للذهاب الى صفحة الكاتب   

"الحركه الوطنيه اللاعراقيه" والفشل التاريخي الفاضح /6

عبد الامير الركابي

 

 

 من المبهر من بين المغفلات المسقطات قصورا من النظر، ان نرى في الافتتاح الاوربي الالي الحديث والمعاصر، لازمه وضرورة منطوية على اسباب اكتمال الرؤية التحولية المجتمعية الموافقه للاليه بصيغتها التكنولوجية الاخيرة، بما يعني كون ماقد حدث في الموضع الازدواجي الطبقي من "نهوض شامل" بفعل الانبثاق الالي، هو من حيث الحصيلة والنتائج حدث ذاتي، يحتل مكانه  كونيا بصفته تلك لا باعتباره شان العالم، اي ان الحاصل يخص اوربا بذاتها بما هي عليه كبنيه ضمن عملية التحول الانقلابيه الكبرى. الى ان تذهب حكما الى الشرق المتوسطي على الطرف المقابل من البحر المتوسط، والى العراق بالذات، فاذا بها تعيد مرة اخرى عمل القانون اللاارضوي الاختراقي المضاد كما تجلى بصيغته  التعبيريه الاولى النبوية الحدسية الابراهيمه، مانحة اياه اسباب الحضور المجتمعي الكوني الشامل بتعبيريته الاخرى الملائمه لشروط مابعد اليدوية الراهنه، لتفعل كما هو  مقرر لها عملها في بنية المجتمعات الغربيه والشرقية بماهي ضرورة  لازمه لانهاء النقص البنيوي الاحادي، وحضور الازدواجية اللازمه لاكتمال بنية المجتمعات ضمن شروط الانقلاب الالي المستجد بعد اليدوي.

 

  هكذا تكون ظاهرة "الاستعمار" وما يعرف ب "الامبرياليه" السارية الى اليوم بمثابة ظاهرة نقص من متبقيات اليدوية المنطوية، كما كانت الامبراطوريات الاحادية  تبحث عن "حاجة" وفعل نقص محرك، ذاهب من دون وعي لطلب "الازدواج" اللزوم والضرورة لنوال الاكتمال البنيوي، وهذا ما يفرض نوعا اخر من القياس لمدى "تقدم" المجتمعات بناء لاكتمالها البنيوي او احاديتها وخضوع الظاهرة المجتمعية لقوانين غير مكشوف عن الياتها النقاب الى الان، تجعل المجتمعات  بالاحرى محكومة بالذهاب الى مابعد احادية كشرط لاكتمال بنيتها مثلما انتهت روما وفارس الى سقوطين امبراطوريين احاديين، لتكتسب مجتمعهاتهما تغيرا جوهريا  لازما في بنيتيهما على مر التاريخ، وهاهي امريكا "المتخلفه" بنيويا تتعكز اليوم على "الابراهيميه" بصيغتها التعبيرية اليدوية شرق متوسطيا، بعد ان بنيت عليها بما هي مجتمعية فكرة بالاصل (4)، عندما كان المهاجرون الاوربيون الاوائل ينادون وهم على سواحل القارة الجديده "سنبني مدينه على جبل" و "سنبني اورشليم الجديده".

 

 وتظل الاحاديه بحالاتها "المتقدمه" اليوم كما ايام "روما" قوة وعنصر دفع لانتقال التعبيرية الكونية اللاارضوية من نطاقها الابتداء وعلى مستوى المنطقة الشرق متوسطية، بتغير اشكال حضورها وتحولها الى قوة انتشار يحفزها التفاعل مع وطاة الحضور الافنائي النوعي الحال في ارضها، فالواقع شرق متوسطيا اليوم ليس مجرد "استعمار" بقدر ماهو افناء لنوع ونمطية مجتمعية "اخرى"،  تذكر بموجبات انبثاق التعبيرية اللاارضوية العملية بالنبوية الكتابيه المسيحية والقرآنيه، وقبلها كتمهيد نظري ابتداء التوراتي، لنقع اليوم تحت وطاة ابتداء انسحاق ذاتي تجسد بصيغة الاستعارة التوهمية "النهضوية العربيه الزائفة" بمختلف تعبيراتها الماحية للذات، مع التساؤل الذي يظل بلا جواب "لماذا تقدم الغرب وتاخرنا؟" مادامت الاجابه عليه تاتي بلسان الاستعارة والنظر للذات بعين الاخر، من دون تعرف لازم على معنى "التقدم" المفترض، ماهو وكيف يتحقق ازدواجيا لاارضويا احاديا، لصالح المنطقة والعالم  وبمقدمته الغرب.

