للذهاب الى صفحة الكاتب   

الاشوريون في التاريخ/ الحلقة 39

نينـــوى العظيمة

يعكوب ابونا

 

 وجدت بان من الضروري ان نتحدث عن نينوى وعظمتها قبل اعلان سقوطها.

أدت معاول المنقبين الى اكتشاف آثار نينوى في القرن التاسع عشر من خلال أعمال التنقيب التي قام بها عدد من علماء الآثار، ومن أبرزهم أوستن هنري لايارد" 1849" تلك التنقيبات كشفت عن القصور والمعابد والمنحوتات والألواح المسمارية، وأسهمت هذه الاكتشافات في زيادة المعرفة بتاريخ الحضارة الآشورية. وحضارة بلاد النهرين.

 

تقع نينوى في شمال العراق، على الضفة الشرقية لنهر دجلة مقابل مدينة الموصل الحالية. يشير علم الاثار الى ان المنطقةُ التي تقع فيها نينوى استوطنت منذ 6000 ق.م، وبحلول 3000 ق.م أصبحت نينوى مركزًا دينيًا مهمًا لعبادة الإلهة عشتار. وان اسم «نينوى» على الأرجح مرتبط بأسماء بعض الآلهة العراقية القديمة ك (نينخورساك) ونينورتا، وقد يشير الى اسم  «بيت الإلهة عشتار»  لان المدينة كان لها معبد لعشتار منذ أقدم العصور.

 ويُحتمل أن باني هذا المعبد كان سرجون الأكدي نفسه، كما أعاد الملك الأكدي مانيشتوسو (2270-2255 ق.م) بناءه وأضاف أبنية أخرى إلى المدينة.

  كانوا الأكديين قد فتحوا المنطقة في عهد سرجون الاول (2334-2279 ق.م) الذي وحد العراق وفتح بلدانًا عديدة منها مناطق أناضولية كقيليقية وغيرها ..

 فربط الأكديون نينوى بعشتار فتمسكوا بها وبالإقليم كله حتى سقوط إلامبراطورية الاكدية نحو 2150 ق.م.

 

فتح الملك الآشوري شمشي- أدد الأول (1813-1781 ق.م)، المنطقة وأسس عاصمته في آشور في حين ازدهرت نينوى باعتبارها مركزًا تجاريًا، وانشا مملكة مترامية الاطراف، حين توفي شمشي- أدد جاء بعده ابنه "اشمي داغان"، حكم اربعين سنة ولكن اقتصر حكمه بسبب ضعفه على بلاد اشور التي انحصرت في "اشور ونينوى واربيل واربخا "كركوك"..

   وفي عهد الملك العظيم أدد- نيراري الأول (1307-1275 ق.م) وسّع الدولة ووضع الأساس لحدود الإمبراطورية الآشورية الوسطى. أقام الملك شلمنصر الأول (1274-1245 ق.م) قصرًا ومعبدًا في نينوى، وجدّد المدينة، ويُعتقد أنه بنى سورها الأول أيضًا، وهو الذي أسس مدينة كلخو (كالح).

  في عهد (تغلث فلاسر الأول (1115-1076 ق.م). مر بمرحلة  ازدهار الامبراطوريه الاشورية بشكل كبير.

 واما الملك الآشوري العظيم سنحاريب (705-681 ق.م). فقد ترك مدينة كالح التي كانت عاصمة والده سرجون الثاني "704 – 609". واتخذ نينوى عاصمة للامبراطورية الآشورية العظيمة. فشهدت أعظم مراحل ازدهارها في عهده، واهتم بتوسيعها وتجميلها، فبنى القصور والمعابد وشق القنوات وأقام شبكة متطورة لنقل المياه. وأصبحت نينوى في عهده واحدة من أعظم مدن العالم،

 ساعد موقع نينوى الجغرافي على ازدهارها بسبب قربها من طرق التجارة والموارد المائية والأراضي الزراعية... فأصبحت من أهم مدن الدولة الآشورية، لا بل من اعظم مدن العالم انذاك، فازدادت أهميتها السياسية والعسكرية 

   خاصة في العصر الآشوري الحديث، فشهدت توسعًا عمرانيًا كبيرًا وبناء القصور والمعابد والأسوار..

