
يوميات حسين الاعظمي (1483)
التجربة النسوية في غناء المقام العراقي/ 5
سـلطـانه يوســف المطربة الشهيرة
(1910-1995)
من كتابي الثاني (المقام العراقي باصوات النساء) الصادر في كانون ثاني 2005.
***
ولدت المطربة سلطانة يوسف في بغداد عام 1910 على أرجح الروايات، ولقد غنت لاول مرّة عام 1927 في ملهى سُمي بعدئذ بـ(نزهة البدور) بالقرب من سوق الهرج من بغداد. واعتزلت الغنـاء والفن عام 1957 في الموصل بعد ان اقامت فيها منذ الاربعينيات، وبقيت فيها حتى وفاتها عام 1995. بعد ان عملت في ملاهيها ردحا من الزمن. يقول عنها المرحوم عبد الكريم العلاف(انها سبيكة من ذهب الفن كلما وضعها الصقال على المحك زاد جوهرها توهجاً ولمعاناً)(هامش1) ويضيف أيضاً (سلطانة قينة استكملت فيها كل مذاهب القيان حلاوة ورقّه. هذا ماكانت تفاخر به سلطانة. ولو انصف الناس لقالوا انها سلطانة الطرب)(هامش2)
اكتنفت حياة سلطانة يوسف فترات غرامية غامضة، دفعتها وحفزتها للتغني بشوق وهيام تُجسِّد عشقا جارفا للحبيب بواسطة الغناء خاصة. تعبِّر عن خلجاتها ومعاناتها الشخصية بغض النظر عن معنى الأغنية. هل ينطبق على مشكلتها أم لا. فالظاهر أن شخصيتها الكتومة أملت عليها ان تدع التعبير عن شؤونها الخاصة كامناً في اعماقها ولاتسمح بالتنفيس عنه إلا من خلال الغناء، والغناء فقط. ثم يسترسل العلاف (أنها لم تكن لها أغانِ خاصة بها إلاماندر، ولقد سمح لها العرف السائد أن تعلن بسهولة عن احترامها لأغاني غيرها من أمثال المطربه صدّيقة الملاية والمطربة سليمة مراد. مثل أغاني (كل البله والمصايب ياخلك مني) واغنية (يلمنحدر) واغنية (اتوب الروح) واغنية (متكلي بعد كم دوب) واغنية (زايد عويلي) واغنية (اشلون أصبر الروح) واغنية (يكفي الهجر يهواي) واغنية (عند كلب حبه صعب) واغنية (للناصرية) واغنية (علشوملي) وغيرها.
هذا وقد عاشت سلطانة يوسف حتى انتصاف العقد التسعيني من القرن العشرين بعد ان اعتزلت الغناء أواخر الخمسينيات.
باستطاعتنا دراسة التجربة النسوية في الغناء المقامي العراقي بصورة خاصة، أو دراسة الغناء المقامي العراقي بصورة عامة. بدءاً من جيل التحول(هامش3). أي منذ بداية القرن العشرين. ومن وجوه عدة. فهناك أولاً، أحداث وتأثيرات الحرب العالمية الاولى(1914 - 1918) بما نتج عنها من اعتماد على النزوعات التي طرأت على الغناء المقامي العراقي عموماً منذ أواخر القرن التاسع عشر. بل على كل ظواهر الحياة وعلى كل الشعوب. ثم هناك المرأة التي أخذت تبحث عن وجودها من جديد في مجال الغناء والموسيقى وخوض تجربتها الجديدة في غناء المقامات العراقية لاول مرة على المستوى الاعلامي. مشاركة للرجل في هذا النوع من الغناء والموسيقى. اعتباراً من هذه الحقبة التي بدأت فيها المرأة تتمرس نسبياً في غنائها لهذا اللون الغناسيقي التراثي رغم أنها تجربة فنية. فمضت تستغل كل الميِّزات التي تمتلكها بطموح كبير لتساعدها على تدعيم شهرتها. وإلى جانب النزعة الطبيعية لبلورة هذه الطموحات وهذه الامكانيات، في سبيل نجاحها كأمرأة في تجربتها الجديدة في غناء المقام العراقي والابوذيات والاغاني البغدادية والعراقية. تلك النزعة التي استمدت وجودها وقوتها واستمرارها من روح ومضامين تغيُّرات وتحولات الحقبة (حقبة التحول) مطلع القرن العشرين. التي منحتها الدافع والجرأة حد العناد لتقف بكل إباء وشمم وتعلن عن ذاتها معبرة عن موقفها وعن شخصيتها في المجتمع. بيد أنها التفتت يمنه ويسرة، فهل من متفهم يسهِّل لها السبيل..!؟ هل من مثقف يهون ويذلل لها المصاعب..!؟ فتقاطر عليها ملحن وشاعر وثاني وثالث ممن يرون على مدى أوسع من رؤية الشخص التقليدي الواقف في مكانه..! ولكنهنَّ قد استمعن بشغف وبموضوعية إلى تسجيلات رواد المغنين المشهورين. وغرفن بكل حب من هذه التسجيلات أو من الرواد مباشرة. ممن ولدوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبرزوا في العقود الاولى من القرن العشرين. فهنَّ يسمعن من جهة، وتخزن ذاكرتهن الشيء الكثير من جهة اخرى. فتسلّمنَ بما علق في اذهانهنَّ وهذبنه بالاتصال مباشرة بالمؤدي الرجل. وتعلمنَ على يده وهذا لا ينقص من الهيبة شيئاً. واخيراً ظهور نتاجات مقامية فنية نسوية ورجالية اعقبت جيل التحول إلى جيل (حقبة التجربة)(هامش4)عند انتصاف القرن العشرين تقريباً. فكان من ميِّزاتها اعداد المقامات العراقية اعداداً موسيقياً فنياً لاول مرّة وهو ما اسميته في كتاباتي بـ(المقام المصنوع)(هامش5). وهي نتاجات جديدة، تبدو خلاصة حقبة التحول في تطوراتها. وكذلك يبدو أنها مدينة إلى اهتمام متزايد من قبل الجماهير بسماع هذه المقامات العراقية المهذبة فنياً. هذا الاهتمام الذي شمل المتخصصين. وهو الاهتمام القائم على النقد البناء في الوقت نفسه.
