للذهاب الى صفحة الكاتب   

بزق شقيقي خالد

ناظم ختاري

 

 

ما دفعني إلى كتابة هذا النص هو تلك اللحظة التي وصلتني فيها صورة البزق الجديد الذي اشتريته العام الماضي من كوردستان. رأيت إعلانًا على الإنترنت لبائع يروّج لبزق ته‌ مبور، فاستيقظ في داخلي ذلك الحلم القديم، أن أتعلم العزف على البزق. حلمٌ رافق طفولتي، لكنه لم يتحقق، رغم محاولات صديقي ورفيقي أبو خدر، الذي صنع في الجبل بزقًا من مواد بسيطة، وبأدوات بسيطة حصل عليها من مدينة مهاباد في احدى إجازاته، وكان يعزف عليه لساعات طويلة كل يوم. تعلمتُ نصف لحن، لا لحنًا كاملًا، ولأبسط الأغاني الكوردية. ثم توقف المشوار عند هذا الحد، فالحياة في الجبل لم تكن تسمح بترف الموسيقى، كنا نعيش وسط مهام عسكرية وتنظيمية معقدة، وهجمات النظام المتكررة على قواعدنا الأنصارية.

 

عندما اشتريت بزقي عبر الإنترنت، كنت أنوي - وما زلت - أن أواصل حلمي القديم. طلب مني صاحب المتجر من مدينة طقطق عنوانًا لإرسال البضاعة عليه، ولأنني كنت في ألمانيا، أعطيته عنوان صديقي النصير هادي من قرية دوغات ورقم تلفونه. فاتصلت به، ونسّقنا موعد وصول البزق، وطلبت منه تسديد ثمنه لحين زيارتي.إلى الوطن بعد أيام أو شهور، اتصل بي هادي قائلاً إن البزق وصل وهو بحالة ممتازة، ثم سألني "ما الذي تريد أن أفعل به؟ هل أعطيه لشخص ما؟" أجبته مستغربًا، ولماذا تعطيه لأحد؟ البزق لي. ضحك وقال، لكنّك لا تعرف العزف. قلت له، سأحاول أن أتعلم، ولهذا اشتريته . فردّ بسخرية محبّة، أشك في ذلك… في هذا العمر.

 

قبل عدة شهور، زرت بيت شقيقي خالد، وهو أيضا يسكن بالقرب من مدينة كولن في ألمانيا. دخلت غرفة الجلوس، فاستوقفني بزق معلّق على الجدار. لم أكن أعرف إن كان خالد يعزف أم لا. سألته، ما هذا ؟ قال، بزق. سألته، هل تعرف العزف؟ قال، حاولت… لكنني لم أتعلم كما ينبغي. أعزف، ولكن ليس كما يجب. سألته، ولماذا لم تتعلم؟ نظر إليّ نظرة طويلة، ثم قال "بسببك أنت".

تجمدتُ لحظة، ثم سألته، وما علاقتي بالموضوع؟ قال، تعرف… ويعرف الجميع. عندما كنت في الجبل تقاتل النظام، كان بيتنا يتعرض للمداهمات المتكررة. كانوا يفتشون البيت، يصادرون الممتلكات، ويقيمون مزادًا قسريًا في باحة المنزل. أومأت برأسي. تذكرت كل شيء، المداهمات التي كانت تحدث أحيانًا مرتين في السنة أو أكثر، مصادرة ممتلكاتنا، وهروب العائلة خارج البيت لتجنب الاعتقال.

 

قال خالد، كانوا يجمعون كل شيء في باحة المنزل، الثلاجة، الأفرشة، أدوات المطبخ وغيرها من ممتلكات البيت… ثم يجبرون أهل القرية على حضور المزاد. أحد أقربائنا كان يدخل المزاد باتفاق معنا ومع الأهالي، فيشتري كل شيء بسعر منخفض، ثم يعيد الممتلكات إلى البيت بعد مغادرة القوات. ندفع له الثمن لاحقًا، وتستمر الحياة بانتظار مداهمة جديدة.

 

ثم صمت لحظة، قبل أن يضيف، "لكن هناك شيء واحد لم يدخل المزاد أبدًا، البزق". رفعت حاجبيّ، فقال، كل مرة يقتحمون البيت، كان أول ما يفعلونه هو كسر البزق. كأنهم ينتقمون من الموسيقى نفسها. تمامًا كما تفعل الجماعات المتطرفة مثل طالبان أو داعش، تلك التنظيمات التي ارتكبت جرائم واسعة ضد المدنيين وكانت تحطم الآلات الموسيقية وكل ما يمتّ للفن بصلة، تنهد وقال ، اشتريت أكثر من بزق، وكلها كان مصيرها التحطيم. لذلك لم أتعلم العزف جيدا. فقل لي… ألست أنت السبب؟

ضحكتُ بمرارة، وقلت له، "صدقت يا أخي".

لم تكن قصة البزق في بيتنا مجرد حكاية عن آلة تُكسر، بل كانت مرآة دقيقة لما يحدث للإنسان حين يُحاصر. فالموسيقى، في جوهرها، ليست أوتارًا ولا خشبًا، بل هي محاولة الإنسان أن يرفع رأسه فوق الماء، أن يقول للعالم، "ما زلتُ أتنفس".

 

ولهذا، حين كانت القوات تقتحم البيت، لم تكن تكسر البزق لأنها تكرهه، بل لأنها كانت تدرك - دون أن تعترف - أن الموسيقى أخطر من السلاح. السلاح يقتل جسدًا، لكن الموسيقى تُبقي الروح حيّة، وتمنح الإنسان قدرة على النجاة لا يمكن السيطرة عليها. كانوا يكسرون البزق لأنهم لم يستطيعوا كسر الإنسان.

 

ولعلّ خالد، دون أن يدري، كان يعيش هذه الرمزية كلما اشترى بزقًا جديدًا. كان يعيد بناء شيء ما في داخله، شيء تحطّم في تلك السنوات. كل بزق يُكسر كان يشبه ضربة على ذاكرة البيت، لكن كل بزق جديد كان يشبه محاولة للنجاة، محاولة لاستعادة ما سُرق من طفولته وشبابه.

أما أنا، حين أمسكتُ بزقي الجديد، شعرت أنني لا أحمل آلة موسيقية، بل أحمل شهادة حياة. كأن البزق يقول لي، "لقد كُسرتُ مرات كثيرة، لكنني ما زلتُ هنا". وكأن خالد، حين علق بزقه على الجدار، كان يعلن شيئًا أكبر من العزف، كان يعلن أنه بقي واقفًا، رغم كل شيء.

 

الموسيقى ليست فنًا فقط، بل هي شكل من أشكال المقاومة. هي الطريقة التي يقول بها الإنسان، "لن أسمح للظلام أن يربح". ولهذا، حين تُكسر آلة، لا تموت الموسيقى، بل تنتقل إلى صدر آخر، إلى يد أخرى، إلى بيت آخر. وما دام هناك من يشتري بزقًا جديدًا، فمعنى ذلك أن الحياة ما زالت تقاوم.