للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 66

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

لم يخطر ببالي أنني سأرى الرفيقة (س.م.ع) تصعد إلى الباص، ومن شدّة دهشتي وفرحتي ناديتها باسمها بصوت عالٍ، فإذا بها ترتمي بين ذراعيّ غير مصدّقة أنني ما زلت حيًّا، وهنا في يهلافا.

دخلنا الدوم، وكان معها زميل عراقي تعرّفت عليه تواً، ويبدو أن بينهما علاقة.

تمكّن هذا الزميل من ترتيب مبيتٍ لي في الدوم لتلك الليلة، ريثما يتم إيجاد مأوى، وفعلاً تمّ ذلك. وفي اليوم التالي أخبرتني الرفيقة تفاصيل وصولها، وكيف ذكرتني أمام الرفاق بكل خير... إلخ. وقالت:

   مزاحم، الوضع صعب هنا، وعليك أن تفكّر تفكيرًا جديًا في كيفية البقاء إذا رغبت بذلك، فالمنظمة هنا تتعامل بالتزكية.

آلمني هذا الحديث أكثر، وجعلني أشعر بعمق البئر الذي أغطس فيه، فلا مخرج من هذا المأزق.

في الصباح تناولنا الفطور، وقد اخبرتني الرفيقة بأننا سنغادر يهلافا الى براغ لحضور مناسبة خاصة بالحزب وبدأنا نتجمع في الموقع المخصص. وأندهشت من كثرة الشابات والشباب الشيوعيين العراقيين، ومنهم (واثق) ابن الفنان الراحل خليل شوقي، وكذلك التقيت بالشاب ابن الرفيق الراحل الفريد سمعان، الذي أوصوني أن أعزّز فيه روح الصبر والتحمّل، فقد كان صغيرًا على تحمّل محنة فراق أهله إلى حدّ البكاء.

جاءت بعض الرفيقات للتعرّف عليّ، ومنهن رفيقة مندائية من أهالي البصرة، وقد حكت لي لاحقًا كيف غادرت المطار ومعها كراريس فلاديمير لينين تحت أنظار الأمن، وقالت: "لقد سهّلوا أمر مغادرتنا بشكلٍ ملفت...!"

اصطفّت ثلاث حافلات كبيرة لتقلّنا إلى العاصمة الجميلة براغ، وكنت أشعر بالحسرة والألم، فوجودي مع هؤلاء الرفاق غير رسمي حزبيًا.

انطلقت الحافلات، وانطلقت معها الأغاني والأناشيد الحزبية والوطنية الجميلة.

بعد مسير دام حوالي أربع ساعات، حطّت الحافلات الثلاث في الساحة الرئيسية للدوم الكبير جدًا والخاص بجامعة جامعة براغ. والدوم عبارة عن مجمّعات سكنية عملاقة للطلبة.

بدأ ركّاب الحافلات الثلاث يتوزّعون، كلٌّ حسب معارفه وعلاقاته، وكذلك حسب ترتيب اللجنة المشرفة.

أنهكنا التعب، وبقينا نحن، حوالي عشرة من الشباب، ننتظر من يأوينا. بدا أننا مهمّشون، ولا نعرف أين سنبيت تلك الليلة. جلسنا على جانب ننتظر.

بعد قليل جاءت الرفيقة (س.م.ع) تبحث عني، وطلبت من الرفاق مشرفي السفرة أن يأخذوني إلى إحدى الشقق.

وقبل أن أغادر مع من سيصطحبني، قالت لي الرفيقة على جنب وبهدوء:

"غدًا ستحضر الرفيقة نزيهة الدليمي، تحدّث معها عن حالتك، ومؤكّد ستفعل شيئًا."

(يتبع)