للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 67

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

أيُّ ألمٍ وأيُّ حسرةٍ كانا يلفّان عقلي وجسدي وأنا أنتظر عطف الرفاق في قضيةٍ لستُ مسؤولًا عنها…

بتُّ ليلتي في إحدى شقق الرفاق المقيمين في براغ، على أمل أن نلتقي جميعًا في اليوم التالي، 31 آذار، للاحتفال العظيم.

لكن المفاجأة جاءت فجر يوم الاحتفال: تبليغٌ بتأجيله دون ذكر سبب…!

يا لسوء الحظ…

التقينا مرةً أخرى بعد يومٍ للعودة إلى يهلافا، وهناك عرفتُ أن البعثيين ومرتزقتهم كانوا يخططون لاغتيال الرفيقة الدكتورة نزيهة الدليمي، ولذلك تم تأجيل الاحتفال.

 

عدنا إلى يهلافا، وهذه المرة أقمتُ في فندقٍ متواضعٍ جدًا (على قدّ فلوسي). بقيت أسبوعًا، أو ربما أكثر، لا أتذكر، ثم عدنا مجددًا إلى العاصمة براغ لإحياء الحفل. وقد تمّ فعلًا، لكن من دون حضور الرفيقة أو أيٍّ من الرفاق القياديين، رغم إشاعة خبر حضور أحد أعضاء اللجنة المركزية.

كان احتفالًا مهيبًا، جدّد فيه الشيوعيون، ولا سيما الشباب، العهد على مواصلة النضال.

 

انتهى الاحتفال على خير، وقد أُقيم في إحدى أكبر القاعات في براغ. وبقينا في العاصمة ثلاثة أيام إضافية، من دون أن أجرؤ على السؤال عن السبب.

في اليوم الثاني، كنا في ضيافة احدى الرفيقات في غرفتها في الدوم، وبينما كنّا—سبعة أو ثمانية من الرفيقات والرفاق—نجلس ونتبادل أطراف الحديث، سمعنا طرقًا خفيفًا على الباب. فتحت الرفيقة صاحبة الغرفة، فتسلّمت رزمة أوراق. فتحتها أمامنا، فإذا بها قوائم بأسماء شيوعيات وشيوعيين مغيّبين، مع طلبٍ بأن من يعرف أيًّا من هذه الأسماء فليذكر ذلك.

اطلعتُ على الأسماء، فعرفتُ عددًا من رفاق جامعة الموصل، منهم: رعد حسون، ورعد عبد الجليل (كلية الهندسة)، وكذلك أكرم فيلي (كلية العلوم)، وحسن ابن عمة أكرم (كلية الهندسة)… فأثبتُّ معرفتي بهم.

سُلِّمت القوائم إلى الرفيق المسؤول كما جاءت.

بعد ساعة، طُرق الباب مرةً أخرى، وهذه المرة طُلبتُ أنا.

خرجتُ مستفسرًا:

— ما الأمر؟

فقال الرفيق:

— هل يمكن أن تتفضل إلى هذه الغرفة؟

— ما الخبر؟

— لا شيء… الرفاق هنا أحبّوا أن يتعرّفوا عليك.

دخلتُ الغرفة، وكانت أجواؤها ملبّدة بسحابة دخان كثيفة. جلس عددٌ من الرفاق حول طاولةٍ خشبية مربعة متوسطة الحجم.

— تفضل، رفيق مزاحم، استرح… أهلًا وسهلًا.

— رفيق، هل أنت متأكد من هؤلاء الرفاق؟

— نعم.

ثم بادر آخر بسؤالٍ مباغت:

— طيب، رفيق… أين تزكيتك؟

لم أعر السؤال أهمية، وأجبتُ بشيءٍ من السخرية:

— رفيق، هل تعرفونني؟

— نعم، سمعنا بك منذ يوم وصولك… والآن أين تزكيتك؟

فقلتُ باستخفاف:

— تزكيتي تجدونها في مقر اللجنة المركزية في الكرادة خارج، ببغداد.

نهضتُ وقلت:

— تسمحون لي… مع السلامة.

(يتبع)