للذهاب الى صفحة الكاتب   

الديمقراطية وثقافة قبول الاختلاف

يونس متي

 

 

إذا كانت الديمقراطية نمطاً للعيش المشترك، فإنها لا تُختبر فقط في القوانين والمؤسسات، ولا في قدرتنا على رفع شعاراتها، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع الآخرين في حياتنا اليومية، وخصوصاً عندما نختلف.

 

كثيراً ما نتحدث عن حرية التعبير باعتبارها حقاً أصيلاً، ونحرص على أن تكون مكفولة بالقانون. وهذا أمر ضروري، لكنه لا يكفي لوحده. فوجود نص يحمي حق الإنسان في التعبير لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح قادراً على تقبل ما يقوله، خاصة اذا كان رأيه مختلفاً عما هو سائد. فقد يكون من حقك أن تتكلم، لكنك قد تواجه بعد ذلك السخرية أو التخوين أو الإقصاء أو الضغط الاجتماعي.

 

وهنا تظهر الفجوة بين الحرية بوصفها حقاً، والحرية بوصفها ممارسة. فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد الاعتراف بحق الإنسان في التعبير، وإنما عندما يصبح هذا الحق جزءاً من طريقة تعاملنا في الحياة اليومية.

 

من هنا تبرز أهمية قبول الرأي الآخر. ليس المقصود أن أوافق على رأيك، أو أن أتخلى عن قناعتي كلما اختلفت معي، بل أن أعترف بأن لك الحق في أن ترى الأمور بصورة مختلفة. وحتى كلمة (التسامح) لا تبدو دقيقة تماماً في هذا السياق؛ فعندما أقول إنني (متسامح) مع رأيك، قد أوحي، من حيث لا أقصد، بأنني أملك سلطة السماح لك بالاختلاف، أو أنني أملك الحقيقة التي أتفضل بالسماح لك بمخالفتها. والحقيقة أن حقك في التفكير والتعبير لا يحتاج إلى إذن مني، كما أن حقي في الاختلاف لا يحتاج إلى موافقة منك. نحن متساويان في هذا الحق، حتى عندما نختلف في الرأي. ولا يعني الاعتراف بحقك في الاختلاف أن أوافق على رأيك، فمن حقي أن أختلف معه وأن أنتقده، لكن ليس من حقي أن أنكر عليك حقك في التعبير عنه.

 

والاختلاف ليس عبئاً ينبغي التخلص منه. فنحن لا نحتاج إلى الرأي المختلف لأن صاحبه يملك بالضرورة الحقيقة، وإنما لأن أحداً منا لا يملك الحقيقة كاملة. وقد يكشف لنا الرأي الذي نرفضه جانباً لم ننتبه إليه، أو يدفعنا إلى مراجعة ما اعتدنا اعتباره بديهياً. لذلك يمكن أن يكون الاختلاف وسيلة لاختبار الأفكار وتصحيح الأخطاء، لا تهديداً لوحدتنا.

 

لكن الديمقراطية لا تُختبر فقط في علاقتنا بمن يختلف معنا من خارج دوائرنا. فالإنسان لا يعيش منفرداً، بل داخل جماعات متعددة، في الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ومكان العمل، والنقابة، والجمعية، والحزب، وغيرها. وهذه الجماعات تشكل جانباً أساسياً من حياته، وتمنحه فرص التعاون والانتماء والعمل المشترك.

 

فالانتماء إلى جماعة يعني وجود ما يجمع أفرادها من أفكار وقيم وأهداف، لكنه لا يعني أن يصبحوا متطابقين في التفكير. قد أشارك جماعتي أهدافها وألتزم بقواعد العمل المشترك، ومع ذلك أحتفظ بحقي في أن أقترح وأناقش وأعترض، وأن أرى بعض الأمور بصورة مختلفة. والجماعة التي لا تتيح للرأي المختلف مكاناً داخلها قد تحافظ على وحدة موقفها، لكنها تخسر فرصة مراجعة نفسها والاستفادة من أفكار أعضائها.

 

والاستماع إلى الآخر لا يعني الاتفاق معه. المهم أن يكون للرأي المختلف مكان حقيقي داخل الجماعة.

 

فالاختلاف لا يعني الانقسام. يمكن للجماعة أن تختلف في الرأي ثم تتخذ قراراً مشتركاً وفق قواعدها، من دون أن يتحول المختلف إلى خصم. وقد تكون قدرتها على الاستماع إلى أعضائها مصدراً لقوتها، لأنها تتيح لها رؤية ما قد لا يراه الرأي الغالب.

 

وتزداد أهمية ذلك عندما تختلف مواقعنا داخل الجماعة. فقد تتفاوت المسؤوليات والصلاحيات باختلاف المواقع، لكن ذلك لا يعني تفاوت الحقوق. فالموقع مسؤولية لا امتياز، ومن يتولاه اليوم قد يتولاه غيره غداً، لذلك لا يمنح صاحبه حقاً أكبر في التفكير أو التعبير أو الاختلاف، ولا يعفيه من واجب الاستماع إلى الآخرين.

 

وهذا كله يعيدنا إلى معنى الديمقراطية كنمط للعيش المشترك. فالديمقراطية لا تعني فقط أن يكون لنا جميعاً حق الكلام، وإنما أن نعيش بطريقة تجعل هذا الحق ممكناً ومقبولاً في علاقاتنا اليومية. وهي لا تعني بالضرورة أن نتفق، بل أن نعرف كيف نختلف، وكيف نصغي إلى بعضنا، وكيف نحافظ على العمل المشترك رغم اختلاف الآراء.

 

وقد تكون هذه هي النقطة الأهم، أن الديمقراطية لا تُختبر عندما أتحدث أنا فقط، بل عندما أقبل أن يتحدث الآخر. ولا تُختبر عندما أختلف فقط، بل عندما أقبل أن يختلف معي من أعيش معه وأعمل معه وأنتمي إليه.

 

فإذا بقيت حرية التفكير والتعبير والاختلاف مجرد حقوق نطالب بها، من دون أن تصبح قيماً نمارسها داخل الجماعات التي ننتمي إليها، ستظل الديمقراطية ناقصة في حياتنا اليومية. أما عندما يصبح من الطبيعي أن يكون للآخر رأي مختلف، وأن أصغي إليه حتى عندما لا يعجبني، وأن أحافظ على حقه في التعبير حتى عندما لا أوافقه، عندها تتحول الديمقراطية من نص أو شعار إلى نمط حقيقي للعيش المشترك.