 

كانت نينوى في أوج عظمتها مدينة واسعة ومحصنة، بلغت مساحتها داخل الأسوار نحو 750–775 هكتارًا، وكان يحيط بها سور دفاعي ضخم يبلغ محيطه نحو 12 كيلومترًا. وقد شُيّد السور من الطابوق اللَّبِن والحجر، وكان يتكوّن من تحصينات وأبراج وأبواب ضخمة. وتشير المصادر الأثرية إلى وجود نحو 18 بوابة للمدينة، ارتبطت بالطرق الرئيسية وبالمناطق المحيطة بها.

ومن أشهر أبواب نينوى باب نركال، الذي كان من الأبواب المهمة في الجهة الشمالية. وقد زُيّن بتماثيل ضخمة للثيران المجنحة ذات الرؤوس البشرية، المعروفة باسم اللاماسو، والتي كانت تُستخدم رموزًا للحماية. كما كشفت التنقيبات العراقية عن نقوش للملك سنحاريب على تماثيل اللاماسو وأحجار الرصف في الباب.

 

  ومن أبرز المباني ومعالم نينوى

قصر سنحاريب (القصر الجنوبي الغربي):1-

وقد أطلق عليه سنحاريب اسم «القصر الذي لا نظير له». بُني على تل قوينجق، وزُينت جدرانه بآلاف الألواح والمنحوتات الحجرية التي تصور المعارك والصيد ومواكب الجزية ومشاهد من الحياة الملكية

يشير علماء الاثار ومنهم  العالمة البريطانيا "سيفاني دالي" بان المعطيات الاثرية من نصوص ومنشاءات مائية ومنحوتات اشورية في نينوى الى احتمال كبير بان الجنائن المعلقة الي وصفها المؤرخون الكلاسيكيون كانت في قصر سنحاريب في نينوى، وليس في بابل ، ..

. 2- قصر آشوربانيبال

يقع في الجزء الشمالي من تل قوينجق، واشتهر بمنحوتاته الفنية الرائعة، ولا سيما مشاهد صيد الأسود التي تصور الملك آشوربانيبال. كما ارتبط القصر بمكتبة آشوربانيبال الشهيرة التي احتوت آلاف الألواح المسمارية.

.  3- معبد عشتار

كان مكرسًا للإلهة عشتار، إلهة الحب والحرب، وكان من المعابد المهمة في مدينة نينوى القديمة، وقد كشفت التنقيبات عن بقاياه في تل قوينجق ..

 

   مكتبة آشوربانيبال في نينوى

   اشتهر الملك آشوربانيبال الى جانب اهتمامه العسكري كان له لاهتمام بجمع النصوص والوثائق المسمارية. أنشأ مكتبة كبيرة ضمت آلاف الألواح الطينية التي تناولت الأدب والدين والطب والفلك والقوانين والتاريخ. ومن أشهر ما عُثر عليه فيها أجزاء مهمة من ملحمة جلجامش،

 تظهر وثائق المجموعة الملكية وتزداد اهميتها لكونها في الحقيقة نسخ لرقم سومرية وبابلية قديمة جرى استنساخها في نینوى بناء على طلب الملك الآشوري نفسه. كما تقدم لنا الرسائل الكثيرة المحفوظة في ارشيف المراسلات الملكية البرهان على ان ملوك آشور كانوا ايضاً متعطشين للثقافة وانهم قد اشرفوا بانفسهم على تنظيم عملية بحث واسعة النطاق عن المخطوطات القديمة خصوصاً في البلدان ذات الحضارة الراقية كبلاد سومر وأكد.

 فنجد ان آشور بانيبال يرسل الى شخص يدعى شادونا "قائلا"

 ((عند تسلمك لرسالتي هذه، خذ معك اولئك الرجال الثلاثة والرجال الضليعين من مدينة بارسيبا وابحث عن كافة الرقم الموجودة في البيوت او التي تتواجد في معبد ايزيدا...... وتصيد الرقم النفيسة المتوفرة في ارشيفاتك والتي لا مثيل لها في آشور وابعث بها الي. ولقد كتبت الى الموظفين والمراقبين ......

