويدخل بذلك في إطار مفهوم اليسار بمعناه الواسع (العدالة الاجتماعية، العقلانية، التغيير الإيجابي). يرى أمين العالم أنه لا تعارض مطلق بين الدين والاشتراكية: أكد مراراً أن الدين نظرة شاملة لكينونة الإنسان، وأن قيماً مشتركة مثل الخير والمحبة والمساواة تجمع بين الاشتراكية والأديان. ذكر تجربته الشخصية في السجن حيث بنى الشيوعيون مسجداً، وأشار إلى أن كثيراً من الشيوعيين مؤمنون. كما يحرص على التمييز بين اليسار الديني العقلاني والإسلام السياسي الأصولي: كان ينتقد الإسلام السياسي المتشدد أو الأصولي الذي يراه يغطي على الصراعات الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية، بينما يرحب بالتفسيرات العقلانية والتنويرية داخل التراث الإسلامي. لذلك يعتبر اليسار أوسع من الماركسية: اعتبر الماركسية (أو الاشتراكية العلمية) الرافد الرئيسي والأفضل للتعامل النقدي مع الواقع، لكنه لم ينفِ وجود تيارات يسارية أخرى، بما فيها اليسار داخل الفكر الديني. باختصار، لم يكن العالم معادياً لـ«اليسار الإسلامي» بالمعنى التنويري العقلاني التقدمي. بل رآه جزءاً ممكناً من جبهة أوسع للتغيير، طالما ظل ملتزماً بالعقلانية والعدالة الاجتماعية ونقد الاستغلال، بعيداً عن الجمود الأصولي أو التوظيف السياسي الرجعي للدين. هذا الموقف ينسجم مع شخصيته المنفتحة وتجربته الشخصية (نشأته في بيئة دينية ثم تبنيه الماركسية دون قطيعة مطلقة مع البعد الروحي والإنساني). كما أنه يعتبر المقاربة التنويرية في فكر العالم ليست استعادة حرفية للتنوير الأوروبي، بل إعادة بناء نقدية له في سياق عربي. التنوير عنده عقلانية نقدية لا تفصل العقل عن الواقع الاجتماعي، وحرية لا تنفصل عن العدالة، وإنسانية لا تتجاهل الخصوصيات التاريخية. هو تنوير جدلي يرى أن التقدم ليس خطاً مستقيماً، بل حركة تتأسس على الصراع والتناقض. المثقف في هذه المقاربة ليس شاهداً محايداً، ولا داعية أيديولوجياً مغلقاً، بل فاعلاً ملتزماً بالحرية أكثر من التزامه بأي تنظيم، وملتزماً بالحقيقة حتى لو اصطدمت بالمصالح السائدة. الرفض السياسي هنا يصبح ممارسة تنويرية لأنه يحرر العقل من الأوهام، ويحرر الإرادة من الخضوع، ويفتح المجال أمام الإنسان ليصنع تاريخه بوعي.

 

خاتمة

هكذا يتكامل الرفض عند محمود أمين العالم: رفض لطريق التراث الذي يُغلق الأفق، ورفض للوعي الزائف الذي يضلل المسيرة، وانفتاح على نقد الحاضر الذي يكشف الإمكانات، وإبداع للمستقبل الذي يحول النقد إلى بناء. هذه الرؤية تظل حية لأنها تتجاوز اللحظة التاريخية التي نشأت فيها، وتطرح أسئلة مستمرة حول كيفية بناء وعي عربي نقدي قادر على مواجهة تحديات العصر دون أن يفقد جذوره أو يسقط في التبعية. الرفض السياسي عنده ليس نهاية، بل بداية مستمرة لإعادة تأسيس الإنسان والمجتمع على أسس أكثر إنسانية وعقلانية وعدلاً. لقد ظل محمود أمين العالم متمسكاً بضرورة التنظيم الحزبي والطبقة العاملة كمحرك أساسي، مع انفتاح جدلي على التجديد. يرى أن الثورة تحتاج إلى أدوات منظمة وعلاقات جديدة ودولة بديلة، لا مجرد احتجاج أو تحرر فردي وثقافي. باختصار، يُصنّف العالم تيارات اليسار الجديد ضمن الفلسفات التي تبدو راديكالية لكنها تؤدي عملياً إلى طريق مسدود، لأنها تفصل النقد عن الفعل الطبقي المنظم. هذا الموقف يعكس التزامه بماركسية حية ترفض الجمود العقائدي من جهة، والانحرافات المثالية أو الهامشية من جهة أخرى، وتركز على بناء وعي وفعل قادرين على تغيير الواقع تغييراً جذرياً. في كتاباته المتأخرة خاصة، يتبلور هذا البعد بوضوح. ينتقل العالم من تشخيص الأزمة إلى البحث عن بدائل، في إطار مشروع نهضوي عربي جديد يراعي المتغيرات العالمية، بما فيها ظاهرة العولمة، دون أن يسقط في الاستسلام لها أو في العداء العدمي لها. إبداع المستقبل يعني بناء مشروع يجمع بين الديمقراطية السياسية الحقيقية، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال الوطني، والوحدة العربية على أسس تقدمية، والانفتاح على العلم والتكنولوجيا مع الحفاظ على البعد الإنساني. هذا الإبداع ليس مهمة نخبة معزولة، بل عملية جماعية تشمل المثقفين والجماهير، وتتطلب ثورة ثقافية شاملة تحول الوعي الزائف إلى وعي نقدي فاعل. فكيف نجعل من الفكر النقدي التنويري لدى العالم يمتلك راهنية في الفكر العربي؟