 

 والفرق هائل بقدر ماهو خارج الانتباه، بين السردية الاحادية الغربيه وتوهميتها الغالبه، وبين منطق الازدواج والياته ووجهته التي تجعل من الغرب بحالته الاليه وسيله وقوة ايقاظ للاارضوية بطبعتها التعبيرية الثانيه الراهنه بعد الابراهيمه، واذ ياخذ الغرب بممارسة سياسة "الافناء" البراني للنموذج الوطن كوني الرافديني المتشكل ابتداء من العشرينات فيدخله طور الانتقالية الاليه، الذي هو بانتظارها وسبقها كينونه وانبعاثا راهنا بما يزيد على القرن مع  بدايات القرن السادس عشر، فاذا حلت "الويرلنيه" واقيمت برانيا بالقوة والاكراه عام 1921 كدولة مفترضة وجاهزه من خارج النصاب التشكلي المجتمعي الازدواجي، انقلبت التعبيريه المضادة ابتداء بالشيوعية اللاارضوية، وبقيام "الدولة اللاارضوية" في عاصمه الانبعاث الحالي "الناصرية" عاصمة المنتفك/ سومر الحديثة، حيث تاسس الحزبان الاكثر فعالية الشيوعي وحزب البعث، بعد محاولات فاشله لاقامتهما في عاصمة الامبراطورية المنهارة بغداد، وليتغير نوع التعبير اللاارضوي وقتها وردا على الانقلابيه الاليه البرانيه، من "الانتظارية النجفية" المرحلة الثانيه من التشكلية الحديثة على عمق ابراهيمتيها النبوية منتهية الصلاحية، الى الماركسة/ اللينينيه، ماقد جعل النجف تدخل لمرات في معارك مع القوة غير المتوقعه والغريبه" الكافرة" التي حلت محلها.

 

   وياتي هذا بعد الثورة اللاارضوية الكبرى غير الناطقة الاولى عام 1920 بخاصياتها ونشيدها "الطوب احسن لو مكواري"، ثورة عظمى كادت تجبر المحتل على الرحيل من دون حركة وطنيه ولاقيادة محدده غير غريزة الكينونه والبنية المهدده لاول مرة بالغزو من اسفل، من الفاو صودا وهو مالم يحصل في التاريخ اذ ظلت التهديدات السلاليه تاتي من اعلى شمالا وجنوبا وشرقا، فلم يحدث على الاطلاق ان اخترقت منطقة الامان المجتمعي الجنوبيه كما هو حاصل اليوم، ومن قبل قوة مختلفة نوعا وقدرات قبل ان تحصل الثورة اللاارضوية الثانيه غير الناطقة في تموز 1958 فتسحق الدولة البرانيه وتؤكل في الطرقات، وتنتهي علاقة اللاارضوية بالحزبيه التي كانت ضرورية قبل الثورة، وانتهت الحاجة لها الان في غمرة الهبه الكبرى، وتعدي دفق الانفجار الكبير للاحزاب ونوع الدول البرانيه  والكيانات المخالفة لطبيعة المكان، الى سرقة الحزبين ارضويا، وتحول احدهما الى قوة حكم ريعيه مهمتها الاجهاز على محركات اللاارضوية، والاخر الى حزب ارضوي يعتمد كمحرك اساس ديناميات خارجه عن الحاصل لاارضويا بظل متغيرات مابعد ثورة تموز، ومرتكزة الى، ومستنده الى واقع مرهون بالوضع الكردي  لا العراقي ككل، وهو ماصار واقعا بعد عام 1964 بالاستفادة فعليا من العملية الافنائية التي نفذها انقلابيو 1963 بحق الحزب الشيوعي اللاارضوي.

 

ليس التقدم صناعة السيارات والقطارات والصواريخ، واكتشاف الجوانب الخافية من الطبيعه ولا النشوئية الترقوية بجسديتها  الغالبه، او الاصطراع الطبقي الاحادي في زمن الاله وانتهاء زمن الطبقات وصراعها، او "اخر العلوم" اذا كانت هذه بجملتها منجزات محركها الانقلاب في وسيلة الانتاج، مع بقاء الصنف المجتمعي الجسدي الارضوي  وحدوده التي تمنع الارتقاء لمستوى الاله ومضمرها، وما هي موجوده لكي تاخذ الظاهرة المجتمعية والبشرية اليه مابعد جسديا، ماقد ان الاون لانتهائه كطور لازم وضروري لابد من المرور به وبدينامياته قبل الوصول الى الانقلاب التحولي العقلي الاعظم.

 

  ارض مابين النهرين هي البوابه  والمخرج الموصل الى العالم الاخر،فيها وجدت ابتداء اللاارضوية التي ظلت مقصية غير قابله للتحقق لافتقارها للوسيلة الانتقالية المادية وللاادراكية العظمى المتعدية للقصورية العقلية، ومامتاح للعقل من ممكنات الادراك الامر الذي يصير راهنا ابان الانتقال من اليدوية الى الاليه الذاهبة الى التكنولوجية العليا، وهو مايحل بعد مسار من التفاعلية الالغائية النوعية، تمارسها الابتدائية الالية الارضوية وتوهميتها النموذجية الاعقالية الغازية لارض الازدواج المجتمعي، الى ان تبدا وسيلة الانتاج العليا بطرق الابواب، ويصير الانقلاب الادراكي راهنا ممكنا وواجبا وهو مايحل على ارض مابين النهرين تحت طائلة  الانهيار الشامل اليوم، ومن هنا فصاعدا، بعدما مرت بكل مستلزمات النطقية، وصارت الارضوية  الالية وكل اشكال تجليها من الدول والكيانات وطريقة النظر للاشياء والظواهر بالمقابل، منتهية الصلاحية آيلة الى الزوال.

 

  ـ يتبع : عراق البدئية مابعد المجتمعية / ملحق