للذهاب الى صفحة الكاتب   

من رحم النضال/ 70

د. مزاحم مبارك مال الله

 

 

تحرك القطار من محطة براغ الكبرى بإتجاه إسطنبول.. الطريق يستغرق يومان. جلس بجانبي شخص نحيف متوسط الطول يضع نظارة غامقة العدسات على عينيه.. منذ البدء لم اشعر بالراحة تجاهه.. سحنته تشير الى انه باكستاني او هندي.. احدى اذنيه مشرومة.. بعد مضي وقت بسيط.. سألني بلغة عربية (مكسرة – كما يقولون).. الأخ عربي؟ قلت نعم.. قال انا عراقي كردي واسمي (حسن طالباني) .. شككت به اكثر.. وعرفته بنفسي:

أنا عادل الدهيسي.

"الدهيسي" هي فعلاً احدى العائلات المندائية ولكن من المستحيل أن يعرفها احد سوى المندائيين.

تحاشيت الحديث معه طوال الطريق وخشيت (حيث تولد لي انطباع انه حشري بقصد او بغير قصد) ان يرى جوازي تحت أي ذريعة خصوصاً حينما يمر القطار في النقاط الحدودية.

 

شريط سينمائي أمام ناظرى مر، ابتداءً من السادس الاعدادي ومن ثم جامعة الموصل والخدمة مع قوات الأنصار في بوزان وبيبان، الفصل من الجامعة ثم العسكرية ومواقفها المدمرة للأعصاب ومجازفة الاتصال بالحزب ومن ثم السفر الى بلغراد/ يوغسلافيا ومنها الى براغ/ جيكوسلوفاكيا وما حصل فيها.. لم اشعر الاّ بحرارة دمعة ساخنة تقطع مسافة سنوات على خدي.. فالحزب الذيعشقته وعملت به ولأجله لم يحتضني بل لفظني خارج الرحم حيث اجهضني الى المجهول..

 

اثناء الطريق سألني هذا الحشري ."اين وجهتك؟ قلت بغداد.. فأردف.. انا مقيم في المانيا جئت ازور اهلي في تركيا.. قلت.. الله يسهّل امرك..

حاولت جهد الإمكان ان أتحاشى هذا الرجل مرة بحجة النوم ومرات بحجة التدخين فيالمكان المخصص له ومرة بحجة استخدام الحمام.. الخ الى ان انقضى الوقت وأعلن في الإذاعة الداخلية للقطار عن وصوله الى محطة إسطنبول العالمية، وكان الوقت يشير الى حلول ضحى ذلك اليوم.

"حمدلله على السلامة".. تبادلناها.. حاولت ان اختفي عن انظاره.. الا انه بعد حين كان يناديني.. ولم انتبه اليه فهو كان يصيح عادل.. عادل.. هذه حافلات دمشق.. ولما لم اكن معتاداً على مناداتي بهذا الاسم لذلك لم انتبه اليه الى ان اقترب مني.

عرفت مكان الحافلات وذهبت للحجز على يوم غد.

 في هذا المجمع وهو عبارة عن فنادق وبيوت سكن مؤقت للسياحة وكَراج كبير لسيارات الأجرة الصغيرة والكبيرة والحافلات، يتكلم الناس أكثر من لغة إضافة الى التركية وأهمها العربية.. فلا معاناة في الوصول الى كل شيء وبسهولة. دلوني على فندق ويقع فوق مكتب حجز الباصات..

رميت بجسدي المتعب على الفراش وغفوت..

صحوت ليلاً وكنت جائع.. نزلت لتناول الطعام الشرقي الذي طالما اشتقت اليه.

كان موعد تحرك الحافلة الى دمشق صباحاً.. وفي الوقت المحدد حصل ما لم يكن في الحسبان.

 

(يتبع)