وسوف لن يقوم أي فرد منهم بحجز أي رقيم عنك . واذا

صادفت أي رقيم او اي مدونة اخرى كتبت عليها مخطوطة

شعائرية لم اطلبها منك ولكنك تعتقد بانها يمكن ان تكون

ذات فائدة ما لقصري فانشدها والقطها ثم ارسلها الي)) ..

   ولم تكن القصور الملكية المكان الوحيد الذي حفظت فيه الرقم الثمينة اذ امتلكت كل العواصم والمدن المحلية الرئيسية في الدولة الآشورية مكتبات معبدية بل وحتى مكتبات خاصة حيث تم العثور على مكتبات مهمة في كل من مدن اشور ونمرود "جورج رو ص 475 -476" كما تعاقب على نينوى زمنيين او مرحلتين:

 مرحلة التوبة والرحمة في قصة يونان،

 ثم مرحلة الدينونة والسقوط في سفر ناحوم..

 

. 1- نينوى في سفر يونان النبي

أن الله أرسل النبي يونان إلى نينوى لينذر أهلها بسبب شرورهم. وصل يونان إلى المدينة وأعلن أن أمامها أربعين يومًا قبل أن يحل بها الهلاك. فاستجاب أهل نينوى للإنذار، وأعلنوا الصوم ولبسوا المسوح، ووصل الأمر إلى ملك المدينة الذي دعا الناس إلى ترك الشر والعنف والرجوع إلى الله. وعندما رأى الله توبتهم، لم ينفذ الهلاك الذي كان قد أنذرهم به ..

 

2- نينوى في سفر ناحوم الألقوشي .

أما سفر ناحوم فيقدم صورة مختلفة تمامًا. فهو يتحدث عن نينوى باعتبارها مدينة عادت إلى الظلم والعنف بعد فترة من التوبة، ولذلك جاء الإعلان عن دينونتها وسقوطها. ترتبط هذه النبوءة تاريخيًا بسقوط نينوى سنة 612 ق.م على يد التحالف البابلي والميدي.

 

 بدات الإمبراطورية الآشورية بحالة ضعف بسبب الصراعات الداخلية والحروب المستمرة واتساع رقعة الدولة. وفي سنة 614 ق.م. امام نيران حرائق مدينة اشور "شرقاط الحالية" واصعدت الدخان تحالفت البابليين والميدين على اسقاط نينوى، فاقاما عهد الصداقة والسلام بينهما ووثق حلفهما هذا بعهد زواج ابن نبوبلاسر "نبوخذنصر" بابنة" كي اخسار "اميتس، منذ ذلك التاريخ اخذا يعملان يداً بيدأ، من اجل الاستيلاء على نينوى وتدميرها،

 

 في الحلقة القادمة سنتحدث عن سقوط النهائي نينوى .. 

     ــــــــ المصادر ــــــــ

1- اليونسكو، المتحف البريطاني، موسوعة بريتانيكا، مراجع تاريخ العراق القديم والحضارة الآشورية.

 

2-  المتحف البريطاني مكتبة آشوربانيبال، والألواح المسمارية التي اكتُشفت في نينوى، ودور المكتبة في دراسة الحضارة الآشورية

3- عماد غانم الربيعي تاريخ قرية نينوى الموصل مطبعة سما بغداد، 2018، ص 396  ..

4- عامر سليمان، «نتائج حفريات جامعة الموصل في أسوار نينوى»، مجلة آداب الرافدين، جامعة الموصل، العدد الأول، 1971..

5- جامعة الموصل– كلية الآثار، «التنقيبات الأثرية»، عن التنقيبات الاثرية في مدينة نينوى وبوابة ادد وتل قوينجق وقصر اشوربانيبال

. 6- جامعة الموصل– مركز دراسات الموصل، دراساته المتعلقة بتاريخ الموصل ونينوى وتراثها ...

يعكوب ابونا ...............30 /8 /  2026 .