ان النتاجات الفنية الناجحة عموماً، هي تلك التي تستطيع ان تنفذ إلى جميع مستويات الذوق العام، ومن ثم تعميم لكل الفئات الجمالية. والموسيقى والغناء في وجهة نظري، هما الوسط الامثل لهذه الجمالية واوضحها. كما انهما اقرب السبل واسهلها للوصول إلى اذواق المجتمع.
لقد كان مقام الحكيمي العراقي المؤدى من قبل المطربة الشهيرة سلطانة يوسف بمطلع هذا الزهيري والمؤدى في حقبة التحول. المغنى في عشرينيات أو بداية ثلاثينيات القرن العشرين. هو التجربة الاولى للمطربة سلطانة يوسف في اداء المقام العراقي، أو من محاولاتها الاولى. نجد في ادائها انها حاولت ان تعلن عن امكانياتها في اداء المقامات العراقية. ولقد نجحت رغم انها محاولة جديدة لكنها جادة. فقد اقتربت سلطانة يوسف في ادائها لهذا لمقام الحكيمي إلى شبـه الكمال فـي اداء الاصول التقليديــة لهذا المقام. خاصة اجادتها في اداء قطعة (القادربايجان) وهي الحركة الادائية الثانية في أصول أداء هذا المقام ونغماتها من السيكاه، هزام. هذه الإجادة في هذه الحركة التي قلّما يتمكن المؤدون بصورة عامة من دقة إجادتها. وهكذا تبدو سلطانة يوسف في عموم هذا المقام، وقد سيطرت على مقاليد إمكانياتها الادائية في دقة الاصول ودقة التعابير المقامية التي يتصف بها مقام الحكيمي بالذات. حيث نجد نبراتها وهي تنبه احساساتنا التعبيرية وتعيد إلى ذاكرتنا مجمل الحياة التي يعيشها المجتمع. أو بالاحرى الواقع الذي اتسمت به حقبة التحول من بدايات القرن العشرين ونهضة العراق الحديث. ونحن نستمر في سماعنا لهذا المقام. نجد انها تتغلغل في أعماق الجمال الادائي وأعماق حياة أفراد عاشوا على المستوى شبه الغريزي من خلال وجود بقية من حياة البساطة والعفوية والتلقائية.
والى حلقة اخرى ان شاء الله.
هوامش
هامش1: العلاف، عبـد الكريم، قيـان بغـداد فـي العصر العباسي والعثماني الاخير، بغداد، 1389هـ – 1969م، ط أولى، مط التضامن، منشورات دار البيان ، ص207 – 208 .
هامش2: نفس المصدر.
هامش3: جيل التحول: المقصود بجيل التحول او اجيال التحول التي ظهرت في العقود الثلاثة الاولى من بدايات القرن العشرين. أي ضمن حقبة التحول.
هامش4: حقبة التجربة: هي الحقبة الزمنية التي اعقبت حقبة التحول. ومركزها منتصف القرن العشرين. أي في العقود الاربعة من الثلاثينيات حتى الستينيات من القرن.
هامش5: المقام المصنوع: كان المقام العراقي قبل حقبة التجربة، يغنى بصورة تقليدية، حيث يبدأ العازف بتقاسيم المقام المغنى ثم يبدأ المغني المقامي بغناء ذلك المقام وبصورة مستمرة حتى النهاية مع متابعة الموسيقيين. وفي هذا الأسلوب يكون للغناء القدح المعلى وتبدو الموسيقى كآلات عزفية شيئا ثانويا أو مكملا الغرض منه التماشي مع الغناء.بقي هذا الحال تقريبا إلى بداية حقبة التجربة. وذلك بعد ظهور الطلائع الأولى من موسيقيين متعلمين من خريجي المعاهد الذين عكسوا ثقافتهم الدراسية الجديدة وطموحاتهم الفنية وتأثيرات ظروف الحقبة من انتصاف القرن العشرين والاستفادة من حقبة التحول التي سبقتهم فكان ان بدأ الذوق الفني يميل نحو نتاجات غنائية مقامية يكون فيها دورا حسنا للموسيقى والتوزيع الآلي لينتظم الغناء المقامي بصورة نسبية من خلال اعداده فنيا بتأليف مقدمة موسيقية للمقام المغنى وإعطاء الدور الكبير للآلة الموسيقية في متابعة الغناء. وبهذا أصبح غناء المقام العراقي معدا ومصنوعا بصورة فنية ليقدم للجمهور وهو على أجمل صورة من الذوق والجمال والفن. – المؤلف - .

سلطانة يوسف وزكية جورج وسط اعضاء الفرقة الموسيقية في ثلاثينيات القرن العشرين.
